المصالح المرسلة دراسة تحليلية ومناقشة فقهية وأصولية مع أمثلة تطبيقية [صفحة 1] المصالح المرسلة دراسة تحليلية ومناقشة فقهية وأصولية مع أمثلة تطبيقية تأليف محمود عبد الكريم حسن دار النهضة الإسلامية [صفحة 2] المصالح المرسلة [صفحة 3] بسم الله الرحمن الرحيم [صفحة 4] المصالح المرسلة تأليف محمود عبد الكريم حسن دار النهضة الإسلامية [صفحة 5] جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1415هـ- 1995م طُبع منها 2000 نسخة ـــــــــــــــــــــــــــــــــ دار النهضة الإسلامية Dar An-Nahda Al-Islamiyya ص. ب 155199 P .O. Bo. 155199 البسطة، بيروت- لبنان Basta, Beirut – Lebanon ـــــــــــــــــــــــــــــــــ [صفحة 6] بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {4/59} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا {4/60} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا {4/61} فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا {4/62} أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا {4/63} سورة النساء / 59 - 63 [صفحة 7] بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة بحث حجية المصالح المرسلة بحث أصولي مختلف فيه قديماً وحديثاً، إلا أن هنالك فرقاً واضحاً بين اختلاف الأئمة والأصوليين في العصور الأولى، عصور كثرة العلماء وازدهار العلم والفقه وسيادة الإسلام، وبين اختلاف الكتاب في الأصول في العصور المتأخرة، أي عصور ندرة العلماء، واعتبارهم بحملهم للشهادات. فالعصور الأولى كان الأكثرون -من العلماء- فيها على أن المصالح المرسلة ليست دليلاً. أما العصور المتأخرة -مثل عصرنا- فإنك لا تكاد تجد من يبحث فيها بحثاً شرعياً صحيحاً، ولا تكاد تجد من يردها. بل وأكثر من ذلك ، فإنك تجد في هذه العصور -الأخيرة- وهي عصور انحسار الإسلام، وخضوع المسلمين لعدوهم، وإبدال مفاهيم الإسلام بمفاهيم غربية أو شرقية منبثقة عن الكفر، تجد من العلماء عملاء للكفر وسلاطينه، تربعوا في مواقع العلم والإفتاء، يغيّرون أحكام الله ويُفتون بالحلال حراماً، بحجة المصلحة وتغيّر العصر، وبحجة أن للشريعة مقاصد يجب الحفاظ عليها، ولا يهم كيفية هذا الحفاظ. ولذلك ترى الربا يصير مباحاً، وأحكام العقوبات تتغير، ولا ضير في ذلك طالما أن المقصود هو الزجر والمنع، فيمكننا أن نزجر بغير الطريقة القديمة، ويصبح الاختلاط مما عمت به البلوى، وتصبح الاستعانة بالكفار لقتال المسلمين عملاً شرعياً، ويصبح الصلح مع إسرائيل والاعتراف بسيادتها على بلاد المسلمين أمراً يحثّ عليه الإسلام، إذ يحث على السلم. ولأجل ذلك، فإنه يُطْمَسُ من الإسلام كثير من مسلّماته وقطعياته ويُروّج لكثير من الأفكار الدخيلة على الإسلام بحجة أنها قواعد شرعية، وليست كذلك. مثل: "ماعمت به البلوى"، و"لا يُنكر تغيّر الأحكام بتغيّر الزمان"، و"أينما كانت المصلحة فثمّ شرع الله"، والعرف وغير ذلك. والصواب أن الحرام حين يعمّ يظلّ حراماً، والأحكام ينكر تغيرها بتغير الزمان، إذ [صفحة 8] الوحي قد انقطع، وحكم الله في الواقعة الواحدة ثابت لا يرفع إلا بدليل من الشرع، وشرع الله ليس حيث تكون المصلحة، وإن شئنا فلنقل: المصلحة حيث الشرع. والعرف ليس بشيء إلا إذا دل الشرع على شيء منه، فإنه يؤخذ حينئذ بدلالة الشرع وليس لأنه عرف. لأجل هذا الانحراف في فهم الإسلام والتضليل -المتعمد في غالب الأحيان- والذي يُتَذَرَّعُ له بالمصلحة المرسلة؛ عمدت إلى بحث موضوع المصالح المرسلة بحثاً شرعياً أصولياً، عسى أن يكون له أثر في منع الانحراف، وفي وعي المسلمين على حقيقة دينهم. وقد قسمت الكتاب إلى أربعة فصول وخاتمة قصيرة: الفصل الأول: في علم أصول الفقه من حيث تعريفه وموضوعه، وفي الحاكم وتَفَرُّدِه في التحسين والتقبيح، ثم في مصادر التشريع، المتفق عليها والمختلف فيها. الفصل الثاني: في مقاصد الشريعة وبيان أنها غايات للتشريع وليست عللاً، والفرق بين مقاصد الشريعة ومقاصد الأحكام، وفي جلب المصالح ودرء المفاسد، ثم في التعليل بالمناسبة وأقسام المناسب وأقسام المصالح. الفصل الثالث: في المصالح المرسلة من حيث تعريفها وأدلة القائلين بها وموقف العلماء منها، ثم مناقشة أصولية لها، ومناقشة فقهية لأمثلة من أعمال الصحابة رضوان الله عليهم. وتضمنت المناقشة الأدلة على أن المصالح المرسلة ليست دليلاً شرعياً، وأن أعمال الصحابة ليست من باب المصالح المرسلة. الفصل الرابع: ويتضمن تحقيقاً في قصد الأئمة والعلماء الذين قالوا بالمصالح المرسلة. ويتضمن أيضاً ردَّ شبهتين حول تقسيم المصالح إلى معتبرة وملغاة ولا معتبرة ولا ملغاة، وحول وضع قيود لها بأن لا تكون مخالفة لنص أو إجماع أو قياس. الخاتمة: في القيام بالفعل بقصد المصلحة، وفي الرأي الشرعي المحترم وإن كان مخالفاً لاجتهاد آخر، وفي الرأي المردود شرعاً وإن ادُّعِيَ أنه مستنبط باجتهاد صحيح. [صفحة 9] وختاماً أسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت في المنهج الذي اتبعته، وفي ما ذهبت إليه من رأي. وأن يحتسب لي هذا الجهد عنده. [صفحة 10] الفصل الأول أصول الفقه الحاكم مصادر التشريع: تمهيد مصادر التشريع يجب أن تكون قطعية مصادر متفق عليها المصدر الأول: الكتاب المصدر الثاني: السنة المصدر الثالث: الإجماع المصدر الرابع: القياس مصادر غير متفق عليها [صفحة 11] أصول الفقه " أصول الفقه" مركب إضافي تتوقف معرفته على معرفة جزأي التركيب، والأصل لغة هو ما يبتنى عليه، سواء كان الابتناء حسياً كابتناء الجدران على الأساس، أو عقلياً كابتناء المعلول على العلة والمدلول على الدليل. فالأصل هو القاعدة، وأصول الفقه هي القواعد التي يبتنى عليها الفقه. والفقه اصطلاحاً هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية. وفي مقابلة الأصول فهذه الأحكام تسمى الأحكام الفرعية. ويُطلق الفقه -في الاصطلاح أيضاً- على الأحكام الشرعية نفسها، فنقول: هذا كتاب فقه، أي يحوي أحكاماً شرعية. أما الحكم الشرعي فهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد -وقيل: المكلفين- بالطلب أو التخيير أو الوضع. فيخرج بذلك أحكام العقائد لأن موضوعها الإيمان وليس الأفعال. أما قولنا: المستنبطة من أدلتها التفصيلية فمعناه أن كل حكم له أدلته الخاصة. فقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) دليل تفصيلي على حكم شرعي وهو فرضية الحج، وقوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها"(1) دليل تفصيلي على حكم شرعي معين. وعليه فأصول الفقه هي: القواعد التي يبتنى عليها العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، أي القواعد التي يُتَوصل بها إلى استنباط هذه الأحكام من أدلتها. فموضوعه هو الأحكام والأدلة. أي التعريف بالحكم وأنواعه، ومعرفة الحاكم أو المشرع، أي الذي له إصدار الحكم، ومصادر الحكم كالقرآن والسنة وما يرشدان إليه من مصادر أخر، والمحكوم عليه أي المكلف بتنفيذ الحكم. والأدلة الإجمالية وجهات دلالتها كمطلق الأمر ومطلق __________ (1) رواه مسلم، وزاد الترمذي: "فإنها تذكر بالآخرة"، وزاد ابن ماجه: "وتزهد بالدنيا". [صفحة 12] النهي، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وسكوته، وكيفية حال المستدل أي معرفة الاجتهاد ما هو، والمجتهد من هو، ويشمل كيفية الاستدلال أي التعادل والتراجيح(2). __________ (2) انظر: الإحكام للآمدي ص 5 - 8. [صفحة 13] الحاكم وهو الذي يرجع له إصدار الحكم، أي صاحب الأمر والنهي. والحكم المبحوث عنه هنا هو الحكم الشرعي الذي ينبني عليه الثواب والعقاب. وليس الحكم الذي يستحسنه الإنسان سواءً بعقله أو بهواه، وليس الحكم الذي هو مَظِنَّةُ أن يجلب المصلحة كما يراها الإنسان. فالمعروف أن العقل يعجز عن الإحاطة بحاجات الإنسان وهو أعجز عن وضع المعالجات لها. والمعروف أن عقل الإنسان قد يرى خيراً ما هو شر، وقد يرى شراً ما هو خير. وقد يستحسن المرء ما يستقبحه غيره، وتقديره للمصلحة ينقصه الإحاطة التامة بواقع قضايا العباد كلها، وينقصه العلم بنتائج ومآلات أفعال الناس وسلوكهم. قال تعالى: (كُتِبَ عليكم القتالُ وهو كرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)(3). وقصة سيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام جلية في هذا، حيث استنكر سيدنا موسى عليه السلام واستقبح من أعمال الخضر ما كان يقوم به بوحي من الشارع(4). صحيح أن العقول قد تتفق على استحسان أمور واستقباح غيرها، كاستحسان الصدق واستقباح الكذب، وكاستحسان العدل واستقباح الظلم، إلا أن هذا الاستحسان أو هذا الاستقباح ناتج عن طبع فطري في الإنسان -أي هكذا جبله الخالق- فهو يميل إلى أمور وينفر من أمور، ولكن هذا الميل أو هذا النفور لا دخل له بتحديد الثواب والعقاب، فهو يؤثر في موقف الإنسان من حيث هو إنسان -أي فيه كل خصائص الإنسان من عجز ونقص واحتياج، وحب وبغض، وأثَرة وإيثار، ورضا وغضب، وعلم وجهل، وذكاء وغباء، ونسيان وعَيٍّ وما إلى ذلك- ولا ينبني عليه ثواب أو عقاب، فالثواب والعقاب يتوقّفان على طاعة أو عدم طاعة الذي يثيب ويعاقب. وعليه فاستحسان العقل أو استقباحه لشيءٍ ما أو لفعل ما، لا __________ (3) البقرة: 216. (4) وردت القصة في سورة الكهف. [صفحة 14] شأن له في استحقاق ثواب أو عقاب، ولا يحدد ما هو الحسن وما هو القبيح في الشرع. والحكم الذي يتوقف عليه استحقاق الثواب أو العقاب هو حكم الله وحده، فكان الحاكم هو الله وحده. وكان الحسن هو ما أمر به الله، والقبيح هو ما نهى عنه الله. ولذلك فإنا نرى أن الكذب الذي ينفر منه الطبع يكون حسناً أحياناً كما في الحرب أو على الزوجة أو للإصلاح. والظلم كذلك، فإن ما قد يراه العقل ظلماً قد يكون عدلاً والعكس صحيح، لأن العقل في أحكامه، والذوق في ما يستسيغه متأثران إلى حد بعيد بما اعتادا عليه في محيطهما. وقد دل الشرع أيضاً على أن الحاكم هو الله سبحانه وتعالى وحده. قال تعالى: (إن الحكم إلا لله)(5). وقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرةُ من أمرهم)(6)، وقال: (ألا له الخلق والأمر)(7). وعليه فالحاكم هو الله سبحانه وتعالى وحده. وإن وجد خلاف بين المتكلمين في مسألة التحسين والتقبيح بالعقل، فلا خلاف بينهم أن الحاكمية لله وحده. ويستدل بما قدمنا على أن لا حكم قبل ورود الشرع، إذ قبل ورود الشرع ليس ثمة وسيلة يعرف بها حكم الله. وما يصل إليه العقل من أحكام، وما يتواطأ عليه الناس من قوانين وأعراف، لا ينبني عليه ثواب ولا عقاب، إذ طاعتها ليست طاعة لله، ومخالفتها ليست مخالفة لله، فهي ليست أحكاماً من الله سبحانه وتعالى. قال الشاطبي(8): "والأصل في الأعمال قبل ورود الشرائع سقوط التكليف، إذ لا حكم عليه قبل العلم بالحكم، إذ شرط التكليف عند الأصوليين العلم بالمكلف به". __________ (5) الأنعام / 57. ويوسف /40، 67. (6) الأحزاب/ 36. (7) الأعراف/ 54. (8) الموافقات ج4، ص 200. [صفحة 15] مصادر التشريع تمهيد لما كان الله سبحانه وتعالى هو المشرع وحده، لَزِمَ الإنسانَ أن يعرف شريعته ليعرف بماذا يؤمن، وكيف يعبد الله، وكيف يقضي حاجاته ويعالج مشكلاته ويقيم حياته مع غيره من البشر. ومن هنا كان الناس على مر العصور محتاجين للرسل ليبلغوهم شرائع الله سبحانه وتعالى. وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وكانت رسالته خاتمة الرسالات. وقد انتقل صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغ الرسالة إلى جوار ربه تاركاً فينا القرآن والسنة. وقد قال: "... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور.."(9). وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)(10). وقال: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً)(11). فكانت هذه الرسالة شريعة للناس كافة إلى يوم القيامة، وفيها حكم كل واقعة. ولما كانت حياة الناس فيها من الوقائع والنازلات والقضايا والمشكلات ما هو مستجدّ دائماً، فقد وجب دائماً وجود من يعرف حكم الله في كل ما يستجد، وهذا يقتضي وجوب معرفة المصادر التي تؤخذ منها الأحكام. وهي أحكام شرعية، وقد نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها وحياً، (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)(12). ولذلك فالمصادر التي تؤخذ منها الأحكام، أي مصادر التشريع أو أصول التشريع، هي ما يثبت قطعاً(13) أنها وحي من عند __________ (9) رواه أبو داود في كتاب السنة. (10) الشورى / 10. (11) النساء / 59. (12) النجم / 3-4 (13) كما سنبين تحت العنوان التالي. [صفحة 16] الله، إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ومن هذه المصادر ما هو متفق عليه بين المسلمين ومنها ما هو مختلف فيه. مصادر التشريع يجب أن تكون قطعية مصادر التشريع في الإسلام هي الجهات التي أودع الله سبحانه وتعالى فيها أوامره ونواهيه. ولذلك يُعد بحث المصادر من أهم أبحاث أصول الفقه بعد بحث الحاكم، والموضوعان مرتبطان ارتباطاً مباشراً. ومصادر التشريع من الأصول الكلية، لذلك فهي تُلحق بالعقائد من حيث كونها كلية، ومن حيث وجوب أن تكون قطعية. فكما أن العقائد لا تستفاد بالظن، ولا يجوز أن يكتفى في أخذها بالظن لقوله تعالى: (وما يتبع أكثرهم إلا ظناً، إن الظن لا يغني من الحق شيئاً)(14) ولغيرها من الآيات، كذلك أصول الفقه، لا تؤخذ بالظن، ولا يُعَدُّ من الأصول ما كان ظنياً. وإذا جاز قبول مصدر للتشريع بناء على الظن، فهذا يعني جواز عدّ الظن أو غلبة الظن بأي جهة كلية وحياً. ومثاله كأن يُقالَ إن الإنجيل والتوراة من مصادر التشريع، لأنهما وإن كانا محرفين حسب نص القرآن، فإنه من الجائز عقلاً وشرعاً أن يكون بعضٌ من نصوصهما غير محرف، وهذه النصوص يصبح من الممكن الاستدلال بها على الأحكام عند من يرى أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، لأن بعض النصوص قد يتعلق بها الظن أنها غير محرّفة، تماماً كما أن السنة مصدر للأحكام مع وجود أحاديث ضعيفة أو موضوعة فيها. ولكن هذا باطل لما روي عنه عليه السلام أنه رأى مع عمر بن الخطاب قطعة من التوراة ينظر فيها، فغضب وقال: "ألم آتِ بها بيضاء نقية، لو أدركني أخي موسى لما وسعه إلا اتباعي"(15). __________ (14) يونس /36. (15) رواه أحمد في مسنده. [صفحة 17] وأيضاً لو اكتفينا بالظن في الأصول لوجب عدّ رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء النوم مصدراً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة"(16)، وغيره مما يفيد المعنى نفسه، ولم يقل أحد ممن يعتد برأيه بمثل هذا القول(17). لذلك فالأصول كالعقائد يجب أن تكون يقينية، فكما لا تؤخذ العقيدة إلا عن يقين، فكذلك لا تعتبر الأصول إلا باليقين، والظن لا يعتبر إلا في الفروع. ولذلك كان خبر الآحاد حجة في الأحكام ولم يكن حجة في العقائد. قال الشاطبي(18): "إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي". وقال(19): "لو جاز الظن أصلاً في أصول الفقه لجاز جعله أصلاً في أصول الدين، وليس كذلك باتفاق.. لأن نسبة أصول الفقه من أصل الشريعة كنسبة أصول الدين، وإن تفاوتت في المرتبة فقد استوت في أنها كليات معتبرة في كل ملة". ويضيف الشاطبي(20): "وقد قال بعضهم: لا سبيل إلى إثبات أصول الشريعة بالظن، لأنه تشريع ولم نتعبد بالظن إلا في الفروع". ويقول الإمام جمال الدين عبد الرحيم الآسنوي في كتاب "نهاية السول" عند الكلام على دلالة (افعل) من حيث إن الدليل الظني لا يعتبر في الأصول: "وأما بالآحاد فهو باطل لأن رواية الآحاد إن أفادت فإنما تفيد الظن، والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية وهي الفروع دون العلمية كقواعد أصول الدين وكذلك قواعد أصول الفقه، كما نقله الأنباري شارح البرهان عن العلماء قاطبة". وعلى ما سبق فأصول الفقه ومنها مصادر التشريع يجب أن تكون قطعية. مصادر متفق عليها __________ (16) رواه الشيخان واللفظ للبخاري. (17) ذكر الغزالي في المستصفى أن القول بالرؤى كمصدر للتشريع منسوب إلى بعض المبتدعة. ج2. (18) الموافقات، ج1، ص 10. (19) المصدر السابق. (20) المصدر السابق. [صفحة 18] اتفق الأصوليون في اعتبارهم لبعض مصادر التشريع، واختلفوا في بعضها الآخر. فمما اتفقوا فيه: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، وهذا الاتفاق هو ما عليه الجمهور. والقرآن وحده مما لا خلاف فيه مطلقاً، أما الثلاثة الأخرى فيتعلق بها خلافات واسعة ومؤثرة في استنباط الأحكام، فالسنة يغاير تعريفها عند الاثني عشرية ما عند أهل السنة، والإجماع كذلك اختُلِفَ فيه: هل هو إجماع المجتهدين في عصر من العصور أو هو إجماع الصحابة أو إجماع أهل المدينة أو إجماع أهل البيت أو إجماع الأمة. أما القياس فقد اختُلف فيه وفي تحديد العلة ومسالكها. المصدر الأول: الكتاب "الكتاب هو القرآن المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهو ما نقل إلينا بين دفّتي المصحف بالأحرف السبعة نقلاً متواتراً"(21). وهذا أصل قطعي ولا خلاف بين المسلمين فيه. وقد ثبت في العقيدة أن القرآن كلام الله، وهو قطعي يقيني. وعليه فهو مصدر للتشريع. وهو كما يقول الأصوليون الدليل الأول. المصدر الثاني: السنة وهي في اللغة الطريقة وتطلق في الشرع على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي عليه السلام، وقد تطلق على ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير، وعند الكلام على الأدلة الشرعية تطلق السنة على فعل الرسول وعلى قوله وعلى إقراره، فكل ذلك هو السنة(22). والسنة مصدر للتشريع، وهي الدليل الثاني بعد الكتاب. وهي كالكتاب تماماً من حيث الحجية، قال تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي)(23). وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم __________ (21) انظر في تحقيق معنى الكتاب: الإحكام للآمدي، ج1، ص 159. (22) المصدر نفسه، ج1، ص169. (23) الأنبياء/ 45. [صفحة 19] عنه فانتهوا)(24). وقال: (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)(25). وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)(26). والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته هو الرد إلى سنته، وغير ذلك من الأدلة كثير، وهي أدلة قطعية الثبوت إذ هي من القرآن، وقطعية الدلالة كما هو واضح من نصوصها. ولا خلاف بين المسلمين أن السنة دليل شرعي مُلْزِم. والمخالف في هذا خارج من الملة. ولذلك فلا اعتبار للخلاف. ومنكر حجية السنة كافر قطعاً. والاقتصار على الكتاب رأي الخارجين على الإسلام. قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما)(27). وقال عليه الصلاة والسلام: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه. لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه. وما وجدتم فيه من حرام فحرموه".(28) المصدر الثالث: الإجماع اختلف العلماء في الإجماع: إجماع مَنْ هو؟ فمن قائل هو إجماع الأمة أو إجماع العلماء، إلى قائل هو إجماع المجتهدين في عصر من العصور، إلى قائل هو إجماع أهل المدينة، ونُسِبَ إلى الشيعة قولهم إجماع أهل البيت أو إجماع العترة، وقيل هو إجماع الصحابة. وفي إمكانية حصول الإجماع بعد الصحابة كلام، وفي هذا نسب إلى الإمام أحمد رضي الله عنه: "من قال بالإجماع فهو كاذب". __________ (24) الحشر/ 7. (25) النساء/ 80. (26) النساء /59. (27) النساء/ 65. (28) رواه أبو داود. [صفحة 20] وفي الخلاف حول الإجماع يقول الدكتور كامل موسى(29): "واشترط الظاهرية في الإجماع أن يكون ضمن الصحابة وإلا فلا، نظراً لما يرونه من أن قول أهل الحل والعقد لا يعتبر إلا في حق الصحابة، ولكونهم مشهورين محصورين لقلتهم في المدينة المنورة، وأما بعدهم فقد كثروا وانتشروا في البلاد المتباعدة ... واعتبار الإجماع عند الشيعة ليس لكونه إجماعاً، بلا لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده حجة عندهم، والإجماع عند الخوارج هو إجماع الصحابة قبل حدوث الفرقة، وأما بعدها فالإجماع إجماع طائفتهم لا غير، لأن العبرة بقول المؤمنين ولا مؤمن عندهم إلا من كان على مذهبهم. وإجماع الصحابة حجة بلا خلاف عند من يعتد به. أما الإجماع فيما بعدهم فقد اختلف في إمكانية وجوده، فالظاهرية أنكروه وكذلك الإمام أحمد ..، وقال مالك: إجماع أهل المدينة يكفي لوحدهم، ولا عبرة لخلاف غيرهم، ولم يرَ الجمهور هذا، وقال الشيعة الإمامية والزيدية: إن إجماع أهل العترة حجة، والمراد بالعترة: فاطمة وعلي والحسن والحسين". وقد اختلف في قطعية دليل الإجماع. قال الشاطبي(30): "... ذهب بعض الأصوليين إلى أن كون الإجماع حجة ظني لا قطعي، إذ لم يجد في آحاد الأدلة بانفرادها ما يفيده القطع". وكذلك حصل الخلاف في إنكار حجية الإجماع هو كفر أو لا؟ قال الشيخ محمد الخضري بك(31): "قال بعض الأصوليين: إنكار حكم الإجماع القطعي كفر، كإجماع الصحابة بصريح القول المنقول عنهم تواتراً، لأن إنكاره يتضمن إنكار دليل قاطع، وهو يتضمن إنكار صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا كفر. وقالت طائفة: ليس بكفر لأن دليل حجية الإجماع ليس قطعياً فيكون ظنياً فلا يفيد العلم". وقال أيضاً نقلاً عن إمام الحرمين(32): "أما الإجماع الظني فمنكر حكمه ليس بكافر اتفاقاً". __________ (29) المدخل إلى التشريع الإسلامي، ص 201. (30) الموافقات، ج1، ص16. (31) أصول الفقه، ص 287. (32) المصدر نفسه، ص 288. [صفحة 21] الإجماع هو إجماع الصحابة من تتبع الأدلة يظهر لنا أن الأدلة القاطعة قد دلت على إجماع الصحابة، وأما غيره فأدلته ظنية، ولذلك كان التمييز بين إجماع قطعي وإجماع ظني، ولذلك أيضاً كان تكفير منكر حجية إجماع الصحابة وعدم تكفير منكر حجية الإجماع مطلقاً. وقد تقرر في الأصول أن الأدلة يجب أن تكون قطعية، وإجماع الصجابة دليله قطعي. قال تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم)(33). وقال: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله وأولئك هم الصادقون* والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون)(34). فهذه أدلة قطعية في ثبوتها ودلالتها حيث إنها ثناء على الصحابة بالجملة، وليس عليهم كأفراد، فقوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وقوله: (وأولئك هم الصادقون)، وقوله: (وأولئك هم المفلحون) كلها أقوال قطعية في دلالتها على صدق المثنيّ عليهم. ثم إن الصحابة من مهاجرين وأنصار هم الذين نقلوا إلينا القرآن، ولو كان احتمال الخطأ في الشريعة يتطرق إلى إجماعهم، لكان ممكناً أن يتطرق الخطأ إلى القرآن، وهذا محال، فلزم استحالة إجماعهم على خطأ في شؤون الدين. أما الإجماعات الأخرى فهي ليست أدلة لأنه لم يقم الدليل القطعي عليها. وكذلك فإنه غير مسلَّم بدلالتها على ما استدلوا بها عليه. فكل إجماع غير إجماع الصحابة ليس دليلاً شرعياً، لأنه لم يقم الدليل القطعي على أنه دليل شرعي، وكل ما استدلوا به هو أدلة ظنية، ولأن الأدلة __________ (33) التوبة/ 100. (34) الحشر/ 8،9. [صفحة 22] التي استدلوا بها مع كونها ظنية، وليست بأدلة قطعية، فإنه لا وجه للاستدلال بها على أن الإجماع الذي يدّعونه دليل شرعي. ولا مجال في بحثنا هذا لاستقصاء أنواع الإجماع الأخرى ومناقشتها. المصدر الرابع: القياس وهو كذلك من الأدلة المتفق عليها عند الجمهور، إلا أنه موضع أخذ وردّ وجدل واسع بين القائلين به كما يظهر من تعاريفه المختلفة. والقياس في اللغة التقدير، وعند الأصوليين اختلفت تعاريفه(35)، والتعريف الأدق هو: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت(36). وأركانه أربعة، وهي: الفرع الذي يراد قياسه، والأصل الذي يقاس عليه، والحكم الشرعي الخاص بالأصل، والعلة المشتركة بين الأصل والفرع. ومثاله تحريم الإجارة عند أذان الجمعة قياساً على تحريم البيع عند الأذان نفسه لوجود العلة وهي الإلهاء عن صلاة الجمعة. وحكم الأصل وعلته مأخوذان من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوْا إلى ذكر الله وذروا البيع)(37). فالفرع هنا الإجارة والأصل هو البيع، والحكم الشرعي الخاص بالأصل والذي يجري تطبيقه على الفرع هو التحريم، أي تحريم البيع عند أذان الجمعة، والعلة هي الإلهاء عن صلاة الجمعة. وأكثر أبحاث القياس تدور حول العلة، فإذا اشترط للقياس علة فقد اختلف في هذه العلة، هل هي الباعث على التشريع للحكم المعين، أو هي مقصود الشارع من الحكم أو هي الحكمة من تشريع الحكم، واختلف فيها هل تؤخذ من النص فقط بأن يدل عليها، أو أن للعقل دوراً في استنباطها أو تحديدها. __________ (35) انظر الإحكام للآمدي، ج3، ص 183- 193. (36) المصدر السابق. (37) الجمعة/ 9. [صفحة 23] والقياس كأصل للتشريع مردود عند الظاهرية وعند الشيعة الإمامية، وقد ردّ ابن حزم القياس بعنف. وإن كان ابن حزم مخطئاً لرده القياس فإنه –والله أعلم- لم يكن مخطئاً في رده القياس الذي عِلّته أيُّ أمر جامع. ولم ينسب نفي القياس إلا إلى الظاهرية وإلى الشيعة الإمامية وإلى بعض المعتزلة. وفي معرض الخلاف حول العلة يقول الآمدي(38): "اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة المجردة، والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث، أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم". وذهب البعض إلى جواز التعليل بأيّ وصف مجرد ولو لم يكن سياق الوصف دالاً على العلّية. قال الآمدي(39): "ذهب الأكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط، وجوّزه الأقلون، ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة، فجوّز التعليل بالأولى دون الثانية وهذا هو المختار". ولذلك فقد ذهب الشيخ محمد الخضري بك إلى أن العلة تطلق بإزاء مفهومين: "الأول- الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، وهي مصلحة يطلب به جلبها أو تكميلها، ومفسدة يطلب درؤها أو تقليلها"(40) وهو هنا يقصد أنها تفهم من النص. الثاني- "ما كان وجوده مظنة لوجود الحكمة"(41)، وهذا حين تكون الحكمة خفية. والمقصود هنا أنه ليس في النصوص ما يدل عليها لا منطوقاً ولا مفهوماً. ويذهب آخرون إلى أن العلة لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ولا يرون للعلة قيمة شرعية إلا إذا دلّت عليها النصوص. "ويتبين من استقراء النصوص الشرعية في الكتاب والسنة أن النص الشرعي يدل على العلة إما صراحة أو دلالة أو استنباطاً __________ (38) الإحكام، ج3، 202. (39) المصدر السابق. (40) أصول الفقه، ص 298. (41) المصدر نفسه [صفحة 24] أو قياساً، ولا توجد أي دلالة على العلة الشرعية من الشرع أي من النصوص المعتبرة نصوصاً شرعية سوى هذه الأحوال الأربعة ليس غير". والصواب – والله أعلم – أن العلة التي هي ركن في القياس هي التي بمعنى الباعث على التشريع- فهي خطاب الشارع منطوقاً أو مفهوماً، وإلا لم يكن الحكم المعلل بها حكماً شرعياً- وفيها المعنى أو هي المعنى الذي لأجله شرع الحكم الأصلي، وإذا خلت من هذا المعنى فإنها لا تكون العلة المعتبرة للقياس ولو سميت كذلك، بل تكون حينئذ مجرد خطاب معرف للحكم أو دالّ عليه بدون الدلالة على السبب الذي لأجله شرع الحكم. فالعلة هي السبب الذي لأجله شرع الحكم وليست هو مجرد حكمة أو مجرد مقصود للحكم. والسبب الذي لأجله شرع الحكم لا يستطيع الإنسان أن يعرفه بدون إخبار الشارع عنه. ولذلك فالعلة يشترط فيها أمران: أن تكون سبباً لتشريع حكم الأصل. وليس مجرد وصف فيه، بل وصفاً مفهماً للعلية. أن يعين الشارع سبب التشريع أو الباعث، وهذا يؤخذ من النصوص ودلالاتها. ولا قيمة لقول قائل: هذه هي العلة دون استناد إلى أدلة شرعية على العلة. والقياس حجة قطعية، ودليله واقعه. إذ إن الفرع المقيس وإن كان لا نص فيه، فإنّ هناك نصاً في أصله وهو المقيس عليه، وإذا كان حكم الأصل قد شرع لأجل علة معينة، فإن الفرع إن وُجِدَت فيه العلة نفسها، يلحقه نفسُ حكم الأصل، لأن الحكم في الأصل إنما شرع لأجل العلة، أما إذا ورد نص يبين حكم الفرع وإن وجدت العلة فإنه لا قياس حينئذ. فقد "اتفقت الأقوال على أنه لا رأي في موضع النص"(43). أي لا قياس. مصادر غير متفق عليها "هي أدلة غير متفق عليها عند جمهور الفقهاء" ومما يذكر منها: __________ (43) المدخل إلى التشريع الإسلامي، ص 204. [صفحة 25] 1- مذهب الصحابي، 2- المصالح المرسلة، 3- الاستصحاب، 4- الاستحسان، 5- سدّ الذرائع، 6- شرع من قبلنا، 7- العرف. ويضيف البعض إلى السبعة المذكورة أعلاه ثلاثة مصادر أخرى: 8- إجماع أهل المدينة، 9- الأخذ بأقل ما قيل، 10- الاستقراء. ويذكر القرافي مصادر أخرى إضافة إلى هذه العشرة. ويقول آخرون: "وأما الأدلة التي ظُنَّ أنها دليل وليست بدليل، فهي ما وُجِدَ له دليل يدل على أنه حجة ولكنه دليل ظني أو غير منطبق على ما استدل به وأهمها أربعة، هي: شرع من قبلنا، ومذهب الصحابي، والاستحسان، والمصالح المرسلة". وعن الاستصحاب: "والاستصحاب ليس دليلاً شرعياً وإلا لاحتاج إثباته إلى حجة قطعية، وهو لم تقم عليه حجة قطعية، وإنما هو حكم شرعي فيكفي فيه الدليل الظني". والواضح من تعريف الاستصحاب –وهو ثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول- أنه منهج في الفهم والاستدلال وليس دليلاً، وهو يقتضيه العقل والنظر السليم، والآمدي لا يعدّ الاستصحاب مصدراً زائداً على الأربعة، ولا يحلقه بالأدلة الموهومة عنده، وهو يلحقه بالشرعيات التي تؤخذ بالظن. يقول(46): "... ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة من الأحوال، فإنه يستلزم ظن بقائه، والظن حجة متبعة في الشرعيات". أما سدّ الذرائع فلا يذكره الآمدي بين الأدلة المعتبرة ولا بين الأدلة الموهومة عنده. وسدّ الذرائع ليس أصلاً، ولكنه قاعدة تندرج تحت قاعدة كلية هي قاعدة مآلات الأفعال، وهذه القاعدة أو الأصل مع القواعد المندرجة تحتها مثل قاعدة سدّ الذرائع، وقاعدة الحيل وقاعدة __________ (46) الإحكام، ج4، ص 127. [صفحة 26] مراعاة الخلاف وغيرها إنما مرجعها إلى أن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد. وقاعدة سدّ الذرائع معتبرة عند الشاطبي(47). أما الاستقراء فهو ليس دليلاً وإنما هو منهج في المعرفة والاستكشاف يقوم استقصاء الأشياء ذات الجنس الواحد أو التي تتمتع بصفات مشتركة وهو منهج في الفهم صحيح عموماً وليس خاصاً في الشرعيات، والحكم على صحته أو عدم صحته راجع إلى العقل وهو من الأبحاث المنطقية أو الرياضية(48). أما الأخذ أقل ما قيل(49) فهو أيضاً ليس دليلاً أو مصدراً للتشريع، وإنما هو بحث في مناط الأحكام، أي إن الحكم متعلق بهذا المقدار أو بما هو أكبر منه أو أصغر، فهذه المقادير هي مُتَعَلَّق الحكم أي مناطه، وهو إن صح فإنما يكون حكماً شرعياً وليس أصلاً. وهو قد يُعدّ في الترجيح. أما العرف(50) فقد اعتبره بعض المجتهدين وَرَدَّه آخرون، وتتبع الأقوال في العرف يدل على أنه لا ينهض له دليل. وما عُدَّ عند البعض أدلة على العرف إنما هو من قبيل الاصطلاح(51) كاللغات والاصطلاحات الخاصة أو من قبيل التقدير(52)، كتقدير الأجور أو المهور، أما العرف وهو العادة المنتشرة بين جماعة معينة، أو ما يتكرر من أعمال فيصبح عرفاً، فانتشاره أو الاعتياد عليه ليس دليلاً ولا يجعله شرعياً، وإنما هو يخضع لدلالة الشرع لمعرفة جوازه أو حرمته بالدليل التفصيلي لكل عمل. أما القول بإجماع أهل المدينة، فهو منسوب إلى المالكية، وهو عند الإمام مالك رحمه الله عمل أهل المدينة. وقد ردّه الجمهور. والقول به في عصر مالك وجيه جداً، إذ عصره عصر __________ (47) الموافقات، ج4، ص 130. (48) لمعرفة معناه انظر: أثر الاختلاف، البغا، ص 648. (49) المصدر نفسه، ص 634. (50) المصدر نفسه، ص 242. (51) فما كان من هذا القبيل أي الاصطلاح أو التقدير فهو معتبر. (52) المصدر السابق. [صفحة 27] التابعين(53)، والمدينة مَجْمَعُ العلم والعلماء، وشمسُ الإسلام ومشعُّ نوره، فالعقل يقضي أن يكون اتفاق أهل المدينة في أمر من الأمور استمراراً لما كان سائداً في عصر الصحابة رضوان الله عليهم وفي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم. إلا أن هذا القول ليس قطعياً من جهة، ولا يمكن القول باستمراره في كل عصر لاحق. ولذلك فهو ليس دليلاً، وقد سبقت الإشارة إليه في حديثنا عن إجماع الصحابة(54). أما مذهب الصحابي فقد قال به الإمام أحمد بن حنبل، والجمهور على أنه ليس دليلاً. وهو يجوز الأخذ به من باب التقليد، وليس من باب حجيته كدليل، إذ الحجة في ما جاء به الوحي. والحجة قائمة في قول الصحابة إذا أجمعوا. أما الواحد أو الاثنان أو الأكثر، فليس قولهم أو فعلهم دليلاً. وشرع من قبلنا كذلك اختلف فيه، فقال البعض: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ. وقال غيرهم إن الشرائع السابقة كلها منسوخة بالجملة، وهو الصواب والله أعلم. قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً)(55). والاستحسان نُسب العمل به إلى أبي حنيفة والإمام أحمد رضي الله عنهما، وذلك بناءً على ما في مذهبيهما من الفروع. وقد رده الشافعي في كتاب إبطال الاستحسان. ورده الآمدي في الإحكام، والغزالي في المستصفى. واشتهر عن الشافعي قوله: "من استحسن فقد شرع" وقد عُدّ الاستحسان عند من ردوه قولاً بالتشهّي والهوى. والأقوال في تعريفه مختلفة، وتجعل معانيه مختلفة. أما دليل المصالح المرسلة أو الاستصلاح، فسأتناوله بالتفصيل، مبيناً من الذين قالوا به، ومن الذين ردوه. مع تفصيل البحث في الأساس الذي بُني عليه هذا الدليل وهو القول بمقاصد الشريعة. وسأبذل جهدي لاستخلاص ما أراه الصواب من أقوالهم. __________ (53) الإمام مالك من تابعي التابعين. (54) انظر ص 23، 24 من هذا البحث. (55) المائدة/ 48. [صفحة 28] وملخص القول في هذه الأدلة المختلف فيها بين المجتهدين والأصوليين، أن الاختلاف فيها يُشْعِرُ أنها ليست قطعية. وكونها ليست قطعية كافٍ لرده وعدم اعتبارها. إذ الأصول يجب أن تكون يقينية. [صفحة 29] الفصل الثاني مقاصد الشريعة مقاصد الشريعة مقاصد الشريعة هي غاياتها، أي نتائج تطبيقها مقاصد الشريعة ليست مقاصد للأحكام مقاصد الأحكام جلب المصالح ودرء المفاسد عِلِّيّة جلب المصالح ودرء المفاسد المناسب أقسام المناسب أقسام المصالح [صفحة 30] مقاصد الشريعة قبل البحث في المصالح المرسلة من حيث تعريفها، ومن حيث كونها أصلاً من أصول الشريعة، لا بد من الحديث عن بعض المقدمات التي استند إليها القائلون بالمصالح كدليل شرعي ومنها مقاصد الشريعة، وجلب المصالح ودرء المفاسد، وعليّة هذه المقاصد أو المصالح. مقاصد الشريعة يقول بعض الأئمة الأصوليين إن للشريعة مقاصد، وإنها قد شرعت لحفظ هذه المقاصد في الخلق. فيقول الآمدي(56): "المقصود من شرع الحكم لا يخلو أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية، أو لا من قبيل المقاصد الضرورية. فإن كان من قبيل المقاصد الضرورية، فإما أن يكون أصلاً، أو لا يكون أصلاً، فإن كان أصلاً فهو الراجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخلُ من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. والحصر في هذه الخمسة الأنواع إنما كان نظراً إلى الوقوع والعلم بانتفاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة .. وإن لم يكن أصلاً فهو التابع المكمل للضروري، وذلك كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب القليل من المسكر الداعي إلى الكثير وإن لم يكن مسكراً، وأما إن لم يكن المقصود من المقاصد الضرورية، فإما أن يكون من قبيل ما تدعو حاجة الناس إليه، أو لا تدعو إليه الحاجة، فإن كان من قبيل ما تدعو إليه الحاجة، فإما أن يكون أصلاً أو لا يكون أصلاً، فإن كان أصلاً، فهو القسم الثاني الراجع إلى الحاجات الزائدة وذلك كتسليط الولي على تزويج الصغيرة ... وإن لم يكن أصلاً فهو التابع الجاري مجرى التتمة والتكملة للقسم الثاني وذلك كرعاية الكفاءة ومهر المثل __________ (56) الإحكام في أصول الأحكام، ج3 ص274. [صفحة 31] في تزويج الصغيرة ... وأما إن كان المقصود ليس من قبيل الحاجات الزائدة فهو القسم الثالث وهو ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية حسن المناهج في العادات والمعاملات، وذلك كسلب العبيد أهلية الشهادة من حيث إن العبد نازل القدر والمنزلة لكونه مستسخراً للمالك مشغولاً بخدمته". ا.هـ. ويقول الإمام الشاطبي(57): "وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام، أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية. فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين". ويقول(58): "ومجموع الضروريات خمسة، وهي : حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في كل ملة". ويضيف(59): "وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُراعَ دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة". ومن الأمثلة على ذلك عند الشاطبي "الرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض، والسفر، وإباحة الصيد، والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلاً، ومشرباً، وملبساً، ومسكناً، وما أشبه ذلك...". "وأما التحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق، ومن أمثلتها عنده: "إزالة النجاسة في العبادات والطهارات، وستر العورة، وأخذ الزينة، والتقرب بنوافل الخيرات والصدقات والقربات وأشباه ذلك"، ويَعُدُّ الشاطبي المقاصد الضرورية أصلاً للحاجية والتحسينية، والمقاصد الحاجية أصلاً للتحسينية(60). __________ (57) الموافقات، ج2، ص4. (58) المصدر نفسه، ص 5، 6. (59) 3 المصدر نفسه، ص 5، 6. (60) المصدر نفسه، انظر ص 9، 10. [صفحة 32] ويذهب كثير من الأصوليين إلى هذا التقسيم، وأن المصالح التي ترعاها وتجلبها الشريعة تقع في هذه المراتب الثلاث: الضرورية والحاجية والتحسينية، ويذهب معظم من كتب في هذا الموضوع في عصرنا إلى القول بهذه المقاصد ويقسمونها بنفس الكيفية، أي إلى ضرورية وحاجية وتحسينية. والمقاصد الضرورية يكاد يتفق الأئمة الأصوليون على أنها خمسة، وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وقد جعلها البعض ستة فأضاف حفظ العرض. ولم يُسَلَّمْ باتفاق الشرائع على الخمسة المذكورة. قال الشوكاني في إرشاد الفحول(61): "واعترض على دعوى اتفاق الشرائع على الخمسة المذكورة بأن الخمر كانت مباحة في الشرائع المتقدمة وفي صدر الإسلام، ورُدّ بأن المباح منها في تلك الشرائع هو ما لا يبلغ حد السكر المزيل للعقل فإنه محرم في كل ملة كذا قال الغزالي. وحكاه ابن القشيري عن القَفَّال ثم نازعه فقال: تواتر الخبر أنها كانت مباحة على الإطلاق ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل. وكذا قال النووي في شرح مسلم، ولفظه: وأما ما يقوله من لا تحصيل عنده أن المسكر لم يزل محرماً فباطل لا أصل له انتهى" يضيف الشوكاني(62): "قلت: وقد تأملت التوراة والإنجيل فلم أجد فيهما إلا إباحة الخمر مطلقاً من غير تقييد بعدم السكر بل فيهما التصريح بما يتعقب الخمر من السكر وإباحة ذلك فلم يتم دعوى اتفاق الملل على التحريم. وقد زاد بعض المتأخرين سادساً وهو حفظ الأعراض فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم وما فدي بالضروري فهو بالضرورة أولى وقد شرع في الجناية عليه بالقذف الحد..". وكذلك عدّ القرافي المقاصد الضرورية ستة وسماها الكليات(63). وكُتّاب الأصول في عصرنا يرددون أن الضروريات خمسة وأنها مراعاة في كل ملة ويذكرونها بإسقاط حفظ العرض، ما عدا قلة يقولون بمقاصد الشريعة ولكنهم لا يستسيغون قول إنها مراعاة في كل ملة، ويذهبون إلى أن الضروريات ثمانية وليست خمسة. __________ (61) إرشاد الفحول، ص 216. (62) إرشاد الفحول، ص 216. (63) انظر: شرح تنقيح الفصول، ص 392. [صفحة 33] يقول(64): "فمثلاً المقاصد الخمسة التي يقولون إنها لم تخلُ من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ليست كل ما هو ضروري للمجتمع من حيث هو مجتمع، فإن حفظ الدولة وحفظ الأمن وحفظ الكرامة الإنسانية هي أيضاً من ضرورات المجتمع، فالضرورات إذن في واقعها ليس خمسة وإنما هي ثمانية. أما بالنسبة للأحكام الشرعية التي شرعت لها، فإن الأديان تختلف في النظرة إلى بعضها ... فكيف تكون هذه مقاصد كل ملة من الملل؟". وهو يميز بين مقاصد الشريعة ومقاصد بعض الأحكام، فيقول(65): "ومقاصد الشريعة هذه هي مقاصد الشريعة ككل، أي مقاصد الدين الإسلامي، وليست هي مقاصد كل حكم بعينه". ويقول(66): "ولذلك نجد الشارع في الوقت الذي بيّن فيه مقاصد الشريعة من حيث هي ككل، بين مقصده من شرع بعض أحكام بعينها، فقال عن خلق الجن والإنس: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وقال غير ذلك في كثير من الأحكام .. فلا يكون مقصد الله من شرع حكم معين هو مقصده من الشريعة ككل، ولا يكون مقصده من الشريعة ككل هو مقصده من كل حكم بعينه". ونحن إنما أوردنا هنا الأقوال في المقاصد لما لها من دور أو لكونها مقدمة للقول بالمصالح المرسلة، فهم يقولون إن هذه المقاصد يدل الاستقراء أنها جلب المصالح ودرء المفاسد، ثم يَعُدّونها عللاً للشريعة وللأحكام فيشرعون الأحكام قياساً على المصالح. ولذلك فلن أتحدث عن المقاصد هنا من حيث تقسيمها إلى ضرورية وحاجية وتحسينية وإنما من حيث هل هي جلب المصالح ودرء المفاسد أولاً؟ وهل هي علل للشريعة وللأحكام أو لا؟ مقاصد الشريعة هي غاياتها، أي نتائج تطبيقها __________ (64) الشخصية الإسلامية، ج3، ص 382 (65) المصدر نفسه، ص 360. (66) المصدر نفسه، ص 361 [صفحة 34] دلت النصوص على أن لهذه الشريعة مقاصد هي بمثابة الغاية من تطبيقها على الخلق. قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(67). وهذا النص ينفي –بقوله "وما"- أن يكون إرسال الرسول لغرض آخر غير رحمة العالمين. وإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان بالرسالة، فتكون الرسالة هي الرحمة، أي إن وجود هذه الرسالة مطبقة على الناس هو الرحمة. وإذا شئنا معرفة هذه الرحمة، فلنا أن نتصور المجتمع الذي ليس فيه أثر لتطبيق الإسلام، والذي أنظمته وقوانينه من وضع البشر، فإن هكذا قوانين تؤدي إلى الفساد والظلم والشقاء وعيش الضنك. بينما شريعة الإسلام تخرج العباد من الفساد إلى الصلاح، ومن الظلام إلى النور، ومن الشقاء إلى الرخاء. وقال تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(68). فالآيتان تدلان على ما يقصده الشارع من الرسالة ومن القرآن، وهو الشفاء والرحمة، وهذه غايات تنتج عن التطبيق. فهي مقاصد بمعنى غايات أي نتائج قد تنتج عن الشريعة وقد لا تنتج. فالنصوص ليس فيها ما يدل على أن حصول هذه النتائج حتمي، لأن من الناس من يرفض هذه الرسالة، ومن المجتمعات من يرفضها ولا يطبقها، بل يحاربها، فلن تحصل فيهم الغاية، أو الرحمة التي أرسلت لأجلها الرسالة. فإرسال الرسول رحمةً، وإنزال القرآن شفاءً يعني الحال المقصود وجوده من إرسال الرسالة وإنزال القرآن، أو بمعنى أن الله سبحانه وتعالى رحم العالمين فأرسل إليهم الرسالة، أو أرسل إليهم الدواء أو العلاج الشافي الذي يحتاجونه لما هم فيه من أمراض الشقاء والفساد وضنك العيش. فالشريعة أرسلت لتكون رحمة، وليس في الآيتين ما يدل على أنها شرعت لأنها رحمة، بل المعنى أن تشريعها وإرسالها هو الرحمة. والإنسان في علاقاته، سواء مع نفسه، أو مع غيره من المخلوقات، أو مع الخالق، بحاجة إلى نظام. وهو لا بد مندفع إلى قضاء حاجاته وتحصيل مصالحه. ووجود شريعة له ليسير بحسبها أمر __________ (67) الأنبياء / 107 (68) الإسراء / 82 [صفحة 35] حتمي. ولهذا كان بين البشر شرائع وأنظمة مختلفة، منها ما هو من وضعهم ومنها ما هو من عند الخالق، وما يضعه الإنسان لنفسه من أنظمة وقوانين هو بمثابة شريعة ولها قصد أو مقاصد، يحددها الإنسان نفسه –لأنه هو واضع الشريعة- بعقله يناء على ما يراه الأصلح والأنفع والأقوم له. والإسلام كشريعة أنزلها الخالق ليحتكم إليها الناس، لها مقاصد يحددها الذي أنزل الشريعة وهو الله سبحانه وتعالى. ويجب ملاحظة أن المقاصد التي يحددها الإنسان بعقله عندما يشرع لنفسه لا دليل يوجب أن تكون هي المقاصد التي يريدها الخالق من تشريعه للرسالة. وإضافة إلى ذلك، فإن الإنسان قد يضع الأنظمة والقوانين، أو حتى خطة معينة، لتجلب له مصالح معينة أو ليصل إلى غايات معينة، ولكنه لكون مقدار ما يجهله أكبر مما يعلمه، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)(69)، ولأنه لا يحيط بالإنسان إحاطة تامة من حيث معرفته بغرائزه وميوله ودوافعه، ولأنه لا يحيط بالمجتمعات من حيث العلم بطبيعة وقوانين حركتها هبوطاً وارتفاعاً، لأجل ذلك، فقد يقصد إلى غاية معينة، ويشرع ما يراه لازماً لتحصيلها، أو يضع الخطة التي يراها الأسلم والأضبط للوصول إليها، ولكنه يفشل وتكون النتيجة عكسية. بينما الخالق عنده علم كل شيء، فيعلم ما يُصْلِحُ الإنسان وما يفسده، ويحيط بالإنسان إحاطة لا يلحقها نقص (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)(70) ويعلم الغيب، وحركة المجتمعات، وسنن الطبيعة، ولذلك فإنه إذا جعل للتشريع غاية، فإن التشريع يكون لا بد موصلاً إلى تلك الغاية إذا التُزِم. قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)(71). مقاصد الشريعة ليست مقاصد للأحكام __________ (69) الإسراء /85 (70) الملك /14. (71) الإسراء/ 9. [صفحة 36] ثم إن هذه المقاصد للشريعة، أي رحمة العالمين وشفاء الناس، إنما هي مقاصد للشريعة ككل، وليس لأحكام معينة أي هي ليست مقاصد لكل جزئية من جزئيات الشريعة. فالنص يقول: (وما أرسلناك.. )(72) الآية، والرسول صلى الله عليه وسلم أرسل بالرسالة، فيكون النص أن الرسالة –كل الرسالة- هي الرحمة. وقوله تعالى: (وننزل من القرآن ..)(73) الآية، نَصَّ أن القرآن هو الشفاء والرحمة، فتكون النصوص أن الرسالة كرسالة هي الرحمة، وأن القرآن وما يدل عليه من سنة وإجماع صحابة وقياس، أي الشريعة، هي الشفاء والرحمة. فيكون النصان دالين على أن الشريعة ككل رحمة وشفاء، وليس فيهما دلالة على مقاصد الأحكام التفصيلية، أو مقاصد بعض الأحكام. وقد جاءت نصوص ودلّ كل واحد منها على مقصد معين، فيكون هذا المقصد مقصداً لهذا الحكم، أو لهذا الفعل فقط وليس للشريعة، ولا لغيره من الأحكام. مقاصد الأحكام قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(74)، فعبادة الخالق هي المقصد من الخلق، وهذا المقصد قد يتخلف كما نرى في من لا يعبد الله، والنصوص نفسها تدل على أن من الجن والإنس من لا يُطيع. وقال تعالى: (كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)(75). وقال: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)(76) فالتقوى والنهي نتيجة قد تحصل وقد لا تحصل، فالأمر بالصيام والأمر بالتقوى والأمر بالصلاة والنهي عن الفحشاء والمنكر كل ذلك خطاب تكليف من الشارع، بخلاف قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً __________ (72) الأنبياء/ 107. (73) الإسراء/ 82. (74) الذاريات / 56. (75) البقرة / 183. (76) العنكبوت / 45. [صفحة 37] وحزناً)(77)، فكونه عدواً وحزناً هو المقصد من جعل آل فرعون يلتقطونه، وهذه نتيجة أو غاية لجعلهم يلتقطونه. وهي هنا ليس من قبيل ما يتخلّف، لأنها إخبار من الله بما يريده وبما سيكون. فهي أمر أراده الله سبحانه أن يكون وليس تكليفاً. فهذه الغايات أو المقاصد مقصودة من الحكم المعين أو من الفعل المعين، ولا علاقة لها بمقاصد الشريعة ككل، ولذلك ليس هي مقاصد لأحكام أخرى غير هذه الأحكام التي وردت فيها. وما أطلق عليه المقاصد الضرورية هو مقاصد لأحكام بعينها، كل واحد مقصد لحكم، وليس كل واحد منها مقصداً لكل الأحكام، ولا لكل الشريعة، إذ لا دلالة على ذلك. وهذه المقاصد دلت عليها النصوص، فحفظ الدين مقصد لتحريم الارتداد، وقد حدّ له الشارع عقوبة القتل(78). وحفظ العقل مقصد لتحريم الخمر وما شاكله، وقد حدّ عليه الشارع عقوبة الجلد(79). وحفظ النسل مقصد لتحريم الزنا، وقد حدّ عليه الشارع عقوبة الرجم أو الجلد(80)، وحفظ المال مقصد لتحريم السرقة، وقد حدّ عليه الشارع عقوبة القطع(81). وكذلك نجد حفظ الكرامة الإنسانية مقصداً لتحريم القذف بغير بينة، وقد حدّ عليه الشارع الجلد ثمانين. وحفظ الأمن مقصد لتحريم الإفساد في الأرض، وقد حدّ عليه الشارع عقوبة القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض. وحفظ الدولة أي وحدة الأمة الإسلامية وحفظ كيانها مقصد لتحريم شقّ عصا المسلمين وتجزئتهم كجماعة وكيان أو دولة، وقد شُرِعتْ لذلك أحكام قتال البغاة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشقّ عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"(82). وقال: "إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"(83). __________ (77) القصص / 8. (78) انظر: الإحكام للآمدي، ج3، ص274. (79) المصدر نفسه. (80) المصدر نفسه. (81) المصدر نفسه. (82) رواه مسلم في كتاب الإمارة. (83) رواه مسلم في كتاب الإمارة. [صفحة 38] فهذه مقاصد لأحكام، وليست هي مقاصد للشريعة، إذ لم تدل النصوص على ذلك فحفظ المال ليس مقصد الشريعة ككل، وإنما مقصد حكم من أحكامها، وحفظ النسل كذلك. وكذلك المقصد من حكم ليس مقصداً لحكم آخر، فحفظ النسل ليس مقصداً لتحريم السرقة ولا العكس. وهذه المقاصد تعرف بنص الشارع عليها ولا تعرف بالعقل. فهي غايات. وتحديدنا لها بأنها غايات هو كما فهم النص مباشرة. والغاية هي غاية التشريع. فمقاصد الشريعة هي غايات تشريعها. ومقاصد الأحكام هي غايات تشريع الأحكام. والغاية من تشريع حكم معين إنما يحددها الذي شرع الحكم وهو الله سبحانه وتعالى. ولا يمكن للعقل أن يفهمها إلا بإخبار الله عنها. أما ما يدعيه البعض من فهم مقاصد التشريع بالاستقراء، فلا يصح لأسباب: إن الأحكام التي نص الشارع على مقاصدها اختلفت مقاصدها، فكان لكل حكم مقصد غير الآخر. فإذا وجد حكم لم ينص الشارع على مقصده منه، فلا يمكن أن نحدد مقصد الشارع منه بناء على مقاصد الأحكام الأخرى لأنها مختلفة. إن المشرع هو الله، ولا يقاس على الإنسان، فلو كان المشرع هو الإنسان، لاستطعنا أن نقف –إلى حد ما- على حقيقة ماهيته ودوافعه وعقليته كإنسان، وبالتالي يمكن الظن بمقصوده أو بمقاصده. أما وإن المشرع هو الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن الوقوف على شيء من هذا، وبالتالي لا يمكن معرفة مقصده ما لم يخبر عنه. اتفق الأئمة على أن ثمة أحكاماً لا يمكن للعقل أن يتبين مقاصدها بدون إخبار الله عنها، وهي أحكام العبادات، وكل حكم لم يخبر الشارع عن مقصده منه يكون مثلها. ولا يقال إن هذا خاص بالعبادات؛ لأن العبادات جزء من الشريعة وهي أوامر ونواهٍ مثل بقية الأحكام. وتصنيف أحكام الشريعة إلى عبادات ومعاملات وغير ذلك، لا يجعل لأحكام العبادات خصوصية ليست لأحكام المعاملات أو الأخلاق أو غيرها، لأن هذا التصنيف من الإنسان وليس بدليل من الشريعة نفسها. وهو تصنيف صحيح [صفحة 39] من حيث واقع هذه الأحكام. فالعبادات هي جملة الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان مع خالقه، وأحكام المعاملات هي جملة الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان مع غيره من البشر. والأخلاق هي الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان بنفسه إن صح التعبير، أو قُلْ: تنظم سلوك الإنسان الخاص به، كأكله ولبسه وتهذيب ميوله وطبعه ومزاجه. ومثله التقسيم الذي يصنف بعض الأشياء: مأكولات، ومشروبات، وملبوسات، أو: مكيلات ومعدودات وموزونات، فهذا تقسيم للأشياء من حيث واقعها، ولا يكون لأي صنف مزية أو خصوصية على غيره إلا بدليل من الشرع. ومثل هذا التصنيف تقنينُ أحكام الشريعة وجعلها أنظمة، كنظام اقتصادي، ونظام اجتماعي، ونظام حكم، ونظام عقوبات، ونظام أو أحكام بينات، فهذه أنظمة مختلفة من حيث واقعها أو من حيث طبيعة ما تعالجه. ولكنها أيضاً هي نظام واحد هو نظام الإسلام، ولذلك فلا يمكن أن تُعطَى أحكام النظام الاقتصادي مثلاً وصفاً معيناً ليس لغيره من الأنظمة إلا إذا دلت النصوص. وكذلك بالنسبة لأحكام العبادات. فعدم طلب مقاصد لها يجب أن يسري على كل الأحكام. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن كل أحكام الشريعة عبادة والإنسان يجب أن يعبد الله في كل أعماله، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(84). فكما أن الصلاة عبادة، فالصدق عبادة، وطاعة الأمير عبادة، والجهاد عبادة، وتجنب الخمر عبادة وترك الربا عبادة. قد يستطيع العقل أن يدرك أحياناً مقصداً أو مقاصد بمعنى حكمة أو حِكَم من حُكْم معين ولكنه لا يستطيع أن يقرر أن هذه هي الحكمة من تشريع هذا الحكم، فقد يكون ما أدركه من حِكَمٍ –رغم أهميته- ثانوياً أمام حكمة غيرها لم يدركها لقصور علمه أو لعدم اطلاعه على الغيب. ولذلك لا يمكن للعقل أن يقرر الحكمة، وإن كان يمكنه أن __________ (84) الذاريات/56 [صفحة 40] يستنتج حكمةً أو حِكَماً، أي أن الخطأ هو في القول: هذه هي الحكمة. ومن الممكن القول: هذه حكمة، أي بدون إدخال أل التعريف. وعليه فمقاصد الأحكام يجب أن تدل عليها النصوص. فما أخبرنا الشارع عن مقصده فيه نقول به سواء كان من العادات أو من العبادات. وما دل الشرع على كونه علة نَعُدُّهُ علة شرعية سواء كان في العادات أو العبادات، وما لم يخبرنا الشارع عن مقصده فيه ولا عن علته لا يصح تعيين مقصد له أو تعليله. [صفحة 41] جلب المصالح ودرء المفاسد قال بعض الأصوليين والكاتبين في الأصول: إن مقاصد الشريعة ومقاصد الأحكام هي جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم. فالآمديّ مثلاً يقول(85): "... علمنا من حال الشارع أنه لا يَرِدُ بالحكم خلياً عن الحكمة إذ الأحكام إنما شرعت لمصالح العبيد، وليس ذلك بطريق الوجوب، بل بالنظر إلى جري العادة المألوفة من شرع الأحكام"، وقوله ليس بطريق الوجوب هو بخلاق قول المعتزلة، وقوله بالنظر إلى جري العادة المألوفة أي باستقراء الأحكام. ويقول أيضاً(86): "المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مضرة، أو مجموع الأمرين بالنسبة إلى العبد لتعالي الرب تعالى عن الضرر والانتفاع، وربما كان ذلك مقصوداً للعبد لأنه ملائم له وموافق لنفسه". والملائم هو بمعنى المناسب، وهو كما قال أبو زيد(87) كما نقل عنه الآمدي(88) "المناسب عبارة عما لو عُرِضَ على العقول لتلقته بالقبول". ولكن الآمدي يرى أن الأصح أن يقال:(89) "المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصوداً من شرع ذلك الحكم". ويشترط الآمدي أن يشهد نص بالاعتبار للمصلحة أو للمقصود أو الملائم، وإلا فلا يصح الاعتبار. يقول(90): "المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار... ولا ظهر إلغاؤه __________ (85) الإحكام، ج3، ص260. (86) المصدر نفسه، ص 271. (87) المصدر نفسه، ص 270. وأبو زيد هو عبيد الله بن عمر الدبوسي القاضي، مات ام 430هـ. (88) المصدر نفسه. (89) المصدر نفسه. (90) المصدر نفسه، ص 284. [صفحة 42] ويعبر عنه بالمناسب المرسل". وقال(91): " وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو الحق". والمناسب المرسل هو المصالح المرسلة. وكذلك الشاطبي يرى أن المقاصد هي المصالح، فيورد عند حديثه عن المقاصد مقدمة فيقول(92): "وهي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً"، ويقول: "إنا إذا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي ولا غيره..."(93)، ثم يقول: "وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم فنحن نقطع أن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة"(94). ويقول(95): "... من حيث تعلق الخطاب بها شرعاً فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعاً، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه، وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتبار، فرفعها هو المقصود شرعاً، ولأجله وقع النهي، ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها حسبما يشهد له كل عقل سليم، فإن تبعتها مصلحة أو لذة فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل، بل المقصود ما غلب في المحل، وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي، كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر". وهكذا فالشاطبي يرى من استقراء الشريعة، أي من النظر في جزئياتها، أن أحكامها لها مقاصد هي جلب المصالح ودرء المفاسد، وإذا أمر الشارع بأمر ووجد العقل أن في الأمر إلى جانب المصلحة مفسدة، فالمقصود من الأمر المصلحة، والمفسدة ليست مقصودة، وكذلك __________ (91) المصدر نفسه. (92) الموافقات ، ج2، ص3. (93) المصدر نفسه. (94) المصدر نفسه، ص4. (95) المصدر نفسه، ص 18. [صفحة 43] إذا نهى عن أمر وكان فيه بنظر العقل إلى جانب المفسدة مصلحة، فالمصلحة ليس مقصودة بالنهي، وإنما المفسدة هي المقصودة. ويرى أن هذا يجري في جميع تفاصيل الشريعة، أي أن المصلحة التي لا نص فيها، فإنها تجري المجرى نفسه، فتُعطَى الحكمَ بناءً على ما فيها من جلب مصلحة أو درء مفسدة. يقول(96): "كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائماً لتصرفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها .. ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال بالمرسل الذي اعتمده مالك والشافعي، فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعياً قد يساوي الأصل المعين" لكن الشاطبي يضع ضابطاً لاعتبار المصلحة التي لا نص فيها، فيقول(97): "لا بد من اعتبار الموافقة لقصد الشارع، لأن المصالح إنما اعتبرت مصالح من حيث وضعها الشارع كذلك"، وكذلك يشترط أن لا تكون المصلحة ملغاة في نظر الشريعة. __________ (96) الموافقات، ج1، ص 15. (97) الموافقات، ج1 ، ص 16. [صفحة 44] عِلّيّة جلب المصالح ودرء المفاسد وإلى هذا يذهب بعض الأصوليين(98)، فيعدّون المصالح علة للشريعة، وجلب المصالح ودرء المفاسد عللاً للأحكام الشرعية. فالآمدي مثلاً يعد المصلحة وصفاً يصح نصبه علة للحكم، ولكنه يشترط أن يدل الدليل على كونه مصلحة حتى يكون معتبراً. وهو يعقد لذلك فصلاً فيقول(99): "الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد، أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم فيدل عليه الإجماع والمعقول". والشاطبي يرى أن العادات مما اعتبر الشارع فيها الالتفات إلى المعاني، أي العلل، ويرى العلل مصالح، فيقول(100): "الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني... فإنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيث دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل، يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض.. وأن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات... وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص، بخلاف باب العبادات..". وهكذا فإننا نجد عند كثير من الأصوليين الذهاب إلى أن المناسبة بين الحكم والوصف علة، وهذا كان المدخل للقول بالمصالح المرسلة، وأبحاث المناسبة، والعلة ومسالكها، أو الدال عليها من أبحاث القياس. قال القرافي(101): "الدال على العلة ثمانية: النص والإيماء والمناسبة والشبه والدوران والسبر والطرد وتنقيح المناط". وذكر الرازي في المحصول أنها عشرة بزيادة __________ (98) وإلى هذا أيضاً يذهب معظم الكتاب العاصرين في الأصول، سنورد بعض آرائهم لاحقاً. (99) الإحكام، ج3، ص 285. (100) الموافقات، ج2، ص225. (101) شرح تنقيح الفصول. [صفحة 45] الإجماع والتقسيم. وكثيرون يجعلون المناسبة من الأمور الدالة على العلة. فما هي المناسبة؟ أو: ما هو المناسب؟ [صفحة 46] المناسب قال الشوكاني(102): "المناسبة هي عمدة كتاب القياس ومحل غموضه ووضوحه، ويسمى استخراجها تخريج المناط". ونسب الشوكاني إلى المحصول: "أن الناس ذكروا في تعريف المناسب شيئين: الأول: أنه المفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلاً وإبقاءً وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة وعن الإبقاء بدفع المضرة.. والثاني: أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات، فإنه يقال هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة في الجمع بينهما في سلك واحد متلائم"(103). وقد عرّفه البعض بأنه -المناسب- عبارة عما لو عرض على العقول تلقته بالقبول، قال أبو زيد الدبّوسي، وقاله الشاطبي. وذكر ابن قدامة المقدسي أن المناسب هو الوصف الذي يكون في إثبات الحكم عقيبه مصلحة(104). وضرب علي الشاشي مثلاً فقال(105): "إذا رأينا شخصاً أعطى فقيراً درهماً غلب على الظن أن الإعطاء لدفع حاجة الفقير وتحصيل مصالح الثواب"، ويستنبط من هذا أن دفع الحاجة وتحصيل الثواب وصف مناسب فيكون علة للإعطاء. وينقل الشوكاني عن الرازي قوله(106): "المناسبة ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فالأول كالغنى علة لوجوب الزكاة، والثاني كالإسكار علة لتحريم الخمر". وينقل أيضاً عن ابن الحاجب تعريفه للمناسب(107): "المناسب وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من حصول مصلحة أو دفع مفسدة"، والتعاريف هذه كلها تُدلي بالمعنى نفسه تقريباً. __________ (102) إرشاد الفحول، ص 214- 215. (103) المصدر نفسه. (104) روضة الناظر وجنة المناظر. (105) أصول الشاشي. (106) إرشاد الفحول. (107) المصدر نفسه. [صفحة 47] ويرى سيف الدين الآمدي أن الأصح في تعريف المناسب(108): "هو عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصوداً من شرع الحكم"، وهذا التعريف يختلف عن التعاريف السابقة بأنه لا يظهر للعقل دوراً في تقرير المناسبة، وبالتالي في تقرير العلة وبالتالي في التشريع بالعقل. وعلى الاختلاف في فهم واقع المناسب ينبني اختلاف وتفصيل في قبوله كأصل في الدلالة على التعليل أو ردّه أو التفصيل فيه. ولذلك نجد أئمة الأصول ذكروا في المناسب أقساماً: المؤثر والملائم والغريب. وعند التحقيق في معنى المناسب يتبين أنه يطلق بإزاء معنيين. الأول: ما ليس للعقل أن يحكم فيه أو يقرر، وليس إلا أن يفهم المناسبة من النص أو النصوص الدالة عليها. والمناسبة بهذا المعنى هي المناسبة بين الحكم والوصف، وهي المناسبة التي جعلها بعض الأئمة من الدلائل على عِلّيّة ذلك الوصف لذلك الحكم. فالمناسبة بهذا المعنى لا بد أن يدل عليها الشرع، وأن يفهم الفقيه أو المجتهد تلك الدلالة فهماً من النص أو النصوص. وزيادة في التأكيد والتوضيح فإن هذا المعنى لا يتضمن أن يعين الفقيه أو المجتهد المناسبة بعقله، لأن هذا هوىً وتشريع بالعقل. والمعنى الثاني للمناسب هو ما يصح للعقل أن يحكم فيه وأن يقرره -وهذا يتحتم أن يكون خارج أمور التشريع، لأن التشريع تحسين وتقبيح، والعقل لا دور له فيهما- أو أن يكون مما أبيح للإنسان أن يحكم فيه. وهذا المعنى فيه أنواع، فقد يكون فيه ما يُرْجَعُ فيه إلى الخطأ والصواب، أو ما يرجع فيه إلى العرف أو إلى الطبع والمزاج. مثال الأول دخول الحرب بأسلحة قديمة ضد عدوّ يستعمل أحدث أنواع الأسلحة، فهذا يقال فيه إنه خطأ وغير مناسب. والثاني: كالزيارة بعد منتصف الليل أو وقت القيلولة، فهذا أيضاً يُستعمل فيه قول: غير مناسب. والثالث كأن يقال: هذا اللون يناسب هذا اللون أو لا يناسبه، أو هذه الحبّات __________ (108) المصدر نفسه. [صفحة 48] متناسبة مع بعضها لتكون في سلك واحد. وقد يكون من المناسب أمور يعسر وضعها تحت نوع معين، كقول: هذان الزوجان يناسب كل منهما الآخر، فقد تكون المناسبة عائدة إلى الطباع أو إلى الميول أو إلى الاهتمامات عند كل منهما أو غير ذلك. وهذا المعنى الثاني للمناسبة لا يفيد في التعليل لأن الذي حكم بها هو العقل وحده. فكانت العلة علة عقلية، وكان الحكم حكماً عقلياً. ولم تكن العلة شرعية ولا الحكم شرعياً. وقد اتفق القائسون على اعتبار المناسبة التي ذكرناها عند المعنى الأول. وهي المناسبة التي دل عليها الشرع. أو كما قالوا فيها: المناسب الذي شهد له الشرع بالاعتبار. أما المناسب الذي لم يشهد له الشرع بالاعتبار، فهو من قبيل النوع الثاني، أي المناسب بحكم العقل وحده، فهذا قسمان: قسم شهد الشرع بإلغائه، وهذا اتُّفِق على ردّه. وقسم لم يشهد له الشرع باعتبار ولا إلغاء، وهذا اختلف فيه ولذلك رأى البعض أن العبرة ليست بالمناسب. إذ إنه كثيراً ما يكون غير مؤثر في الحكم. وأطلق على غير المؤثر: المناسب الغريب. قال ابن تيمية(109): "وإن عُلِمَ تأثير الوصف في حكم الأصل بالاستنباط وكان الوصف مناسباً، فإما أن يُعْلَمَ تأثيره في غير الأصل بنص أو إجماع أو أن لا يعلم له تأثير في غير الأصل. فالأول هو المناسب المؤثر والملائم والثاني هو الغريب.." ثم قال(110): "وكلام القاضي والعراقيين يقتضي أنهم لا يحتجون بالمناسب الغريب ويحتجون بالمؤثر مناسباً كان أو غير مناسب". وهذا يدل على اعتبار المناسب أحياناً وعدم اعتباره أحياناً أخرى، وأن المؤثر يعتبر دائماً. وهذا مرده أن المناسب قد يكون بدلالة الشرع -كما قال ابن تيمية بنص أو إجماع- وبالتالي يكون معتبراً، وقد يكون بمحض العقل وبالتالي لا يكون معتبراً. أقسام المناسب __________ (109) المسودة ص 408. (110) المصدر نفسه. [صفحة 49] أما الذين توسعوا في استخراج المناسبة وعدّوها علة، ولو كانت مجردة عن الاعتبار الشرعي، وأفلتوا لعقولهم العنان ليبحثوا ويقدّروا ويقرّروا للأحكام عللاً لا يشهد لها الشرع بدلالة كلية ولا جزئية، فقد وقعوا في أخطاء، ولاحظوا أن تعليلاتهم ومقتضيات عقولهم كثيراً ما تأتي مصادمة للشرع، ولاحظوا أن الشرع كثيراً ما تكون أحكامه مخالفة لمقتضيات المناسب العقلي، مثال ذلك عدة الحرة وعدة الأمة وعورة الحرة وعورة الأمة، وكاعتبار الماء فقط في الطهارة، وعند فقده التراب، وعدم اعتبار المطهرات الكيماوية كالكحول وما شابهها، فهذا مما لا يتفق فيه الشرع مع المناسب العقلي. عند الوقوع في هذه التناقضات لوحظ أن من المناسب العقلي ما يأتي أحياناً متفقاً مع الشرع، ومنه ما يظهر تصادمه مع الشرع. ومنه ما لا يوجد نص يؤيده ولا نص يرده. فقسموا المناسب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: وهو المناسب الذي شهد له الشرع بالاعتبار ويطلق عليه المناسب المعتبر. القسم الثاني: وهو المناسب الذي شهد الشرع بإلغائه، وهو الذي يقرره العقل علة للتشريع، ولكن الشرع يدل على عدم مناسبته وعدم عليته. القسم الثالث: وهو المناسب -العقلي- الذي لم يشهد له الشرع باعتبار ولا إلغاء. وهو الذي يقال له المناسب المرسل. وقد قالوا إن المناسب هو المصلحة. فقالوا: المصلحة المرسلة. وهذا من قبيل اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم. إذ مهما كان الوصف الذي جاء لأجله الحكم فإن هذا الوصف مصلحة. والعقل لا يرى مناسباً إلا ما يراه مصلحة. فكل العلل يجمعها وصف المصلحة. ثم إن المصلحة موجودة في كل حكم طلبه الشارع، والمفسدة موجودة في كل حكم نهى عنه الشارع، ودرء المفسدة مصلحة، فتكون المصلحة هي الوصف المناسب في أي حكم، سواء أكان طلب فعل أم طلب ترك. [صفحة 50] أقسام المصالح وبناء على هذا، أي تقرير أن الوصف المناسب هو المصلحة، تم تقسيم المصالح من حيث الاعتبار، مثل تقسيم المناسب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: المصالح المعتبرة وهي التي شهد لها الشرع بالاعتبار بدليل نص عليها. القسم الثاني: المصالح الملغاة وهي التي شهد الشرع ببطلانها، وذلك كفتوى يحيى بن يحيى الفقيه المالكي للخليفة عبد الرحمن بن الحكم الأموي لما واقع في نهار رمضان أن عليه صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه ذلك حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله لذلك قال: لو أمرته بتلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به. فهذا قول باطل مخالف لنص السنة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي قال له: واقعت أهلي في رمضان. قال له: "أعتق رقبة، قال: لا أجدها. قال: صم شهرين متتابعين. قال: لا أطيق. قال: أطعم ستين مسكيناً"(111). وهذه المصالح لا خلاف في عدم اعتبارها. القسم الثالث: ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالبطلان. وهذا القسم هو ما أطلق عليه المصالح المرسلة. وهي كما هو واضح: المرسلة من الدليل. فلا دليل من الشرع يدل عليها. وإنما تعتبر المصلحة بناء على نظر العقل بأنها تجلب مصلحة أو نفعاً أو صلاحاً، أو تدفع ضرراً أو تدرأ فساداً. وإلى هذا التقسيم للمصالح والتعليل بالمصلحة يذهب كثير من المعاصرين من الكتاب في الأصول(112). فمثلاً الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي يستنتج أن المصالح علل للأحكام، ولكنه يضع للمصلحة شروطاً يسميها ضوابط فيقول(113): "على أن الذين اعتبروا العقائد __________ (111) هذه القصة نجدها في معظم كتب الأصول التي تتحدث عن المصالح المرسلة. (112) كالبوطي والبغا مثلاً، وهذا يستشهدان بنفس نصوص الشاطبي تقريباً. انظر أثر الأدلة المختلف فيها، ص38-40، وانظر كتاب ضوابط المصلحة. (113) ضوابط المصلحة، ص 87. [صفحة 51] والأمور التعبدية قائمة على المصالح الأخروية، لا يخالفون فيما ذكرناه، وإنما قصدهم أنها غير مستندة إلى وصف مناسب واضح في الأذهان يمكن القياس بموجبه، بخلاف المعاملات وبقية الأحكام المفصلة مباشرة بمصالح الحياة الدنيوية، فهي أو معظمها قائم على أساس العلل الواضحة في الأذهان مما يفسح المجال للقياس عليها"، فهو يَعُدّ المصالح وصفاً مناسباً، لمجرد أن يتضح في الذهن أنها مصالح، وبذلك تكون علة للأحكام. ويرى آخرون أن جلب المصالح ودرء المفاسد ليسا علة للشريعة بوصفها كلاً ولا علة لأي حكم بعينه. وهم يميزون مقصد الشريعة أو الغاية عن العلة، فيقولون إن الغاية من الشريعة الإسلامية بوصفها كلاً هي جلب المصالح ودرء المفاسد، وليس جلب المصالح هو علة الشريعة الإسلامية بوصفها كلاً ولا هو الغاية من كل حكم بعينه من أحكام الشريعة، ولا علة لكل حكم بعينه. وعليه فإن جلب المصالح ودرء المفاسد لا وجود لها في الأحكام الشرعية، لا من حيث استنباطها، ولا من حيث تشريعها وليس هما علة للأحكام ولا بوجه من الوجوه، وحتى العلل الشرعية المستنبطة من أدلة شرعية، ليست هي مصالح العباد، وإنما هي المعاني التي دل عليها الدليل الشرعي بغض النظر عن المصالح والمفاسد. [صفحة 52] الفصل الثالث المصالح المرسلة أدلة القائلين بالمصالح المرسلة موقف العلماء من المصالح المرسلة المصالح المرسلة ليس دليلاً شرعياً مناقشة الأدلة التي أوردها القائلون بالاستصلاح. الدليل الأول: اعتبار الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام. الدليل الثاني: إقرار الرسول معاذاً... الدليل الثالث: الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني. الدليل الرابع: تغير العادات وعدم كفاية النصوص. الدليل الخامس: عشرة أمثلة من أعمال الصحابة وجملة من أعمال التابعين. الأدلة على أن المصالح ليست دليلاً شرعياً. [صفحة 53] المصالح المرسلة لقد مرّ معنا تعبير الآمدي عنها بالمناسب المرسل، والتعبيران الشائعان هما: المصالح المرسلة، والاستصلاح. ومر معنا كذلك أن المصالح المرسلة هي المصالح التي لم يشهد لها الشرع بالاعتبار ولا بالإلغاء. وهي الأفعال التي يقصد بها جلب مصلحة أو دفع مفسدة وليس لها دليل من الشرع. قال الشوكاني(117): "وقال ابن برهان هي ما تستند إلى أصل كلي ولا جزئي". والاستصلاح قيل طلب الإصلاح وقيل طلب الصلاح. وهو في الاصطلاح الأصولي الاستدلال بالمصحلة على الحكم الشرعي، يضاف إليهما أن تكون المصلحة داخلة في مقاصد الشارع. وقال الشوكاني(118): "سماها بعضهم "بالاستدلال بالمرسل" وأطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليها اسم الاستدلال". وفيما سبق من هذا البحث كفاية لبيان كيفية الاستدلال للقول بالمصالح المرسلة، وفيما يلي ملخص القول، وهو بمثابة دليل على حجية المصالح المرسلة. إن للشريعة مقاصد، وهذه المقاصد ثبت الاستقراء أنها جلب المصالح ودرء المفاسد. وإذا ثبت هذا باستقراء نصوص الشريعة فإنه يكون أصلاً كلياً، ويجري تطبيقه على الجزئيات التي ليس فيها نص أو دليل خاص، أي على ما لم يكن من ضمن ما استقرئ. فإن المسائل التي ليس فيها نص أو إجماع يُنظر فيها بحسب ما ينتج عنها من مصالح أو مفاسد، ويعطى الحكم الشرعي لها بناءً على هذا النظر، وغياب الدليل التفصيلي الدال على الحكم لا يعني أن الحكم المبني على جلب مصلحة أو درء مفسدة ليس شرعياً، إذ له دليل قد يكون أقوى من الدليل التفصيلي، وهو الدليل الكلي المستنبط بالاستقراء. وهذا الفهم هو عمدة قول كل القائلين __________ (117) إرشاد الفحول، ص 242. (118) المصدر السابق. [صفحة 54] بحجية المصالح المرسلة. ثم بعد ذلك يحاولون الاستدلال ببعض أعمال الصحابة رضوان الله عليهم، على أنها كانت استدلالاً منهم -أي الصحابة- بالمصلحة المرسلة. أما الاستقراء الذي يتحدثون عنه، فقد أورد أمثلة منه الشاطبي، وسأعرضها كما وردت عنده. يقول (119): "والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد، استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره. فإن الله تعالى يقول في بعثة الرسل وهو الأصل [رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل](120). [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين](121). وقال في أصل الخلقة: [وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً](122). [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون](123). [الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً](124) ... وإذا دلّ -والكلام ما زال للشاطبي- الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمرٌّ في جميع تفاصيل الشريعة..."(125). فهذه أمثلة من الجزئيات المستقرأة لتدل على أن المصالح المرسلة دليلٌ شرعي. وكذلك يورد أحد المعاصرين (126) أدلة على مراعاة الشريعة للمصالح، نذكر بعضها. يقول: "قوله تعالى: [إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون]"(127). ثم يقول: "وحقيقة العدل بين شيئين أو شخصين المعادلة والموازنة بينهما في أمر ما، فالمقصود به إذاً مراعاة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل شيء. وليس حقيقة انتظام مصالح الناس وتناسقها مع بعض إلا خطاً مستقيماً يفصل بين طرفي الإفراط والتفريط في شؤونهم. وهما طرفان ينتهيان بالمفسدة لا محالة...". ويستدل كذلك __________ (119) الموافقات ، ج2، ص 3، 4. (120) النساء/ 165. (121) الأنبياء/ 107. (122) هود/ 7. (123) الذاريات/ 56. (124) الملك/ 2. (125) الموافقات، ج2، ص3،4. (126) وهو البوطي في كتابه ضوابط المصلحة ص 75. (127) النحل/90. [صفحة 55] بقوله تعالى: [هذا بصائر للناس وهدىً ورحمة لقوم يوقنون](128)، وبقوله تعالى: [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين](129). وملخص هذا الشرح أن يقال إن الشارع قد جعل جنس الوصف في جنس الأحكام ولما كان الوصف هو المصلحة، وهو وصف مشترك في كل الأحكام، -حسب قولهم- قالوا إن الشارع قد جعل جنس المصلحة في جنس الأحكام. وكان دليل حجية المصالح المرسلة –وهو الشرح الذي أوردناه قبل قليل- هو أن الشارع قد جعل جنس المصالح في جنس الأحكام. __________ (128) الجاثية/20. (129) الأنبياء/ 107. [صفحة 56] أدلة القائلين بالمصالح المرسلة فيما يلي أدلتهم كما هي مبثوثة في كتب الأصول سواء عند الأئمة أو عند المعاصرين، وإيراد أقوال بعض المعاصرين إنما هو لتمام البحث، كي لا يقال ثمة أدلة أخرى. ولذلك حاولت أن ألخص كل ما استُدِلَّ به على المصالح المرسلة. عماد الأدلة عندهم هو أن الشارع قد جعل جنس المصالح في جنس الأحكام. وبناءً على هذا الدليل قال أحد المعاصرين(130): "وأما إذا لم يوجد نص ولا إجماع في الحكم على الواقعة ولا قياس عليها -وكان فيها مصلحة- غلب الظن أنها مطلوبة للشرع -لأنه حيثما وجدت المصلحة فثَمَّ شرع الله تعالى- وتأخذ هذه الواقعة حكماً شرعياً بناءً على ما يتوخى فيها من مصلحة". "إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهاد معاذ بالرأي لما بعثه قاضياً، وسأله عما يقضي به إذا عرض له أمر ولم يجد حكمه في الكتاب أو السنة وقوله: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول اله صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي الله"(131) . إن مجال العمل بالاستصلاح إنما هو في المعاملات ونحوها مما هو من قبيل العادات. والأصل في هذا النوع من التكليفات الالتفات إلى المعاني والبواعث التي بنيت عليها الأحكام فهي إذن مصالح معقولة يدرك العقل بها حسن ما طالب به الشرع وقبح ما نهى عنه. والله سبحانه وتعالى أوجب علينا ما تدرك عقولنا نَفْعَهُ وحرّم علينا ما تدرك عقولنا ضرره.."(132) __________ (130) هو الدكتور مصطفى البغا في كتابه أثر الأدلة المختلف فيها، ص54. (131) حجية المصالح المرسلة، ص 88. والحديث فيه كلام كثير، وهو مردود عند ابن حزم، ورده الألباني، إلا أن الاحتجاج به سارٍ في كتب الفقه. (132) انظر الموافقات، ج2 ص 225، وأثر الأدلة المختلف فيها، ص55. [صفحة 57] إن الواقع يتغير ويتطور باستمرار والمستجدات مما يحتاج إلى أحكام لا نهاية لها ولا حصر. أما النصوص أو الأصول الجزئية فهي محدودة متناهية، والمتناهي لا يفي بغير المتناهي، فلزم وجود طريق لإثبات الأحكام الجزئية، وهذا الطريق هو المصالح استناداً إلى مقاصد الشرع على نحو كلي. ويقول بعض المحدثين(133): "قد يؤدي تغيير أخلاق الناس وذممهم وأحوالهم إلى أن يصير مفسدة ما كان مصلحة. فلو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح لضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد، وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف الأماكن والأزمان والبيئات والأحوال. وهذا خلاف المعهود فيها من المرونة والشمول والاتساع"(134). "إن أصحاب النبي عملوا أموراً كثيرة لم يتقدم لها شاهد بالاعتبار، وإنما عملوها لمطلق ما وجدوا فيها من مصلحة، ... بل إنهم شرعوا لهذه الحوادث (والأحكام) ما رأوا أن فيه تحقيق المصلحة مما يجلب النفع، أو يدفع الضرر، حسبما أدركته عقولهم"(135). ومن هذه الأمور التي يُدّعى أنه قد عملها الصحابة استدلالاً بالمصلحة المرسلة: اتفاقهم رضي الله عنهم على جمع الصحف المتفرقة التي كتب فيها القرآن في مصحف واحد لما كثر القتل بحفظة القرآن في موقعة اليمامة في عهد أبي بكر بإشارة من عمر رضي الله عنهما، لما رآه من المصلحة في هذا الجمع. استخلاف أبي بكر لعمر وترشيحه لولاية الأمر من بعده، وليس له من سند ظاهر سوى المصلحة التي راعاها. __________ (133) أثر الأدلة المختلف فيها، ص 55. وانظر حجية المصالح المرسلة. (134) المصدر السابق. (135) هذا النص للدكتور مصطفى البغا من كتابه أثر الأدلة المختلف فيها، ص 54، ومثل هذا الكلام يقوله كثير من المعاصرين اليوم. وهذا القول قال بما يقرب منه بعض الأئمة، ولكن لم يكن أحد بجرأة البغا فيقول (لمطلق ما وجدوا فيها من مصلحة). إذ إن الأئمة بعضهم قيدها بأن تكون جارية بحسب مقاصد الشريعة، وبعضهم قيدها بأن المصلحة هي ما جعله الشرع مصلحة، وسترى ذلك واضحاً فيما يأتي عند حديثنا عن رأي الشاطبي وعن رأي العز بن عبد السلام. قال القرافي في كتابه (شرح تنقيح الفصول): "ومن المعلوم أن المصلحة المرسلة أخص من مطلق المناسبة ومطلق المصلحة" صفحة 394. [صفحة 58] ج- ترك عمر الخلافة شورى بين ستة من كبار الصحابة، فلم يترك الأمر كما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعهد لواحد كما فعل أبو بكر، وليس لذلك من سند سوى المصلحة. د- إنشاء عمر الدواوين وترتيبها وتنظيمها بحيث تشمل كل مصالح الدولة، واتخاذه السجن وتأريخه بالهجرة. هـ- تضمين الصناع. يقول الشاطبي: "إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع، وإن علياً رضي الله عنه قال: لا يصلح الناس إلا ذاك. و- اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده على حد شارب الخمر ثمانين جلدة مستندين في ذلك إلى المصالح. ز- كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاطر الولاة الذين يتهمهم في أموالهم، لاختلاط أموالهم الخاصة بأموالهم التي استفادوها بسلطان الولاية. وذلك من باب المصلحة المرسلة. ح- رُوِيَ عن عمر رضي الله عنه أنه أراق اللبن المغشوش بالماء تأديباً للغاشّ، وذلك من باب المصلحة العامة كي لا يغشّ البائعون الناس. ط- رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله، لأن المصلحة تقتضي ذلك. إذ لا نص في الموضوع. ي- عدم تقسيم عمر رضي الله عنه للأراضي التي افتتحها المسلمون عنوة، وهي أرض العراق والشام ومصر، وقد طلب منه بعض الصحابة أن يقسم هذه الأراضي التي أفاءها الله عليهم بأسيافهم كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر حين افتتحها. ك- ما أورده البوطي كمثال من أعمال التابعين على الأخذ بالاستصلاح، وهو "جملة مما حكم به عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إبان خلافته. فمن ذلك... أمره الولاة بإقامة الخانات بطريق خراسان ليأوي إليها المسافرون خلال سفرهم وترحالهم. وهو عمل لم يعرف في عصر النبي [صفحة 59] صلى الله عليه وسلم، ولم ينفق على مثل ذلك في وقته شيء من بيت مال المسلمين، وإنما هو أمر استدعته مصلحة المسافرين الذين أصبحت الطريق تمتلئ بهم في ذلك العصر الذهبي.."(136). __________ (136) هذه الأمثلة من (أ) إلى (ك) تجدها في كثير من كتب الأصول التي تذكر المصالح المرسلة. تجدها مثلاً في (الموافقات) وفي (الاعتصام) للشاطبي. وتجدها في (شرح تنقيح الفصول) للقرافي. والمثل الأخير ذكره محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (ضوابط المصلحة). [صفحة 60] موقف العلماء من المصالح المرسلة كدت قبل وضع هذا العنوان أن أضع بدلاً منه، رد العلماء للمصالح المرسلة. إذ لا يسلم بنسبة القول به إلى أحد. وإنما كثر من ينسبونه إلى مالك والمالكية، وكثر من يقول بها في عصرنا. يقول الدكتور البغا(137): "تكاد كلمة الأصوليين تلتقي على أن القول بالاستصلاح أمر مختلف فيه، وأن الراجح من الآراء أنه لا يصلح الاستدلال به، إذ لا دليل على اعتباره وإنه لم يذهب إلى القول به إلا الإمام مالك رحمه الله تعالى". ويذهب بعض المعاصرين ممن يقول بالاستصلاح إلى أن الأئمة الأربعة قد استصلحوا وإن وردت عنهم الأخبار برد الاستصلاح -إلا مالكاً- وكذلك أن الصحابة قد استصلحوا. يقول البوطي(138): "المصالح المرسلة مقبولة باتفاق الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة". وتتناقض هذه الاستنتاجات والآراء مع المنقول، فأين الصواب؟ بل وتتناقض استنتاجات المعاصرين مع الواضح الصريح من المنقول عن الأئمة، كما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل، بل ومع ما قالوه بأنفسهم كالغزالي في المستصفى، فما هو الصواب؟ الصواب أنه إذا نقل عن أحدهم نقلاً صحيحاً قوله إنه لا يأخذ المصالح المرسلة أن نقرر ما قاله، إلا إذا تبين بوضوح أنه ترك قوله. أما أن نعمد إلى فروعه الفقهية فنبحث عن بعض الأحكام، فإذا وقعنا على بعضها مما لا نعرف دليله فيها، نسرع إلى القول: كان دليله المصلحة المرسلة، فهذا ليس صواباً ألبتة، بل وليس له من صحة النظر حظ. وقول من يقول: "المصالح المرسلة مقبولة باتفاق الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة" قول فيه جرأة لا مُسَوِّغَ لها سوى الاستهتار بالعلم والمجازفة في الإدلاء بالرأي. __________ (137) أثر الأدلة المختلف فيها، ص 41. (138) ضوابط المصلحة، ص 407. [صفحة 61] وبعداً عن الغموض فسأعرض فيما يلي من حديثي بعضاً مما يوضح آراء العلماء، وسأعرض المواقف التي يُدّعَى أن الصحابة رضوان الله عليهم أخذوا فيها بالمصالح المرسلة. أما بالنسبة لمواقف الأئمة والعلماء، فالجمهور على أن المصالح المرسلة ليست دليلاً شرعياً. فقد رد القول بها الإمام الشافعي رضي الله عنه. نقل ذلك عنه الآمدي. وكذلك نقل ردها عن كثير من علماء الشافعية كالآمدي والغزالي وعز الدين بن عبد السلام. ومما اشتهر عن الشافعي قوله: من استحسن فقد شَرَّع. وهذا الاستحسان المذموم عند الشافعي يتضمن الاستصلاح المقصود بالمصالح المرسلة عند المالكية. يقول الإمام الشافعي في الرسالة: "وإنما الاستحسان تلذذ"، ثم يقول: "على العالِم أن لا يقول إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر اللازم بالقياس بالدلائل على الصواب، حتى يكون صاحب العلم أبداً متبعاً خبراً، وطالب الخبر بالقياس"، ثم قال: "ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم..."، وقال: "ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بَعْدُ الكتابُ والسنةُ والإجماعُ والآثارُ وما وصفت من القياس عليها"(139). من هذه الأقوال للإمام الشافعي رضي الله عنه نفهم أنه يشدّد النكير على المصالح المرسلة كما يشدد النكير على الاستحسان، بل إن الأولى داخلة عنده في الثانية، لأنها ليست من خبر لازم ولا من قياس إذ هي مرسلة. ولذلك فإن الغزالي قال نفس ما قاله الشافعي. قال: "بل من استصلح فقد شرَّع كما أن من استحسن فقد شرّع"(140). والمصالح المرسلة غير معتبرة عند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وليس لها ذكر بين الأصول التي اعتمدها، وقد ردها العلماء ممن هم على مذهبه كابن تيمية وابن قدامة المقدسي. أما ما يدّعيه بعض المعاصرين من القول إنه يلي الإمام مالكاً في الأخذ بها(141)، فكلام لم ترد له __________ (139) الرسالة، ص508، المسائل من 1464 إلى 1468. (140) المستصفى، ج1، ص 245. (141) ضوابط المصلحة، ص 368. وحجية المصالح المرسلة لأحمد فراج حسين، ص 65. [صفحة 62] حج. وربما نقله المعاصرون عما ذكره الشوكاني نقلاً عن ابن دقيق العيد(142): "الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع ويليه أحمد بن حنبل ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره". وقد قال القرافي(143): "هي عند التحقيق في جميع المذاهب". فمثل هذا الكلام لا يثبت عن الإمام أحمد، لأن أصوله ليس من بينها المصالح المرسلة، ومذهبه في العلة بعيد كل البعد عن المناسب المرسل. أما ما ينقل عن بعض الأئمة أنها موجودة في جميع المذاهب، فسنفصل القول فيه إذ إن الذين يأخذون بها لا يقصدون أنها مرسلة بإطلاق، بل يقصدون أنها مرسلة من الدليل الخاص، وليس من الدليل العام أو الكلي. أما ما يذكره الدكتور البوطي في كتاب (ضوابط المصلحة) من أن عدم ذكر المصالح المرسلة بين الأصول التي اعتمدها الإمام أحمد لا يمنع أنها كانت معتبرة عنده، فلا أراه كلاماً يستقيم، وعلى فرض أن ذلك لا يمنع، فما إثبات أنها معتبرة عنده. إن البحث في فقهياته لا يسوغ دعوى أنه يعتبر المصالح المرسلة، إذ وجود مسألة لا نقف على دليله فيها ليس كافياً لادعاء أنه يستدل بالمصلحة المرسلة عليها. وما يحاول البعض قوله: إن القول بالمصلحة يدخل ضمن المعنى الواسع للقياس، فهذا كلام لا فائدة منه، إذ القياس غير الاستصلاح، وإذا كان الاستدلال على الحكم بالمصلحة داخلاً ضمن القياس بطل كل ما قيل في تقسيم المناسب إلى معتبر وملغى ومرسل، وبالتالي بطل الاستصلاح. فهذا كلام غير مبني على فهم للموضوع: فالقياس معتبر لأنه دل عليه الدليل القاطع. والمصالح المرسلة لا تدخل ضمن القياس، وهذا ما قرره الأئمة الذين قالوا بالمصالح المرسلة. ولا حاجة للتطويل في هذا، فمن أراده فليراجع على سبيل المثال قول الشاطبي في الاعتصام، وسنأتي على ذكره عند مناقشة رأي الشاطبي. __________ (142) إرشاد الفحول، ص242. (143) شرح تنقيح الفصول، ص 394. [صفحة 63] أما الحنفية فالمشهور عنهم أنهم لا يأخذون بالاستصلاح، ولا يعتبرونه. وقد نقل الآمدي ردهم للمصالح المرسلة هم والشافعية(144). ويقول البغا(145) نقلاً عن الدكتور عبد الوهاب خلاف من كتابه (مصادر التشريع الإسلامي): "فالمشهور في بعض الكتب أنهم لا يأخذون بالاستصلاح ولا يعتبرونه دليلاً شرعياً". وهنا أيضاً نقف على محاولة للقول إن الحنفية يقولون بالاستصلاح، فيقول خَلاف(146): "... فمن البعيد أن يأخذوا بالاستحسان وينكروا الاستصلاح..". وهذه وجهة نظر قوية إذ الاستصلاح والاستحسان متداخلان. وإلى هذا أيضاً يذهب الدكتوران البغا والبوطي، ويذهبان مع خَلاف إلى أن "حظ المصلحة في فقهه (أي أبي حنيفة) يكمن في دليلين من أهم الأدلة... هما الاستحسان والعرف"(147). والواضح في ما نقل عنه أنه لا يأخذ بالمصلحة، وإن تداخلت مع الاستحسان. فقول الحنفية بالاستحسان إنما هو لأنه قام عندهم الدليل عليه، وردهم للاستصلاح لأنه لا دليل يدل عليه. هذا هو الموضوع، وليس هو قرب أحدهما من الآخر أو بعده عنه. والأمثلة التي يؤتى بها للدلالة على وجود الاستصلاح في فقه الحنفية، دليلها عندهم الاستحسان والله أعلم، وليس الاستصلاح. وبالنسبة لما نقل عن الإمام مالك رضي الله عنه، فالأقوال متفقة تقريباً على اعتباره للمصلحة المرسلة، وقد أنكر ذلك القرطبي كما سنبين. وهناك اختلاف في الحد الذي يذهب إليه في قوله بها. فنقل الشاطبي عنه في الاعتصام أنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية، ثم قال: "حتى لقد استشنع العلماء كثيراً من وجوه استرساله. وقال الشوكاني(148): "إن المحكيّ عن مالك جواز القول بها مطلقاً". وقال(149): "قال الجويني في البرهان وأفرط (أي مالك) في __________ (144) الإحكام، ج4، ص160. (145) أثر الأدلة المختلف فيها، ص 45. (146) المصدر نفسه، نقلاً عن مصادر التشريع الإسلامي. (147) انظر: ضوابط المصلحة، ص 381. (148) إرشاد الفحول، ص 242. (149) المصدر السابق. [صفحة 64] القول بها حتى جره إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستنداً". وقال ابن قدامة المقدسي(150): "كما حكي أن مالكاً قال يجوز قتل الثلث من الخلق لاستصلاح الثلثين..". ومما ينقل عن مالك بخلاف ذلك ما نسبَ إلى القرطبي مثلاً. قال الشوكاني(151): "وقد أنكر جماعة من المالكية ما نسب إلى مالك من القول بها ومنهم القرطبي وقال ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم الاعتماد عليها وهو مذهب مالك، قال وقد اجترأ إمام الحرمين الجويني وجازف فيما نسبه إلى مالك من الإفراط في هذا الأصل. وهذا لا يوجد في كتب مالك ولا في شيء من كتب أصحابه" فالقرطبي ينكر أن يكون مالك أو أحد من أصحابه قال بها. ويورد البوطي نقلاً عن أتباع مالك كالشاطبي والقرافي، أنه رحمه الله (أي مالك) أخذ بالاستصلاح حيث اتفق ذلك مع مقاصد الشرع الحكيم(152). والحق أنه إذا ثبتت نسبة القول بالمصالح المرسلة إلى مالك، فلا يثبت بحال -على ما عرف من حاله وتشدده في الاتباع ورد الابتداع- أن يقول بها في مناقضة النصوص. بل إنه إن قالها فلا يخرج استناده إليها عما أورده أتباعه. ويمكننا فهم حقيقة رأيه عند تفصيل القول في فهم الشاطبي والقرافي للمصلحة المرسلة. أما الغزالي وقد أشرت فيما سبق إلى الاضطراب في معرفة رأيه. فالبعض أشكلت عليه أقوال الغزالي فظن أنه يقول بالاستصلاح في حالات. والواقع أن قوله في المستصفى واضح، ولا داعي للدوران حول النصوص. ففي المستصفى العنوان كالتالي(153): "ثمّ ما يُظَنُّ أنه من الأصول وليس منها وهو أيضاً أربعة: شرع مَن قبلنا، وقول الصحابي، والاستحسان، والاستصلاح". وقال أيضاً(154): "فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع __________ (150) روضة الناظر وجنة المناظر، ص150. (151) إرشاد الفحول، ص 242. (152) انظر: ضوابط المصلحة. (153) المستصفى، ج1، ص 245. (154) المصدر نفسه، ص 315. [صفحة 65] المصالح، ويتبين أن الاستصلاح ليس أصلاً خامساً برأسه، بل من استصلح فقد شرّع كما أن من استحسن فقد شرّع". أما الالتباس الذي قد يقع فيه البعض نتيجة مثل قوله: "فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح"، فيجب أن لا يتخذ ذريعة للقول إنه يقول بالاستصلاح. إذ إن اتباع المصالح أمر طبيعي في الإنسان، والإنسان يسلك بطبعه إلى مصالحه. ولكن موضوع البحث هو في الدليل على الفعل الذي يُقام به قصداً للمصلحة، هل الدليل هو المصلحة ذاتها؟ فالقول بالمصلحة هو اعتبار لشرعية الفعل بناء على كونه مصلحة، وهذا ما يرده الغزالي. أما إذا دل الشرع على جواز الفعل، فليس ثمة ما يمنع من القيام به بقصد المصلحة. ودلالة الشرع آتية من الأدلة الشرعية وليس من كون المصلحة مصلحة. وهذا -إذن- هو معنى كلامه "يجوز اتباع المصالح". وقوله "الاستصلاح ليس أصلاً خامساً برأسه"، وقوله: "بل من استصلح فقد شرع". وعليه فالاستصلاح غير معتبر عند الغزالي. وكذلك رد الاستصلاحَ الآمديّ في الإحكام فقال(155): "إن المصالح تنقسم باعتبار شهادة الشرع لها إلى معتبرة وإلى ملغاة وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء. وهذا الأخير هو المعَبَّر عنه بالمناسب المرسل". وقال(156) -أي عن المناسب المرسل-: "وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى". وكذلك رده الإمام عز الدين بن عبد السلام. قال(157): "وكذلك لا حكم إلا له (أي لله) فأحكامه مستفادة من الكتاب والسنة والإجماع والأقيسة الصحيحة والاستدلالات المعتبرة، فليس لأحد أن يستحسن ولا أن يستعمل مصلحة مرسلة، ولا أن يقلد أحداً لم يؤمر بتقليده". ويرد المصالح المرسلة أيضاً ابن قدامة المقدسي. قال(158): "... فَيُسَمَّى ذلك مصلحة مرسلة ولا نسميه قياساً، لأن القياس يرجع إلى أصل معين، والصحيح أن ذلك ليس بحجة لأنه ما عرف __________ (155) الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص 160. (156) المصدر نفسه. (157) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص 304 (158) روضة الناظر وجنة المناظر، ص 150. [صفحة 66] من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق، ولذلك لم يشرع المثلة وإن كانت أبلغ الردع والزجر، ولم يشرع القتل في السرقة وشرب الخمر، فإذا أثبت حكماً لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم، كان وضعاً للشرع بالرأي وحكماً بالعقل المجرد". وهذا قول نفيس. وكذلك ردها مجد الدين بن تيمية. قال في المسودة(159): "المصالح المرسلة لا يجوز بناء الأحكام عليها، قاله الباقلاني وجماعة المتكلمين". وكذلك ردها تقي الدين بن تيمية فقال(160): "إن المصالح المرسلة شرع في الدين بما لم يأذن به، وهي تشبه من بعض الوجوه الاستحسان، والتحسين العقلي، والرأي، ونحو ذلك". وردها كذلك ابن الحاجب المالكي. جاء في كتاب (حاشيتا التفتازاني والجرجاني على مختصر المنتهى الأصولي): "المصالح المرسلة مصالح لا يشهد لها أصل بالاعتبار في الشرع وإن كانت على سنن المصالح وتلقتها العقول بالقبول، ثم قال: لنا أن لا دليل فوجب الرد كما في الاستحسان"(161). وردها أيضاً ابن همام الدين الإسكندري الحنفي. قال(162): "... وهذا القسم المسمى بالمصالح المرسلة، والمختار رده. إذ لا دليل على الاعتبار، وهو دليل شرعي فوجب رده. قالوا فتخلو وقائع كثيرة، قلنا نمنع الملازمة (أي لا نسلم أنه يلزم من عدم اعتبار ما ذكر أن تخلو الوقائع من الحكم) لأن العمومات والأقيسة شاملة، وبتقدير عدمه فنفي كل مدرك خاص حكمه بالإباحة الأصلية (أي إذا انتفى في حادثة وجود مأخذ من الأدلة الأربعة فعمل بموجب أصل كلي مقرر في الشرع اتفاقاً وهو الإباحة الأصلية فإنه الأصل في الأشياء)". وكذلك رد المصالح المرسلة الإمام المحقق الشيخ محب الله بن عبد الشكور، وهو حنفي المذهب. قال(163): "فإن لم يعلم فيه أحد اعتبارات الملائم فهو الغريب من المرسل؛ وهو المسمى بالمصالح المرسلة حجة عند مالك، والمختار عند الجمهور رده. لنا: لا دليل بدون الاعتبار وإن __________ (159) ص 450. (160) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص 304. (161) الجزء الثاني، ص 389. (162) تيسير التحرير، ج3، ص 315. وما بين قوسين هو للشارح أمير بادشاه. (163) انظر كتاب فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، مطبوع مع المستصفى، ج 2 ، ص 266. [صفحة 67] كان على سنن العقل. قالوا: أولاً: لو لم تعتبر لخلت الوقائع. قلنا: نمنع الملازمة لأن العمومات والأقيسة عامة، وأيضاً عدم المدرك مدرك للإباحة. وثانياً: الصحابة كانوا يقنعون برعاية المصالح. قلنا: بل إنما اعتبروا ما اطلعوا على اعتبار نوعه أو جنسه". ويرده أيضاً الشوكاني، إذ هو يرد القياس أصلاً، ولا يأخذ من القياس إلا ما كان علته منصوصة وإن كان لا يسميه قياساً. يقول(164): "وإذا عرفت ما حررناه وتقرر لديك جميع ما قررناه فاعلم أن القياس المأخوذ به هو ما وقع النص على علته وما قطع فيه بنفي الفارق وما كان من باب فحوى الخطاب أو لحن الخطاب على اصطلاح من يسمي ذلك قياساً وقد قدمنا أنه من مفهوم الموافقة. ثم اعلم أن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياساً وإن كان منصوصاً على علته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته ...". وكلامه هذا يعني أنه يأخذ بالعلة المنصوصة أو التي قطع فيها بنفي الفارق ولا يأخذ بالعلة المستنبطة. فلا يأخذ بالعلة التي مسلكها المناسبة، إذ المناسبة من قبيل الاستنباط. وعدم أخذه للمصلحة المرسلة أولى، إذ هي مبنية على المناسب المرسل الذي هو ليس من قبيل الاستنباط أصلاً، بل من قبيل حكم العقل. وقد أنكر الاستصلاح أيضاً الظاهرية والاثنا عشرية وهم لا يأخذون بالقياس أصلاً. ويذهب الشاطبي في الموافقات وفي الاعتصام إلى الأخذ بالمصالح المرسلة وإلى أن الإمامين أبا حنيفة والشافعي قد تمسكا بها(165)، وهذا بخلاف ما ذكره الآمدي(166). ويأخذ بها أيضاً الإمام شهاب الدين القرافي المالكي. يقول(167): "أما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرّقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى __________ (164) إرشاد الفحول، ص 203-204. (165) الموافقات، ج1، ص 15. (166) الإحكام في أصول الأحكام، ج 4، ص 160. (167) شرح تنقيح الفصول، ص: 394. [صفحة 68] الذي به جمعوا وفرقوا بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب". أما في عصرنا فأكثر الكاتبين في الأصول أو المتعرضين لها على القول بحجية المصالح المرسلة. ومنهم على سبيل المثال: الشيخ محمد الخضري بك(168)، وجاد الحق علي جاد الحق(169)، ومحمد سعيد رمضان البوطي(170)، وعبد الكريم زيدان(171)، والشيخ عبد الوهاب خلاف(172)، ومحمد إبراهيم الحفناوي(173)، وخليفة بابكر الحسن(174)، ومصطفى الخن(175). __________ (168) انظر كتابه: أصول الفقه. (169) الفقه الإسلامي، مرونته ، وتطوره. (170) ضوابط المصلحة. (171) الوجيز في أصول الفقه. (172) مصادر التشريع الإسلامي، وعلم أصول الفقه. (173) نظرات في أدلة التشريع المختلف فيها. (174) الأدلة المختلف فيها عند الأصوليين. (175) أثر الاختلاف في القواعد الفقهية. [صفحة 69] وقد رده الدكتور محمد حسين عبد الله(177). __________ (177) الواضح في أصول الفقه. [صفحة 70] المصالح المرسلة ليست دليلاً شرعياً بينّا فيما سبق أن الاستدلال بالمصلحة المرسلة مختلف فيه بين الأئمة والأصوليين، وأن الجمهور على رده. وهذا هو الصواب والله أعلم. وسأناقش ذلك الآن من خلال: أولاً- مناقشة الأدلة التي أوردها القائلون به. ثانياً- إيراد الأدلة على أنه ليس دليلاً شرعياً. ثالثاً- بيان أن الذين قالوا بالمصالح المرسلة، لم يقصدوا أنها مرسلة بإطلاق وإنما مرسلة من الدليل الخاص على المسألة بعينها، بينما هي مندرجة تحت الدليل العام أو الكلي. وذلك من خلال رأيَي الإمامين القرافي والشاطبي. وقد أوردت أولاً رأي الشاطبي لوضوح وظهور المراد من نصوصه، ثم رأي القرافي. رابعاً- بيان أن الذين قالوا بالمصلحة من الأئمة لا يقصدون بها التزوير الذي يعمد إليه ملبسو الحق بالباطل، وإنما قصدوا المصلحة: هي ما طلبه الشرع، وذلك من خلال رأيَي الإمامين العز بن عبد السلام والغزالي. خامساً- رد شبهتين: إن هناك مصالح معتبرة ومصالح ملغاة ومصالح لا معتبرة ولا ملغاة. الاستدلال على الجواز بعدم العثور على دليل التحريم، أو بعدم مخالفة الفعل للقرآن والسنة والإجماع والقياس. هذا وقد ألحقت البنود الثلاثة الأخيرة المذكورة هنا (الثالث والرابع والخامس) بالفصل الرابع من هذا الكتاب. [صفحة 71] مناقشة الأدلة التي أوردها القائلون بالاستصلاح ذكرنا فيما سبق الأدلة التي اعتمد عليها القائلون بالاستصلاح، وسأناقشها هنا بنفس الترتيب الذي عرضته سابقاً. الدليل الأول: جعل الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام هذا هو دليلهم الأول وهو عمدة الأدلة عندهم. وهو مبني على أن للشارع مقاصد هي مصالح الخلق، وأن الأصل في الشرع اعتبار هذه المصالح(179). نعم إن للشريعة مقاصد، كما دلت الشريعة نفسها، وهي مقاصد للشريعة ككل وليست لكل حكم. هكذا دلت النصوص التي فهم منها أن للشريعة مقاصد كقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(180)، وقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(181)، وقوله تعالى: (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون)(182). والنظر في هذه النصوص والتدقيق في دلالاتها، يفيد أن الرحمة والشفاء والهدى هي نتائج لقبول الشريعة وتطبيقها، والالتزام بها، ويفيد أن هذه النتائج أو المصالح هي نتيجة لتطبيق الشريعة ككل، فإذا طبقت الشريعة في المجتمع استقام حاله وارتقى وازدهر وكان على الجدة القويمة والصراط المستقيم الذي يهدي إليه القرآن: (إن هذا القرآن يهدي __________ (179) إن ما يفهمه البعض وخاصة من المعاصرين من مثل هذه الأقوال هو غير ما قصده الأئمة الأصوليون منها، وأنا أناقش هنا بحسب معانيها المتبادرة إلى الذهن وهي أن المصلحة ما يراه العقل مصلحة. (180) الأنبياء/ 107. (181) الإسراء/ 82. (182) الجاثية/ 20. [صفحة 72] للتي هي أقوم)(183) هذا ما تخبر عنه النصوص، وهذا ما حصل في الواقع عندما طبقت هذه الشريعة على الناس، وليس في هذه النصوص ما يدل لا من قريب ولا من بعيد على المصالح، أو أن مقاصد الشارع هي المصالح، فضلاً عن الذهاب إلى أبعد من هذا في الاستدلال فيقال إذا ثبت أن الأمر مصلحة فهو شرع. صحيح أن هذه المقاصد أو الغايات أو النتائج هي في واقعها مصالح للناس، ولكنها ليس كونها مصالح هو الذي دل على الشريعة أو على صحتها أو قبولها. بل الدال على صحتها وأخذها ككل هو العقيدة. وليس في هذه النصوص التي أوردناها ما يدل على أن المصالح تشرع لأنها مصالح. وفوق ذلك فإن هذه النصوص تخبرنا أن شريعتنا شريعة رحمة وشفاء وهدى وصلاح و ... فهي لا تبين لنا ما هي الرحمة ولا ما هو الصلاح... وكذلك ليس في دلالتها إطلاقاً أن المصلحة أساس للشريعة فضلاً عن أن يقال علة للشريعة. وكذلك فإن المعنى الذي يجب أن يفهم ولا يفهم غيره عند قولنا الشريعة رحمة، أو الشريعة هدى، أو الشريعة شفاء، هو أن الأحكام التي فصّلتها الشريعة وبينتها، هي الرحمة وهي الشفاء، وهي الصلاح، وهي العدل، فَيُلْتَزَم بها كما نزلت، وهذه النصوص لا تدل على أحكام تفصيلية للشريعة، بل هي إخبار بواقع الشريعة، أنها هدى ورحمة وشفاء، ولم تقل النصوص إنها مصلحة، بل إن هذا الإطلاق "مصلحة" هو تَجَوُّز من الإنسان، لأن الشريعة لا يمكن أن يقال عنها إلا إنها مصلحة وخير وحق، وليس ذلك بناء على دراسة واقعها، بل فقط بناء على كونها من عند الخالق أي الحاكم. رب قائل يقول: إن الاستدلال على المصالح ومنها المصالح المرسلة بمقاصد الشريعة ليس قائماً على هذه الأدلة أو النصوص التي أوردتها، بل هو قائم كما قال على استقراء الشريعة. أقول إن استقراء الشريعة هو استقراء لأحكامها، أي لما أَطْلَق عليه الباحثون "الجزئيات". فقالوا إنهم استقرأوا الجزئيات ووصلوا إلى الحكم الكلي، الذي يطبقونه على كل واقعة تحتاج إلى حكم جزئي. والرد هنا: إنه ليس صحيحاً أن النصوص دلت على المصالح في كل الجزئيات، __________ (183) الإسراء/ 9. [صفحة 73] ودليلي هنا على رد قولهم هو وجود بعض النصوص التي تخرم هذا الكلي عندهم. بل إن كل النصوص التي أوردوها كأمثلة على الاستقراء، ليس في أيٍ منها دلالةٌ على المصلحة، وسأتناول هنا أكثرها. من أدلتهم قوله تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)(184) فإن مقصود الشارع هنا أن لا يكون للناس على الله حجة، وهي ليس فيها دلالة على المصلحة لا منطوقاً ولا مفهوماً. وأكثر من ذلك فليس فيها مصلحة للعباد بحسب العقل، وليس فيها مصلحة من قبيل ما يُعَدُّ مناسباً أو ملائماً تتلقاه العقول بالقبول، وكذلك ليس فيها وصف مناسب يفيد أو يُشْعر بالعِلِّيّة. فيسقط الاستدلال بهذا النص. وعلاوة على ذلك، كيف وجد القائلون بالمصالح مصلحة للناس في هذا النص؟ أيهما الأفضل للناس: أن يكون لهم حجة أو أن لا يكون؟ أليس الأفضل -وبالتالي المصلحة- أن يكون لهم حجة فينجون من العذاب كأهل الفترة. وكذلك من أمثلتهم على الاستقراء قوله تعالى: (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)(185)، وقوله: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)(186). فإذا كان مقصود الخالق من خلق السماوات والأرض ومن خلق الموت والحياة ابتلاء الناس أيهم أحسن عملاً، فأين دلالة النص على أن مقصود الشارع هو المصلحة؟ ليس في النص هكذا دلالة. ومثلما قلنا في النص السابق نقول هنا، فهل إن العقل يرى أن ابتلاء الناس مصلحة للناس؟ فليس ثمة طريق إلى هذا القول. وهل للعقل أن يحكم بأن المصلحة للعباد أن يُخلقوا فَيُبْتَلَوا فإما إلى جنة وإما إلى نار؟ وعليه فإنه فوق أن النصوص ليس فيها دلالة على المصلحة، فإن القول بهذه المصلحة ليس مما تتلقاه العقول بالقبول. وليست المصلحة وصفاً مناسباً ظاهراً منضبطاً. وكذلك لا يوجد هنا مصلحة سائرة بحسب مقاصد الشارع. __________ (184) النساء/ 165. (185) هود/ 7. (186) الملك/ 2. [صفحة 74] وكذلك من الأمثلة التي استقرأوها قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(187). فهذا نص دل على مقصد معين لشارع من فعل معين، وليس فيه دلالة على المصلحة، ولا على أن هذا الفعل كن لأجل المصلحة. وكذلك لو نظرنا بالعقل، فهل واقع خلق الناس للعبادة مصلحة لهم. والعبادة تكاليف وقيود، وكيف يقرر العقل مصلحة من لا وجود له بخلقه للتكليف؟ أما استدلالهم بقوله تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(188)، وبقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(189)، وبقوله: (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون)(190)، فقد ناقشناه سابقاً(191). وأما قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)(192) فهذا النص أيضاً لا يدل على المصلحة لا منطوقاً ولا مفهوماً، وليس فيه ما يدل على أن التشريع غايته المصلحة ولا دافعه أو الباعث عليه المصلحة. وإنما العقل هو الذي يرى أن العدل مصلحة، وأن الفحشاء والمنكر والبغي مفسدة. وهذه الألفاظ لا يصح أن يفهم منها شيء إذا لم ترتبط بأساس تفهم قياساً عليه. ألا ترى أن الشرائع الوضعية والمحرفة عندها ما تسميه العدل، وعندها ما يسمى الفحشاء والمنكر، وعندها ما يسمى الحق والباطل، ومع ذلك لو نظرنا إلى حقيقة عدلهم وقسناه على شريعتنا لوجدناه عين الظلم، ولوجدنا حقهم باطلاً، وإحسانهم منكراً... فهذه الألفاظ لا تفهم إلا من خلال ما تدل عليه. وألفاظ العدل والإحسان والفحشاء والمنكر والبغي الواردة في الآية لا يفهم واقع أي منها إلا من خلال ما تدل عليه. وما تدل عليه ليس أحكاماً نعرفها مسبقاً ونعرف أنها عدل أو إحسان، أو فحشاء، أو منكر، أو بغي وجاءت الآية لتقول إن هذا الذي تسمونه عدلاً جئت لآمركم به، وهذا الذي تسمونه منكراً جئت لأنهاكم عنه! كلا، ليس كذلك. بل إن الآية تأمر بالعدل الذي __________ (187) الذاريات/ 56. (188) الأنبياء/ 107. (189) الإسراء/ 82. (190) الجاثية / 20. (191) انظر ص: 77-78. (192) النحل /90. [صفحة 75] بينته الشريعة في مواضع أخرى أنه العدل، وتنهى عن المنكر الذي بينته النصوص الأخرى أنه المنكر، وكذلك قل بالنسبة للإحسان وبالنسبة للفحشاء وللبغي. وهذا الذي أمر به الشارع هو العدل، والذي نهى عنه هو المنكر، ليس لأن العقل نظر ووجد أن ما يأمر به الشارع يتطابق مع ما يقره العقل أنه عدل أو إحسان أو معروف، وما نهى عنه يتطابق مع ما يقره العقل أنه فحشاء ومنكر وبغي، وإنما لأن الأمر آتٍ من عند الخالق وهو وحده صاحب الأمر والنهي. وإليه وحده يرجع التحسين والتقبيح. أما ما ذهب إليه البوطي عند استدلاله بهذه الآية على المصلحة بقوله: "إن العدل هو الخط المستقيم بين طرفي الإفراط والتفريط"(193)، فكلام لا مفهوم له، وحتى يصبح لهذا الكلام مفهوم تدركه العقول، يجب معرفة ما هو الإفراط وما هو التفريط. أليس قد يكون ما يراه الإنسان بعقله وبناءً على مصلحته إفراطاً هو العدل أو التفريط؟ وما يراه العقل تفريطاً هو العدل أو الإفراط، وما يراه عدلاً هو الإفراط أو التفريط، وكذلك ما يراه مصلحة هو المفسدة أو العكس، ألم يقل الله سبحانه وتعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن)(194)؟ وكذلك قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم)(195). وعليه فإن الله سبحانه وتعالى يأمرنا في هذه الآية بالعدل الذي جعله عدلاً وبينه لنا في الشريعة، وينهانا عن المنكر الذي جعله منكراً وبينه لنا في الشريعة. وإطلاق المصلحة على ما يأمر به الله هو لأن الله أمر به، وليس لأننا أدركنا وقررنا ما هي المصلحة ثم وجدنا الشريعة تأمرنا بما أدركناه وقررناه!، كلا ليس كذلك. ولذلك فهذه الآية ليس فيها دليل على المصلحة، ولا على مراعاة الشريعة للمصلحة. وبهذا يسقط الاستدلال باستقراء الشريعة على أن مصالح العباد أصل في التشريع، ويسقط القول بجعل الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام، فالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة متعلقة بفعل معين للعبد، فهي الدليل الشرعي على حكم الشرع في هذا الفعل، وهي __________ (193) انظر ص 61 من هذا البحث. (194) المؤمنون/71. (195) الحجرات/7. [صفحة 76] ليست متعلقة بالمصلحة والمفسدة، فالله تعالى حين يقول: (فرهان مقبوضة)(196) وحين يقول: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)(197) وحين يقول: (وأشهدوا إذا تبايعتم)(198)، إنما يبين حكم الرهن وحكم كتابة الدين، وحكم الشهادة عند البيع، ولم يبين أن هذا مصلحة أو ليس بمصلحة لا صراحة ولا دلالة، ولا يؤدي النص أن هذا الحكم مصلحة أو ليس بمصلحة لا من قريب ولا من بعيد، ولا بأي وجه من الوجوه. الدليل الثاني: إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم معاذاً حين أرسله إلى اليمن أن يجتهد رأيه إذا لم يجد الحكم في كتاب الله ولا في سنة رسوله. فهذا استدلال في غير محله. وليس في الحديث ذكر للمصلحة، وإنما يتخذ الحديث –إن صح- حجة على جواز الاجتهاد، وليس في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقٌر معاذاً على الاجتهاد بناءً على المصلحة، لا منطوقاً ولا مفهوماً، وإنما فيه إقرار لمعاذ أن يجتهد رأيه ليحكم بما يؤديه إليه هذا الاجتهاد إذا لم يجد الحكم في الكتاب ولا في السنة، ولم يقل معاذ إنه يحكم برأيه، وإنما قال: أجتهد رأيي. وهذا معناه أنه إذا لم يجد الحكم صريحاً لا في الكتاب ولا في السنة فسيبذل جهده لاستنباطه. وحتى لو قال: أحكم برأيي، فليس في الحديث ما يدل على أن حكمه برأيه سيكون بناءً على المصلحة. ومن أين يأتي الفهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر الاستصلاح أو المصالح المرسلة بهذا الحديث؟ هذا تحكم بلا دليل. الدليل الثالث: وهو قولهم إن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني وبواعث التشريع وذلك على عكس العبادات التي يوقف فيها على حد النص. __________ (196) البقرة / 283. (197) البقرة /282. (198) البقرة / 282. [صفحة 77] فقد سبق وبينا أن لا فرق بين العبادات وبين غيرها مما يسمونه العادات، فكلها أحكام شرعية، وكلها خطاب من الشارع، وكلها موجهة إلى المكلف. وإنما العبادات علاقة خالصة بين العبد وربه، يجب أن يقام بها بحسب ما أمر الله، والعادات علاقة بين الإنسان والإنسان يجب أن تسير بحسب أوامر الله تعالى أيضاً(199). وهذا القول أي الالتفات إلى المعاني في العادات، معناه لا ينطبق على حقيقة المعنى الذي قصده منه قائلوه. فهم قصدوا أن أحكام الأفعال الخارجة عن العبادات يجب أن تعلل. وحقيقة معناه أن هذه الأفعال يبحث لها عن معنى، وهذا غير صحيح. فالسرقة أو الزنا أو الصلاة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أفعال لا يبحث عن معانيها، وإنما يطلب لها الحكم. وكذلك إذا قلنا إن المعاني هي العلل- وهو مقصد أصحاب هذا القول- فهذا أيضاً لا يصح، إذ إن الأفعال لا يبحث لها عن علة، والعلة في الشرع هي علة الحكم المتعلق بالفعل، وليست علة الفعل. فالإلهاء عن الصلاة هو علة الحكم وهو تحريم البيع عند النداء للصلاة من يوم الجمعة، وهو –أي الإلهاء- ليس علة للبيع أو لعدم البيع. أما ما قصدوه وهو أن أحكام الأفعال الخارجة عن العبادات يجب أن تعلل، فهذه الأحكام تفهم من النصوص أو مما يصلح للاستدلال، وهذه منها ما جاء معللاً سواء كانت العلة تؤخذ صراحة أو دلالة أو استنباطاً أو قياساً، ومنها ما جاء غير معلل، وما كان كذلك فليس لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلله. والتعليل –في كل حال- يؤدي إلى القياس وليس إلى القول بالمصالح المرسلة. أما إذا قيل إن المعاني هي المصالح أو جنس المصالح الموجودة في الأحكام، فهذا راجع إلى دليلهم الأول وقد أبطلناه. واختصار الرد هنا هو أن المصالح ليست معنى للحكم ولا للنص الدال على الحكم، أما الفعل الذي يطلب له الحكم، فهذا ليس فيه معنى يلتفت إليه عند تشريع الحكم سوى فهم واقعه، وبعد ذلك يعطى الحكم المتعلق به من النصوص وليس من واقعه، إذا واقعه ليس فيه دلالة على شيء. __________ (199) انظر صفحة 62. [صفحة 78] أما ما قالوه إن هذه المعاني والبواعث هي مصالح يدرك فيها العقل حسن ما أمر به الشرع وقبح ما نهى عنه، فقد سبق وقلنا إن هذه التسمية (مصالح) هي تَجَوُّز من الإنسان وليس من الشارع. ولذلك لا قيمة شرعية لها سواء سميت مصالح أو غير ذلك. والقول إن العقل يدرك من هذه المصالح حسن أمر به الشرع وقبح ما نهى عنه غير صحيح، لما بيّناه سابقاً عند حديثنا عن العدل والإحسان والمنكر وعند حديثنا عن الرحمة والشفاء(200). وإضافة إلى ذلك فإن هذه المقاصد، إذا دل عليها النص، هي نتائج قد تنتج وقد تتخلف، فهل إذا تخلفت يدرك الإنسان منها العكس، أي يدرك حسن ما نهى عنه الشرع وقبح ما أمر به! هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإن الحسن والقبح ليسا داخلين ضمن ما يدركه العقل. فقد ينتج ما يحبه الإنسان وقد ينتج ما يكرهه، ولكن التحسين والتقبيح لا يتبعان ما يحب الإنسان أو ما يكره، ولا ما يستحسن أو يستقبح. قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم)(201). أما القول إن الله سبحانه وتعالى "أوجب علينا ما تدرك عقولنا نفعه وحرم علينا ما لا تدرك عقولنا ضرره" فهو ظاهر الفساد والبطلان، ولو كان الأمر كذلك فما حاجتنا إلى شريعة الإسلام إذن؟ بل إن الله أوجب علينا أشياء قد لا ندرك منها نفعاً ولا ضراً، وحرم علينا أشياء قد لا ندرك منها نفعاً ولا ضراً. وحكم علينا بتكاليف لا ندرك منها سوى أن علينا السمع والطاعة وهذا هو معنى العبودية لله. وهذا القول: "أوجب علينا ما تدرك عقولنا نفعه وحرم علينا ما تدرك عقولنا ضرره" باطل وليس من الإسلام في شيء. الدليل الرابع(202): وهو أن الواقع يتغير ويتطور باستمرار والنصوص محدودة، ولذلك يجب استحداث مصادر للتشريع، وقولهم إن المتناهي لا يفي بغير المتناهي، ولذلك يلزم الأخذ بالمصالح المرسلة. __________ (200) راجع صفحة 77-78، 80-81. (201) البقرة 216، وقال تعالى في سورة النساء آية 19: (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً). (202) انظر ص 63. [صفحة 79] فمدلول هذا الكلام أن الشريعة ناقصة ويجب أن نضيف إليها مصادر من عندنا كي تكتمل، وهذا مخالف لنص القرآن: (اليوم أكملت لكم دينكم"(203). ثم إن هذه فرضية منطقية غير موفقة - أي محدودية النصوص وعدم محدودية الوقائع- ألا ترى أن نصاً واحداً كالقاعدة الشرعية المأخوذة من نصوص القرآن وهي: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، يعطي حكماً لكل الأشياء في الدنيا مهما كثرت. إن الوقائع كلها منذ اكتمل نزول التشريع إلى يوم القيامة لها أحكامها في الشريعة بنصوصها المحدودة. وهذا ليس بالاستقراء وإنما بنصوص القرآن: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم)(204)، (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(205). والأدلة ليست القرآن والسنة فقط، وإنما هي القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس، وهذه مكتملة بذاتها بدون أية إضافة بشرية؛ وأي إضافة إلى الأدلة بحجة عدم كفاية الأدلة للمستجدات، إنما هو اتهام نقص للشريعة وهذا يخالف القرآن. والإضافة ستكون أحكاماً مردودة لأنها ليست من عند الحاكم الذي هو الله وحده(206). أما قولهم إن الدليل الإضافي يجب أن يكون المصالح المرسلة، فعلى فرض سلمنا بالحاجة إلى دليل إضافي، فجعله المصالح المرسلة هو تحكم لا دليل عليه. الدليل الخامس(207): وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أخذوا بالمصالح المرسلة. __________ (203) المائدة/ 3. (204) سورة الأنبياء/ 10. (205) سورة الأنعام /38. (206) وانظر النص الذي أوردناه عن ابن همام الاسكندري في الصفحة 73 رداً على مثل هذا القول، وقد جاء مثل هذا الرد عند الشوكاني في (إرشاد الفحول) صفحة 204،فقال: "ويجاب عن هذا بما قدمنا عن إخباره عز وجل لهذه الأمة بأنه قد أكمل لها دينها وبما أخبرها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من أنه قد تركها على الواضحة التي ليلها كنهارها. ثم لا يخفى على ذي لب صحيح وفهم صالح أن في عمومات الكتاب والسنة ومطلقاتهما وخصوص نصوصهما ما يفي بكل حادثة تحدث ويقوم ببيان كل نازلة عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله". (207) راجع صفحة 63. [صفحة 80] فغير صحيح، وهو في أحسن حالاته توهم. وعلى فرض وجود فعل عند الصحابة لا نعرف له دليلاً من قرآن أو سنة أو قياس، فلا يصح القول إن دليلهم كان المصلحة المرسلة، ما لم يوجد ما يثبت ذلك. علاوة على أن فعل الصحابة ولو لم نجد له دليلاً من القرآن أو السنة أو القياس، هو دليل قائم بذاته إذا أجمعوا عليه. وبهذا تسقط كل الأقوال باعتماد الصحابة على المصالح المرسلة في الحالات التي لا يوجد فيها مُنْكِر. وإجماع الصحابة يدل على وجود الدليل وإن لم يصل إلينا. ولا يوجد ما يدل على اعتبارهم للمصلحة المرسلة. والأمثلة التي أوردوها من أفعال الصحابة رضوان الله عليهم، سنبحثها واحداً واحداً: اتفاقهم رضي الله عنهم على جمع الصحف المتفرقة في مصحف واحد لما كثر القتل بحفظة القرآن من الصحابة بموقعة اليمامة. واتفاقهم على نسخ المصحف. إن هذا العمل ليس فيه ما يدل على أن المصلحة كانت دليلاً على جوازه. وهل قال أحد من الصحابة إنهم استدلوا على هذا العمل بالمصلحة المرسلة؟ فأمر أبي بكر بجمع القرآن وأمر عثمان بنسخ المصحف، وإحراق سائر المصاحف، تدل حادثته على أنه إزالة لضرر عظيم. فإنه لما كثر القتل في حفاظ القرآن، وخيف على القرآن من الضياع إن استمرّ القتل في القراء أي حفاظ القرآن رأوا جمع القرآن. ووقوع الاختلاف في قراءة القرآن باختلاف نسخ المصاحف خيف أن يحصل من جرائه اختلاف في القرآن بين المسلمين، ولذلك قال حذيفة بن اليمان لعثمان: أدرك المسلمين قبل أن يختلفوا. فأمر بنسخ المصحف في نسخة واحدة وأحرق ما سواها، فهذا كله ضرر أزاله خليفة المسلمين، وهذا ليس مصلحة عمل بها من عنده، وإنما لأن الرسول أمر بإزالة الضرر،فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"(208) فما __________ (208) رواه ابن ماجة في كتاب الأ؛كام، باب 17. وفي روايات: لا ضرر ولا إضرار. [صفحة 81] فعله أبو بكر وعثمان هو إزالة ضرر، وفعله كل منهما استناداً إلى السنة وليس لمجرد أنه رأى أن ذلك مصلحة. فإن قال قائل إن إزالة الضرر مصلحة. أقول: نعم، ولكن المصلحة لم تكن دليلاً على الفعل، وإنما دليله هو الحديث، والواقع الذي أرادوا دفعه بفعلهم لم يكن هو الدليل، لأن الدليل قائم في دلالة النص. أما الواقع فهو المناط الذي انصبّ الحديث عليه. ولذلك يغلب على الظن أن تريّث أبي بكر في قبول قول عمر كان للتحقق من المناط. وإن قال قائل: لماذا تستدل على عملهم بالسنة ولم يصرحوا بذلك وترفض الاستدلال بالمصلحة لأنهم لم يصرحوا بذلك؟ فالجواب إننا نعلم بالقطع أن السنة دليل، ونعلم بالقطع أيضاً أنهم يستدلون بها. أما المصلحة المرسلة فلم تثبت دليلاً فلا يصح جعلها دليلاً لهم لا في هذه الحادثة ولا في غيرها. استخلاف أبي بكر لعمر. ويقولون: ليس له من سند ظاهر سوى المصلحة(209). إن الموضوعية تفيد أن المصلحة لم تكن سنداً لفعل أبي بكر لا ظاهراً ولا خفياً. والمصلحة يمكن أن نطلقها على النتيجة التي توخاها أبو بكر من فعله. وليست الدليل على فعله، أما الدليل على فعله فهو السنة، فقد دلت السنة على إباحة هذا الفعل. فمعلوم أن المسلمين يختلفون هل عين الرسول صلى الله عليه وسلم الإمام من بعده أو لا. فيذهب بعض السنة إلى أنه نص على إمامة أبي بكر، فقال في مرض موته: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"(210). ويقول غيرهم إنه لم يعين أحداً للخلافة، وإنما أمْرُهُ أبا بكر بالإمامة كان ترشيحاً له للخلافة. وذلك لدلالة النصوص على أن الإمام لا يصير إماماً إلا ببيعة الانعقاد. وهذا __________ (209) راجع ص 64. (210) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، ويذهب الاثنا عشرية إلى أنه صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي كرم الله وجهه. ويستدلون على ذلك بأدلة عقلية لا تصلح للاستدلال وبأحاديث ضعيفة. ويجعلون إمامة علي جزءاً من عقيدتهم. [صفحة 82] الأخير هو الراجح. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرشح أبا بكر للخلافة، فهذا دليل لأبي بكر على ترشيح عمر رضي الله عنهما. وفعل أبي بكر ليس سوى ترشيح لعمر، وتوجيه للمسلمين إلى ما هو الأصلح لهم، وعمر لم يصبح خليفة إلا بالبيعة بعد وفاة أبي بكر. ولا يمكن جعله خليفة باستخلاف أبي بكر له، لأنه لو كان كذلك لصار خليفتان للمسلمين في وقت واحد، وهذا لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"(211) فهذا الفعل من أبي بكر دليله فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وليس المصلحة. أما ما توخاه من الفعل سواء أكان المصلحة أم الأصلح أم دفع الضرر، فهذه نتيجة يريدها، وليس لها قيمة في التشريع، ولكن الفعل الذي يُنْظَرُ إليه، هو ما يُسْلَكُ إلى النتيجة، سواء كانت نفعاً ومصلحةً وخيراً أو دفع ضرر وفساد وشر. فالفعل يحتاج إلى دليل من الشرع، وليس مجرد قصد المصلحة هو الدليل. وفي واقعتنا هذه، الترشيح مباح، وتركه مباح، فمن يقوم بالفعل يختار بدليل الإباحة ما يراه الأصلح. ج- ترك عمر الأمر شورى بين ستة من الصحابة(212) يقال فيه مثل ما قيل في استخلاف أبي بكر لعمر،فإن مصلحة المسلمين كانت بين عيني عمر رضي الله عنه، ولكن مجرد كونها مصلحة كما رآها لم تكن هي دليل الفعل. وقد صرح هو بذلك فقال: "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني"(213). وهو هنا يبين دليله على فعله، ويفهم من كلامه أن الاستخلاف والترك مباحان. __________ (211) رواه مسلم في كتاب الإمارة. (212) راجع ص 64. (213) تاريخ الأمم والملوك للطبري، ج5، ص 34، والبخاري في كتاب الأحكام. واللفظ كما عند الطبري. [صفحة 83] د- إنشاء عمر الدواوين وترتيبها وتنظيمها بحيث تشمل كل مصالح الدولة، واتخاذه السجن وتأريخه بالهجرة(214). هذه الأفعال لم يكن دليلها المصلحة، وإنما كان يقصد منها نتيجة يمكن تحصيلها هي المصلحة. أما الدليل فهو الشرع، وينظر إلى هذه الأفعال كالتالي: لما توسعت الدولة الإسلامية وكثر المسلمون في عهد عمر-وهو راعي المسلمين ومسؤول عن رعايتهم- صارت أحوالهم وشؤونهم بحاجة إلى ضبط وحفظ وتسجيل، وذلك من أجل القيام برعاية شؤونهم حسب أحكام الشرع، ولذلك استحدث عمر هذه الوسائل والأساليب، للقيام بالواجب وهو تطبيق الإسلام، فإذا تعذّر تطبيق الإسلام ورعاية شؤون المسلمين إلا بهذه الأساليب والوسائل أو ما هو مثلها، فإنه يصبح اتخاذها أو اتخاذ ما هو مثلها واجباً للقاعدة الشرعية: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فيكون دليل الفعل هو الشرع، أما المصلحة فهي النتيجة المتوخاة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشرع دل على إباحة هذه الأشياء التي استحدثها عمر، فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم. فالشرع مثلاً قد أمر بجباية الأموال من زكاة وخراج وجزية وغير ذلك، وأمر بصرفها في وجوه معينة، فإذا كثرت الأموال وتعددت جهات مصادرها وجهات إنفاقها، وكثر الذين تجب في أموالهم الزكاة أو الخراج أو العشر فحينئذٍ يصبح التنظيم واجباً لتمام تطبيق الإسلام وليس للمصلحة. أما استعمال أشياء معينة أو وسائل وأساليب معينة دون غيرها لأجل هذا التنظيم وهذه الرعاية فإن الاختيار يقع على ما يوصل إلى المطلوب على أحسن وجه كما يرى صاحب أمر الرعاية وهو الخليفة أو الإمام. ولكنه ملزم بالاختيار من ضمن ما أباح الله وباجتناب ما حرّم، حتى ولو وُجِدَ أنه أكثر توصيلاً إلى المطلوب. وهذه الأشياء التي استحدثها عمر مباحة بدليل الأصل في الأشياء، إذ لا دليل على حرمتها. أما الأفعال التي كانت تقع على هذه الأشياء فهي تطبيق الإسلام نفسه. __________ (214) راجع ص 64. [صفحة 84] أما اتخاذ عمر رضي الله عنه للسجن، فقد كان دليله فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. وانظر ما قاله عبد الرحمن المالكي(215): "-الحبس: الحبس الشرعي هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان ذلك في بلد، أم في بيت، أم في مسجد، أم في سجن معد للعقوبة أم غير ذلك، والدليل على أن الحبس عقوبة من عقوبات الشرع ما روي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة ثم خلّى عنه" وعن أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم حَبَسَ في تهمة يوماً وليلة". وكان الحبس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في بيت، أو في مسجد، وكذلك الحال كانت على أيام أبي بكر، فلم يكن هناك حبس مُعَدّ للخصوم، فلما كانت أيام عمر اشترى داراً لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وجعلها حبساً، وقد حبس عمر الحطيئة على الهجو، وحبس صبيغاً على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن.." فالحبس قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. واتخاذ السجن بشكل دائم هو لتمام تطبيق الإسلام لما كثر المسلمون واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، فهو مثل إنشاء الدواوين لنفس السبب. فهو لتطبيق عقوبات الإسلام. وكذلك يقال عن كل ما يستحدث لأجل التنظيم وحسن رعاية شؤون المسلمين، وحسن تطبيق الإسلام، كالتأريخ بالهجرة أو غيرها، وكذلك يقال في الوسائل والأشياء المستحدثة كالسيارة والطائرة والآلة والمصنع والهاتف والمذياع، والتلفاز، والصاروخ... فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، ففعل السفر مباح، والوسيلة شيء مباح ما لم يرد الدليل على حرمته، ولذلك يجوز ركوب الدابة والسيارة والطائرة، ولكن لا يجوز ركوب الخنزير مثلاً، ليس لأنه لا يصلح لذلك بل لأن الدليل حّرمه، وتحريمه كان تحريماً لكل وجوه الانتفاع به. __________ (215) نظام العقوبات، ص 162. [صفحة 85] هـ - تضمين الصناع(216) قال به الشاطبي، ومن المُحْدَثين قال به البوطي ونسب العمل به إلى الصحابة والتابعين بناءً على المصلحة المرسلة. وقد عَدَّ بعض الكاتبين في الأصول تضمين الصناع من أمثلة الاستحسان. وذكر البوطي أن أبا حنيفة (رضي الله عنه) يجيز الاستصناع بناء على الاستصلاح، وهذا غير صحيح، بل فيه استهتار. فأبو حنيفة يقول بالاستحسان، ويرد الاستصلاح على قول من أصَّلوا على فروعه. وأيّاً كان الأمر فالاستصناع جائز وثابت بالسنة لا بالاستصلاح ولا بالاستحسان. فقد استصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً(217)، واستصنع منبراً. وكان الناس يستصنعون في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت عنهم، فسكوته تقرير لهم على الاستصناع(218). أما بالنسبة لتضمين الصناع، فالمعقود عليه في عملية الاستصناع هو ما يصنع كالخاتم والمنبر والخزانة والسيارة وغير ذلك. وهو على هذا الوجه من قبيل البيع. أما لو أحضر الشخص للصانع المادة الخام وطلب منه أن يصنع له شيئاً، فإنه حينئذٍ يكون من قبيل الإجارة. وعليه فلمعرفة حكم الشرع في التضمين فإنه ينظر إلى المناط لتحقيقه هل هو من قبيل البيع أو الإجارة وتُطَبَّقُ بعدئذٍ أحكام الشرع، فإن كان بيعاً فالصانع ضامن. وإن كان إجارة فلا ضمان على الصانع، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أودعَ وديعةً فلا ضمان عليه"(219). وجاء أيضاً عن علي رضي الله عنه قال: "لا ضمان على راعٍ ولا على مؤتمن"(220). والصانع إن أُعطِيَ المادة ليصنع منها أو بها فهو مؤتمن أو أمين، والمادة عنده وديعة سواءً أكانت نسيجاً أم خشباً أم حديداً أم غير ذلك. __________ (216) راجع ص 64. (217) عن أنس قال: صنع النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً. وعن سهل قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة أن "مُري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن". رواهما البخاري. (218) النظام الاقتصادي في الإسلام، ص 144. (219) رواه أبو داود. (220) المبسوط للسرخسي، ج11، ص 109. [صفحة 86] ومما جاء عن الشافعي في الأم قوله(221): "ولا يضمن المستودع إلا أن يخالف فإن خالف فلا يخرج من الضمان إلا بدفع الوديعة إلى ربها ولو ردها إلى المكان الذي كانت فيه، لأن ابتداءه لها كان أميناً فخرج من حد الأمانة فلم يجدّد له ربّ المال استئماناً". والشافعي رضي الله عنه لا يجد عذراً لمن يَعُدُّ الصانع الأجير ضامناً لأنه يخالف الحديث، إلا إذا قال مثلاً(222): "الأمين هو من دفعت إليه راضياً بأمانته لا مُعطًى أجراً على شيء مما دفعت إليه، وإعطائي هذا الأجر تفريق بينه وبين الأمين الذي أخذ ما استؤمن عليه بلا جُعل". والمادة إذا أعطيت إلى الصانع هي وديعة ليس غير وينطبق عليها الحديث. أما الأجر الذي يُعطاه الصانع فهو ليس مقابل إيداع المادة الخام، وإنما هو أجرة مقابل العمل فيها. ولذلك فلا ضمان على الصانع. أما إن أعطي الشخص أجرة مقابل حفظ المادة أو العين، فهو أيضاً لا يضمن، لأنها وديعة وهو مؤتمن، إلا إذا كان مهملاً وتفصيل هذا الأمر في مواضعه في كتب الفقه. أما إذا أودِعت عنده الوديعة بأجرة على أن يكون ضامناً، فالضمان شرط باطل، لأنه ليس في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. وهو هنا مخالف للحديث الذي يرفع الضمان عن المؤتمن. وهذا الشرط يجعل العقد من قبيل عقود التأمين. وعقود التأمين كلها حرام شرعاً(223). وخلاصة القول إن تضمين الصناع لا يجوز. والقول به استصلاحاً أو استحساناً هو ترك للشرع إلى الهوى. أما قول البوطي(224): "ووجه المصلحة (أي في تضمين الصناع) أن الناس لهم حاجة إلى الصناعة، وهم يغيبون الأمتعة في غالب الأحوال إلى جانب أنهم في الغالب مجهولو الصنعة والأمانة ويغلب فيهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع ذلك لأفضى الأمر إلى أحد شيئين: إما إلى ترك الاستصناع بالكلية، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا شيئاً، فيفتح لهم بذلك باب الكذب والاحتيال واختلاس الأموال، ولذلك كانت المصلحة في التضمين، وهي __________ (221) الأم، جزء 3، ص245. (222) الأم، جزء 4، ص 37-38. (223) انظر النظام الاقتصادي في الإسلام، ص 185. (224) ضوابط المصلحة، ص 356. [صفحة 87] مصلحة وإن كانت لا تستند إلى شاهد معين من الشرع، إلا أنها لا تعارض أيضاً نصاً أو دليلاً ثابتاً فيه". فقوله هذا هو في الصانع الأجير، وقوله: إنه لا يخالف نصاً؛ قول غير صحيح. لأنه يخالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من أودع وديعة فهلكت فلا ضمان عليه". أما قوله: إن عدم التضمين يؤدي إلى ترك الاستصناع أو فتح باب الكذب والاحتيال واختلاس الأموال، فالجواب عليه إنه يجب تطبيق الحكم الشرعي مهما كانت النتائج التي تراها العقول. أما ترك الاستصناع فلا ضير في ذلك إن كان نتيجة لتطبيق الشرع، وسيكون حينئذٍ هو الخير وهو المصلحة. أما إن كان يؤدي حسب قوله إلى الكذب والاحتيال واختلاس الأموال، فإن الشارع لم يشرع لمنع ذلك ترك الأحكام، وإنما شرع عقوبات تؤخذ من مصادرها. على أنني أرى أن تضمين الصناع يؤدي إلى قلتهم وهذه مفسدة، وعدم تضمينهم يؤدي إلى كثرتهم، ثم إلى تنافسهم فإلى تدنّي الأسعار وإلى ازدهار الصناعة. والصناعة هي عماد الدول اليوم، فالمصلحة في عدم التضمين، فعقل من يا ترى يكون المصدر لتقرير المصلحة التي يشرع بناءً عليها؟ وقد نسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله في تضمين الصناع: "لا يصلح الناس إلا ذاك". وهذا لا يدل على اعتباره للمصلحة المرسلة. وإذا ثبت هذا عنه فإنه محمول على ما كان من قبيل البيع. لأنه رُوِيَ عن علي أنه كان لا يضمن أحداً من الأجراء. وإليك ما ينقله البوطي نفسه عن الشافعي في الأم(225): "قال في الأم: (وقد يروى من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه ضمن الغسّال والصبّاغ، وقال: لا يصلح الناس إلا ذاك. أخبرنا بذلك إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علياً رضي الله عنه قال ذلك، ويروى عن عمر تضمين الصناع من وجه أضعف من هذا، ولم نعلم واحداً منهما يثبت. وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان لا يضمن أحداً من الأجراء، ومن وجه لا يثبت مثله)"، ثم ينتهي البوطي إلى القول(226): "إن ما ينقله عامة الكاتبين عن علي رضي الله عنه وغيره من القول بتضمين __________ (225) ضوابط المصلحة، ص 356. (226) المصدر نفسه، ص 357. [صفحة 88] الصناع، ليس ثابتاً بالقدر الكافي للاعتماد عليه". ولكن لا أدري إذاً لماذا اعتمد عليه البوطي في مثل هذه المسألة. وما أوردناه عن البوطي قبل صفحتين، منقول تقريباً حرفياً عن الشاطبي في الاعتصام، ولكن التفصيل الذي يرد عند البوطي يجعل مقصده غير الوارد عند الشاطبي. فالشاطبي لا يجعل الاستدلال على التضمين بالمصلحة بل المصلحة هي النتيجة المتوخاة، والدليل يقام من الشرع، عاماً أو خاصاً، يقول الشاطبي(227): "وفي الحديث "لا ضرر ولا ضرار"(228) تشهد له(229) الأصول من حيث الجملة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يبيع حاضر لبادٍ، وقال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"(230)، وقال: "ولا تلقوا السلع حتى يُهْبَطَ بها إلى السوق"(231) وهذا من ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. فتضمين الصناع من ذلك القبيل. ولنا أن القول بالتضمين استناداً إلى أدلة كهذه التي أوردها الشاطبي لا يصح لوجود أدلة خاصة في التضمين. وعليه فتضمين الصناع لا يجوز لأنه مخالف للشرع كما بينا سابقاً. وعلى كل حال فلا مدخل في هذه المسألة للقول بالمصالح المرسلة. و- اتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده على حد شارب الخمر ثمانين جلدة مستندين إلى المصالح(232) وهذا القول متهافت. فإن حد شارب الخمر ثابت بالسنة، والرسول صلى الله عليه وسلم حد شارب الخمر. فعن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلد __________ (227) الاعتصام ص 7. (228) رواه ابن ماجه. (229) له: أي للتضمين. (230) رواه مسلم والترمذي وغيرهما، واللفظ لمسلم. (231) رواه البخاري وغيره. (232) راجع ص 64. [صفحة 89] بجريدتين نحو أربعين"(233). وفي رواية للنسائي "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه بالنعال نحواً من أربعين"، وفي رواية لأحمد والبيهقي: "فأمر نحواً من عشرين رجلاً فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال". وأما ما روي عن علي أنه قال: "جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة"(234) فإنه يدل على أن الجلد قد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم أربعين، وفعله الصحابة أربعين وثمانين، وهذا يعني أن أقله أربعون وأكثره ثمانون، وهو متروك للإمام، وعليه فليس ذلك من المصالح المرسلة. فهو لم يشرع ثمانين للمصلحة، بل تُرِكَ للخليفة يوقعه أربعين ويوقعه ثمانين. وأما ما فعله عمر فإنه من باب رعاية الشؤون، وهو ما جعل للخليفة أن يقوم به حسب رأيه واجتهاده. ثم إن الجلد ثمانين أليس عليه دلالة من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالجلد أربعين بجريدتين؟ وكذلك الصحابة عندما يجلدون أٍبعين وثمانين، وليس فيهم من ينكر ذلك، أليس هذا إجماعاً منهم. فلا مجال هنا للقول بالمصالح المرسلة أبداً(235). ز- مشاطرة عمر بن الخطاب الولاة الذين يتهمهم في أموالهم لاختلاط أموالهم الخاصة بالأموال التي استفادوها بسلطان الولاية(236) وهذا الفعل ليس فيه ما يدل على استدلالٍ بالمصلحة. فإن الشرع قد جعل للخليفة أن يقوم برعاية شؤون المسلمين حسب رأيه واجتهاده. فهو يعين الولاة ويحاسبهم ويعزلهم، وينفق من بيت المال برأيه واجتهاده، ويعقد المعاهدات وينقضها، ويوجه الجيوش للجهاد وغير ذلك مما جعله الشرع له. فتصرفاته كخليفة آتية مما أعطاه الشرع له من حق. وهو إن عَيّنَ مصلحة يريدها، فالعمل الذي يقوم به لحصولها لا يكون حلالاً لأجل تلك المصلحة، وإنما يجب أن يدل الشرع __________ (233) أخرجه مسلم عن أنس. (234) أخرجه مسلم من حديث حضين بن المنذر في جلد الوليد. (235) وانظر بحثاً مفصّلاً في هذا الأمر في كتاب نظام العقوبات لعبد الرحمن المالكي. (236) راجع ص 64. [صفحة 90] على جوازه. ففعله رضي الله عنه من باب محاسبة الولاة. وهذه المحاسبة قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إنها من باب النصح للمسلمين والجهد في النصح لهم ورعاية شؤونهم. قال صلى الله عليه وسلم: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل الجنة معهم"(237) ومشاطرة عمر للولاة هو لاختلاط أموالهم بالأموال العامة التي استفادوها بالولاية، فأخذ منهم عمر رضي الله عنه ما استفادوه بالولاية. وهذا مثل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع الذي استعمله على الصدقات. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر من مس الأموال العامة، وشدد في هذا التحذير، وحين رآه من والٍ من ولاته عنفه وخطب الناس في شأنه. عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية على صدقات بني سليم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسبه، قال: هذا لكم وهذه هدية أهديت إلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً؟" ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني أستعمل رجالاً منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول هذا لكم وهذه هدية أهديت إلي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ فوالله لا يأخذ أحدكم شيئاً بغير حقه إلا جاء يحمله يوم القيامة"(238) وهذا كناية عن محاسبة الله له ومعاقبته على عمله، وهو تحذير شديد من أن يمس الحاكم الأموال العامة ولا بأي وجه من الوجوه ولا تحت التأويل والفتوى. فالرسول صلى الله عليه وسلم استردّ ممن وُلِّيَ أمراً من أمور المسلمين المال –وهو الهدية- الذي أتاه بسلطان الولاية، ففعل عمر دليله السنة. ح- ما وري عن عمر أنه أراق اللبن المغشوش وأن ذلك كان عملاً بالمصلحة المرسلة(239) __________ (237) رواه مسلم. (238) رواه البخاري في كتاب الأحكام، ومسلم في كتاب الإمارة، واللفظ للبخاري. (239) راجع ص 64. [صفحة 91] وهذا أيضاً غير صحيح. فالمصلحة نتيجة والفعل دليله السنة. فهذا الفعل من عمر رضي الله عنه هو من باب الحسبة، ودليله السنة. فقد كان رضي الله عنه يتفقد السوق كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين "رأى صبرة قمح فمد يده فإذا بها بلل، فقال لصاحب الصبرة: ما هذا؟ فقال: إن السماء أمطرتنا. فقال له: اجعل البلل ظاهراً حتى يعرفه الناس"(240)، وعمر كان يقوم بالحسبة لمراقبة البائعين، ولما رأى اللبن مغشوشاً عاقب الغاشّ، وعقوبته هذه بإراقة لبنه من باب التعزير، وهي عقوبة جُعِلَ تقديرها للإمام أو للقاضي، وله أن يقدرها كما يرى ضمن حدود الشرع وليست هي حكماً شرعياً دليله المصلحة. ط- أما قتل عمر الجماعة بالواحد. وأنه ما فعل ذلك إلا استناداً إلى المصلحة المرسلة إذ لا نص في الموضوع(241). فهذا أيضاً لا يصلح للقول باستدلال الصحابة رضوان الله عليهم بالمصلحة المرسلة. فإن دليل فعل عمر هنا هو القياس. ولله در أبيهم هؤلاء الذي يدّعون أن عمر يريق دماء جماعة من الناس، بل من المسلمين، بغير دليل من الشرع. واللغز الصعب هنا ما يذهب إليه البوطي، فيقول إن دليل قتل الجماعة بالواحد موجود في آيتي القصاص (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى)(242) و(وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس...)(243). ويقول(244): "إن آية القصاص دالة على أن الجماعة تقتل بالواحد بحكم تنصيصها على العلة، وبحكم وجود العلة كاملة في كل من أفراد الجماعة على حدة. فكيف يقال عن هذا الحكم الذي قضى به عمر وأجمع عليه عامة الفقهاء ما عدا الظاهرية وبعض الحنابلة: إنه حكم معارض للنص؟ بل ولعمري كيف يقول البعض إن __________ (240) رواه مسلم في كتاب الإيمان. (241) راجع ص 64. (242) البقرة/ 178. (243) المائدة/ 45. (244) ضوابط المصلحة، ص 150. [صفحة 92] دليله الاستحسان أو المصلحة المرسلة؟" هذا كلامه في الصفحة 150 من كتابه "ضوابط المصلحة". ثم بعد ذلك يقول في الصفحة 357: "فتوى عمر بقتل الجماعة بالواحد كان من قبيل المصلحة المرسلة". وهو –البوطي- يأتي بهذه المسألة مثلاً على أخذ الصحابة للمصالح المرسلة، فيقول(245): "غير أن هذا المستند من المصلحة لا يوجد نص معين يدل عليه ولا شاهد من أصل يقاس عليه، فكان ذلك من قبيل المصلحة المرسلة". ولعمري كيف يستنبط هو الحكم من النص ويقول(246): "الذي يراه الباحث بعد التدقيق أن كلاً من آيتي القصاص السالفتين يحمل دلالة واضحة على هذا الحكم". ثم يقول ما أوردناه أعلاه من عدم وجود نص ولا شاهد من أصل قياس؟ أما اللغز الصعب فهو أن يستنبط هو الحكم بالنص، ويرى أن عمر –وهو من هو- قد استند إلى المصلحة المرسلة. فهل يريد القول إنه فهمها هو وعَيَّ عنها عمر؟ والصحيح أن الآيتين ليس فيهما دلالة على قتل الجماعة بالواحد. ولا شك أن الجماعة تقتل بالواحد، استناداً إلى السنة، لأن نص الأحاديث التي جاءت في عقوبة القاتل تشمل الواحد، وتشمل الجماعة، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفتدي، وإما أن يقتل"(247) فإنه يشمل ما إذا كان قد قتله واحد، أو قتله جماعة. وروي أن عمر كان يشك في مسألة القتيل الذي اشترك في قتله سبعة، "فقال له علي: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم؟ قال: نعم، قال: فكذلك"(248)، فإذا اشترك جماعة، اثنان أو أكثر في قتل واحد عوقبوا جميعاً، فيقتلون جميعاً، ولو كان المقتول واحداً(249). __________ (245) ضوابط المصلحة، ص 357. (246) المصدر نفسه، ص 149. (247) رواه البخاري. (248) الرواية في الموطأ. (249) انظر: نظام العقوبات لعبد الرحمن المالكي. [صفحة 93] ويقول ابن حزم في هذه المسألة(250): "... قال ابن جريج فأخبرني عبد الكريم وأبو بكر قالا جميعاً: إن عمر كان يشك فيها حتى قال له علي: يا أمير المؤمنين أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضواً وأخذ هذا عضواً، أكنت قاطعهم؟ قال: نعم. قال: فذلك" حين ليس أحدهما أصلاً للآخر، لأن النص قد ورد بقتل من قتل، كما ورد بقطع من سرق، وليس أحد النصين في القرآن بأقوى من الآخر. قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة)(251)، وقال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)(252)، وقال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما)(253)، ولم يخصّ تعالى في كلا الأمرين منفرداً من مشارك، فلو صح لكان على إنما أنكر على عمر اختلاف حكمه فقط، وتركه أحد النصين وأخذه بالآخر"(254). فابن حزم يرى أن الدليل هو نص القرآن، وهو هنا يقصد أن يرد القول باستدلال عمر بالقياس، لأنه لا يَعُدُّهُ دليلاً. وسواء كان الدليل في هذه المسألة القياس أو النص، فإنه لا سبيل إلى القول إن عمر رضي الله عنه استدل بالمصلحة. ي- عدم تقسيم عمر رضي الله عنه للأراضي التي فتحها المسلمون عنوة وهي أرض العراق والشام ومصر(255). وقد طلب منه بلال وعبد الرحمن والزبير أن يقسم هذه الأراضي التي أفاءها الله عليهم بأسيافهم، كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض خيبر على المقاتلين حين افتتحها. فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد عقده الهدنة مع قريش في الحديبية غزا خيبر ففتحها الله عليه وعلى المؤمنين عنوة، وملكه أرضهم وديارهم وأموالهم، فقسم الغنائم والأرضين بعد أن __________ (250) الإحكام في أصول الأحكام، ج7، ص 176. (251) البقرة/ 179. (252) الشورى/ 40. (253) المائدة/ 38. (254) الإحكام في أصول الأحكام، ج7، ص 176. (255) كتاب الأموال لأبي عبيد. وانظر ص 64. [صفحة 94] خمسها، وجعل الأرضين ألفاً وثمانمائة سهم، جعلت ثمانية عشر قسماً كل قسم يشمل مائة سهم. ولأجل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم أرض العنوة في خيبر على المسلمين، فإنهم طالبوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسم أرض السواد عليهم. ولكن عمر رفض النزول عند رأي الصحابة المطالبين بتقسيم الأرض في هذه المسألة. بل إن مما أثر عنه رضوان الله عليه قوله: "اللهم اكفني بلالاً وصحبه" وكان أن استشار الأنصار واستشار المهاجرين ثم قال: "رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئاً للمسلمين، المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلازمونها، أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم؟ فمن أين يُعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج" ثم قال: "وإن من أحد من المسلمين إلا وله في هذا الفيء حق ونصيب" فوافقوه على رأيه وقالوا جميعاً: الرأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت. إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال، وتجري عليهم ما يتقوون به، رجع أهل الكفر إلى مدنهم...". فبعض الصحابة كبلال وعبد الرحمن بن عوف والزبير احتجوا لعمر رضوان الله عليهم وعلى الصحابة أجمعين بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم من تقسيمه أرض العنوة في خيبر. ولكنه –أي عمر- رأى أن الأمر قد اختلف وأن هناك جنداً مجندة، وهناك مسلمون كثيرون لم يحضروا المعركة ولم يكونوا من المقاتلة ولهم نسل وذَرارٍ. وهذا كله يحتاج إلى أموال باهظة ونفقات كبيرة، فرأى أن مصلحة المسلمين تقتضي حبس هذه الأراضي وعدم تقسيمها على المحاربين، بل إبقاءها تحت يد أهلها وفرض الخراج عليها وإنفاق خراجها على المسلمين، واستشار الصحابة في هذا ووافقوه وقالوا نعم الرأي رأيك. هذه المسألة كما أوردتها أعلاه حصلت بالنسبة لأرض العنوة من العراق والشام ومصر، وبعض المعاصرين من كتاب الأصول يتجرؤون، فيصورون أن عمر رضي الله عنه والصحابة معه قد تركوا الأمر الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بحجة المصلحة. ثم يقولون إن فعل عمر __________ [صفحة 95] يدل على جواز ترك حكم الشرع لأجل المصلحة. وتأييد الصحابة لعمر يصبح إجماعاً على جواز ترك الشرع لأجل المصلحة. وهذا النوع من الفهم عقيم سقيم. وما عليه حقيقة الأمر أن الأنفال والغنائم والفيء، أمرها موكول إلى الإمام يعمل فيها برأيه حسب مصلحة المسلمين، وأرض السواد من العراق والشام ومصر، أمرها موكول إلى الخليفة إن شاء قسمه ووزعه وإن شاء حبسه. فالفعل جائز أصلاً بدلالة الشرع وليس بحجة المصلحة، وإنما المصلحة أو الأصلح هو النتيجة المطلوبة عن طريق الاختيار من ضمن المباحات. ثم إن عمر رضي الله عنه عندما حاور الصحابة وشاورهم، عرض عليهم رأيه واستدل على فعله بالآيات التالية: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {7} لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {8} وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {9}‏ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {10}). ثم قال: "هذه الآية استوعبت المسلمين عامة – مشيراً إلى قاوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم)- ولئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حِمْيَر نصيبه منها لم يعرق بها جبينه" فعمر بن الخطاب رضي الله عنه استدل بالقرآن على جواز فعله، واختار فعلاً جائزاً له أصلاً من بين عدة أفعال مباحة ولكنه اختار ما هو أصلح لأنه خليفة المسلمين، وفرض عليه أن ينصح لهم. والدلالة على إباحة الفعل وإباحة غيره فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو قد قسم الأرض في خيبر على المقاتلة. ولكنه قبل ذلك عندما افتتح أرض بني النضير لم يقسم الأرض __________ [صفحة 96] وقسم ما سواها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين منهم، وفي غزوة حنين بعد فتح مكة قسم الرسول صلى الله عليه وسلم الأموال وعفا عن السبي. فتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم تبين أن أمر الأرض والأموال والسبي، موكول إلى الخليفة يتصرف فيها بما يراه مصلحة للإسلام، أي بما يعين ويؤكد تطبيق الإسلام داخل الدولة الإسلامية، وحمل الدعوة بالجهاد إلى الأمم والشعوب الأخرى؛ فهذا الفعل ليس فيه استدلال بالمصلحة، وإنما فيه قصد تحصيل مصالح المسلمين عن طريق القيام بالأعمال الجائزة. فليس الفعل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من باب المصالح المرسلة بأي وجه من الوجوه. ك- والمثل الأخير الذي نورده هنا وهو من أعمال التابعين، مفاده أن جملة مما حكم به عمر بن عبد العزيز كأمره الولاة بإقامة الخانات بطريق خراسان(259). فهذا أيضاً ليس من قبيل المصالح المرسلة، وإنما هو من قبيل رعاية شؤون المسلمين والنصح لهم. وهذا مما جعله الشرع له بدليل من الشرع وليس من المصالح المرسلة. وقد تحدثنا عن هذا بما يكفي عند حديثنا عن إنشاء عمر للدواوين وعن محاسبته للولاة(260). وهكذا فجميع الحوادث التي تروى عن الصحابة، ليس في أي واحدة منها استدلال بالمصلحة المرسلة، وإنما هي مستندة إلى أدلة شرعية. الأدلة على أن المصالح المرسلة ليست دليلاً شرعياً إذا سقط الاحتجاج بالأدلة التي أوردوها على حجية المصالح المرسلة، فهذا وحده كافٍ لردها وعدم اعتبارها. ومع ذلك فهي باطلة من عدة وجوه. __________ (259) راجع ص 65 من هذا البحث. (260) راجع ص 89-90 من هذا البحث [صفحة 97] الأدلة الشرعية من الأصول، وهذه يشترط فيها القطع، والمصالح المرسلة دليل موهوم، وفي أحسن الحالات ظني، ولذلك فلا يصح اعتبار المصالح المرسلة. أما القول إنها دليل ولكنها ليست أصلاً قائماً بذاته، أو ليست قسيماً للقرآن والسنة والإجماع والقياس، بل راجعة إلى المصادر الأربعة، فحينئذٍ -إن صح القول- يكون الدليل هو المصدر الذي رجعت إليه. المصالح المرسلة مردودة من حيث تعريفها، أي من حيث كونها مرسلة إذ إرسالها هو إرسال من الدليل. فهي بحسب تعريفها لا دليل عليها. فلم يبق سبب للاعتبار إلا الهوى أو حكم العقل. وهذا ليس من الدين. وجعل الشريعة ككل دليلاً مردود. فإن الشريعة ككل ليس لمجموعها معنىً معين تدل عليه. لم يعرف من الشارع المحافظة على المقصود بكل طريق. بل إنه حدد طريقاً يجب الالتزام به. فحين عرفنا من مقاصد الشريعة مقصد حفظ العقل مثلاً، لم تعرف طريقة ذلك الحفظ بالعقل. وإنما عرفناها من الشرع، والشرع قيدنا بطريقته. ونحن أصلاً لم نعرف المقصد إلا من خلال الأحكام المشرّعة. وانظر في هذا ما أوردناه عن ابن قدامة المقدسي صفحة: 72. القول بالمصالح المرسلة مخالف لتعريف الحكم الشرعي. فهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، فإن لم يكن ثمة خطاب فليس ثمة حكم شرعي. ونحن مأمورون باتباع الشرع فقط. قال تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم)(261). وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(262). __________ (261) الأعراف/ 3. (262) الحشر/ 7. [صفحة 98] إن تقدير إن الأمر الفلاني مصلحة راجع إلى العقل، والعقول البشرية تتفاوت، وأحكامها ليست شرعاً سواء أخطأت أم أصابت. وجعل الفعل شرعياً لأنه مصلحة بتقدير العقل، هو إعطاء دور للعقل في التحسين والتقبيح، وهذا مخالف لحاكمية الله وحده: (إن الحكم إلا لله)(263). هناك نصوص كثيرة تمنع من اتباع المصلحة لأنها هوى ورأي، فمثلاً قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم)(264). وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)(265). وقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)(266). وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)(267). وقال: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)(268). وجعْل المصلحة المرسلة دليلاً ليس رداً إلى الله ولا إلى الرسول، وليس تحكيماً للرسول صلى الله عليه وسلم ولا رضىً بحكمه. وقوله تعالى: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فيه ردّ على الذين يستدلون بالمصلحة المرسلة، فيقول لهم سبحانه وتعالى إنه وحده الذي يعلم المصلحة والصلاح والخير والعدل والهدى والحق، أما هم فلا يعلمون ذلك. وكذلك قول الصحابي رضي الله عنه عندما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المخابرة أو المزارعة: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعاً، ولكن طاعة رسول الله أنفع لنا"(269) فيه رد لقول الذي يجعلون الشرع حيث المصلحة. __________ (263) الأنعام/ 57، يوسف/ 40، 67. (264) الحجرات/ 7. (265) النساء/ 59. (266) الأحزاب/ 36. (267) النساء/ 65. (268) البقرة/ 216. (269) رواه البخاري عن رافع بن خديج. [صفحة 99] الدين كامل بنص القرآن. ومصادر ديننا هي كل ما كان وحياً من عند الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم على أنه شرع لنا. وتقدير المصالح ليس وحياً، فجعل المصالح المرسلة مصدراً، هو تشريع من غير الوحي. والقول إن هذه الأفعال المأخوذة بناءً على المصلحة لم يأت لها الشرع بحكم، يلزم منه أن الشريعة ناقصة. وهذا مخالف لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم)(270). ولقوله: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(271) وثمة مداخلة هنا، فقد يقول البعض: إن هذه الأفعال التي نأخذها بناء على المصلحة، دل الشرع على أنها مباحة بدليل عام أو كلي، والرد إنها إذا دل الشرع على إباحتها فلا تكون مرسلة حينئذٍ، وتؤخذ بناءً على الدليل الذي أباحها وليس بناءً على كونها مجرد مصلحة. __________ (270) المائدة/3. (271) الأنعام/ 38. [صفحة 100] الفصل الرابع ماذا قصد العلماء الذين قالوا بالمصالح رأي الإمام الشاطبي رأي الإمام القرافي رأي ثلة من العلماء المعاصرين رأي الإمام عز الدين بن عبد السلام رأي الإمام الغزالي رد شبهتين الشبهة الأولى: إن هناك مصالح معتبرة ومصالح ملغاة ومصالح لا معتبرة ولا ملغاة. الشبهة الثانية: تقييد المصلحة بأن لا تكون مخالفة لنص أو إجماع أو قياس. [صفحة 101] ماذا قصد العلماء الذين قالوا بالمصالح؟ تحدثنا عن المصالح المرسلة كمصدر من مصادر التشريع وبينّا بالأدلة أنها لا ينهض لها دليل. وقد نقضنا بالدليل والحجة جميع ما توهمه القائلون بالمصالح المرسلة من أنه أدلة على حجيتها. وقد كان الدافع إلى هذا البحث ما شاع عند بعض المتأخرين من كتاب الأصول أن الاستصلاح مصدر تشريعي، وأن المصلحة دليل على الحكم الشرعي. وأينما كانت المصلحة فثم شرع الله، وما بُنِي على ذلك من قواعد جعلوها قواعد شرعية وليست كذلك، إذ ليست هي إلا جعل المصلحة ديناً. بل إن بعض المتأخرين يلجأ إلى كتب الأئمة والسلف فيجتزئ منها نصوصاً أو فتاوي ويسوقها لنا في معان غير التي قصدها الأئمة. ولذلك وجب التحذير من أفكار هؤلاء، الذين يلبسون على المسلمين أحكام دينهم، ويجعلون المصلحة عنواناً كبيراً يتحللون بواسطته من قيود الدين وأحكامه، فكان لا بد من تفنيد حججهم ومزاعمهم، وبيان الحق في ذلك، ولذلك فقد بَيَنّا موقف العلماء من المصالح المرسلة وحيث إنه قد قال بها الشاطبي والقرافي فقد لزم بيان حقيقة ما قصد من قولهم بالمصالح المرسلة. -وعند التدقيق يظهر جلياً أنه لم يقل أحد بجعل المصلحة دليلاً على الفعل- ومن ينسب إلى أحد مثل هذا القول مطلوب منه الدليل من غير اجتزاء ولا تحريف- والذين قالوا بالمصالح المرسلة إنما أرادوا أن للإنسان أن يختار في منطقة المباح بحسب مصلحته أو منفعته أو الأنسب له، وهذا الأمر لا ضير فيه، وقد تحدثوا عن الوسائل والأساليب التي كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فالوسائل تخضع لقاعدة البراءة الأصلية وهي: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم. والأساليب تكون بحسب الفعل المراد القيام به وبحسب الوسائل المتوفرة أو الممكنة له. فالأساليب إذاً تتعدد وتتبدل وتتطور حسب تعدد وتبدل وتطور الوسائل الممكنة. فإذا كانت الوسائل مباحة، والفعل الذي يراد القيام به مباحاً، تأخذ الأساليب حينئذٍ حكم الإباحة أو حكم [صفحة 102] الفعل بتفصيل لسنا في صدده. وكمثال للتوضيح: نأخذ الجهاد مثلاً فهو فرض، وله وسائل، منها السيف والرمح والترس والفرس، ومنها الدبابة والطائرة والمدفع وغيرها، فهذه كلها من الأشياء المباحة في القتال. واستعمال السيف والرمح وما شابهها يقتضي أساليب قتالية تختلف عن الأساليب التي تقتضيها الأسلحة الحديثة. وكذلك نقل الأخبار التي كانت تعتمد على الإنسان والخيل أو على الحمائم، فقد تبدلت الوسائل وتغيرت الأساليب فأصبحت تنقل بواسطة التليفون أو الفاكس أو غيره. فهذه الأساليب حكمها حكم الوسائل أو حكم الفعل المأمور به، إذا لم يكن هناك أسلوب آخر. ومن الأمثلة كذلك انتخاب الخليفة، فقد يكونه عن طريق أخذ رأي أهل الحل والعقد، أو عن طريق أخذ رأي الأمة كلها، أيّ ذلك كان فهو جائز بشرط أن يعبّر عن رضى الأمة واختيارها. وقد يؤخذ رأي الناس عن طريق خروج من يجمع آراء الناس، أو عن طريق رفع الأيدي ومعرفة الأكثرية، أو عن طريق صناديق الاقتراع السرية. فكل هذه أساليب، فهي جائزة إذا كان العمل الذي يقام به بواسطتها جائزاً، والوسيلة المستعملة غير محرمة. أما إذا كان الاستصلاح بمعنى وجود مصدر تشريعي كالقرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس، فهذا لا يثبت بحال. وإنما هو مقبول إذا كان بمعنى الوسائل المستجدة والأساليب المستحدثة، والتي يوجد في مصادر التشريع ما يدل عليها أو على أصلها، أي على ما تُعَدُّ هي فرعاً له. [صفحة 103] رأي الإمام الشاطبي قال رحمه الله في الاعتصام(272): "إن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين، وأيضاً مرجعها إلى حفظ الضروري من باب (ما لا يتم الواجب إلا به..) فهي إذن من الوسائل لا من المقاصد، ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى التخفيف لا التشديد". فقول الإمام الشاطبي: "من الوسائل" يوضح ما ذهبنا إليه، وقوله: "لا من المقاصد"، هو رد على كل من يقول بجعل كون الشيء مصلحة دليلاً على جوازه. إذ المقاصد هي نتائج الأفعال، والأفعال حكمها من الشرع، ولكن الوسيلة إلى الفعل هي التي تؤخذ بناءً على المصلحة المرسلة. والشاطبي يرى أن الاستدلال بالمصلحة على الوسيلة يجب أن يكون في حالة عدم وجود نص على تلك الوسيلة، وعدم وجود قياس أيضاً. يقول(273): "المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص، ولا كونه قياساً بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول". وهنا تظهر أهمية قوله "شاهد شرعي على الخصوص" أي أن تلك الوسيلة أو ذلك الأسلوب لا يوجد نص خاص به، وإلا لما كان داخلاً في المصالح المرسلة، وكذلك أن لا يدل قياس على تلك الوسيلة أو ذلك الأسلوب. وقال أيضاً(274): "وأما كونها في الضروري من قبيل الوسائل و"ما لا يتم الواجب إلا به"، إن نص على اشتراطه فهو شرط شرعي فلا مدخل له في هذا الباب، لأن نص الشارع فيه قد كفانا مؤنة النظر فيه. وإن لم ينص على اشتراطه فهو إما عقلي أو عادي، فلا يلزم أن يكون شرعياً. كما أنه لا يلزم أن يكون على كيفية معلومة" وهكذا يتضح مما قال أن المصلحة المرسلة هي وسيلة أو أسلوب __________ (272) الاعتصام، ج2، ص78. (273) الاعتصام، ج2، ص 65. (274) الاعتصام، ج2، ص78. [صفحة 104] ليس هناك نص معين أو خاص يدل عليه، ولكن هناك أصل عام أو دليل كلي تندرج تحته الوسيلة أو الأسلوب. وهو يقسمها قسمين: أعيان وأفعال. فالأعيان وسائل ينطبق عليها حكم الأصل في الأشياء. والأفعال أساليب تخضع لقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقوله: "وإن لم ينص على اشتراطه فهو إما عقلي أو عادي فلا يلزم أن يكون شرعياً" فهذا راجع إلى أن الحكم المبني على المصلحة قد يكون دليله (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) وهذه قاعدة لازمة في الشرعيات وفي غير الشرعيات. والمصلحة المرسلة عند الشاطبي لا يعني أنها مرسلة بإطلاق، بل هو يعني أنها وسائل أو أساليب مرسلة من الدليل المعين أو الدليل الخاص الذي يدل مباشرة على هذه الجزئية، ولكنها ليست مرسلة من دليل عام أو دليل كلي تندرج تحته، قال في الموافقات(275): "كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائماً لتصرفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به. لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها كما تقدم، لأن ذلك كالمتعذر، ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل...". ومما يؤكد هذا المعنى للمصالح المرسلة عند الشاطبي قوله(276): "فإنا لو فرضنا حفظ القرآن والعلم مطرداً بغير كتب لصح ذلك، وكذلك سائر المصالح الضرورية يصح لنا حفظها". فإن كتابة المصحف وكتابة العلم من أحاديث وفقه وغير ذلك، هي من الأساليب اللازمة لحفظ القرآن وحفظ العلم، فلو افترضنا أن حفظ القرآن وحفظ العلم ممكن بأسلوب آخر غير الكتابة لكان ذلك مقبولاً شرعاً. فكأن الشاطبي يقول: حفظ القرآن وحفظ العلم هو الفرض، ولا بد من اتخاذ الأسلوب اللازم لذلك، وإن لم ينص عليه دليل خاص، وعدم وجود نص خاص يجعل ذلك الأسلوب مصلحة مرسلة، وإن لم يوجد إلا أسلوب واحد، فذلك الأسلوب فرض من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، وإن وجد أكثر من أسلوب فأي واحد منها اتخذ صح. __________ (275) الموافقات، ج1، ص 15. (276) الاعتصام، ص 78. [صفحة 105] وزيادة في التأكيد والتوضيح، انظر قوله في نفس النص(277): "كما أنا لو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم النص بها لصح ذلك وكذلك سائر المصالح الضرورية". فهو يرى أن فرضية وجود الخليفة دل عليها النص، ودلت عليها قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما القاعدة فلأنه لا يمكن تطبيق الإسلام بدون خليفة ولما كان تطبيق الإسلام فرضاً، كان وجود الخليفة فرضاً، فرأي الشاطبي أنه لولا وجود النص على فرضية الخلافة، لكان الفرض هو تطبيق الإسلام وتطبيق أي أمر لازم له، فلو كان تطبيق الإسلام ممكناً بغير وجود الخليفة، أي بأسلوب آخر، لكان المطلوب شرعاً بحسب قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به...) هو أحد الأمرين: إما وجود الخليفة أو ذلك الأسلوب، وحينئذٍ يكون نصب الخليفة أو ذلك الأسلوب مصلحة مرسلة. وهذا فيما لو لم يكن هناك نص على الإمامة. والشاطبي لا يرى أن المصلحة هي ما يقرره العقل، وإنما المصلحة هي الفعل الذي أمر به الشارع. فإذا علمنا الفعل مأموراً به من قبل الشارع علمنا حينئذٍ أنه مصلحة، وكذلك علمنا أن ما يؤدي إليه فهو مصلحة، وكذلك يقال عن المفسدة، فالمصلحة هو ما جعاه الشرع مصلحة، وليس ما يميل إليه العقل، أو الهوى أو النفس. يقول: "المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقوم الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية" ويستدل على ذلك بأمور أذكر واحداً منها. فيقول: "إن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عباداً لله. وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقال ربنا سبحانه: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن)(278). __________ (277) الاعتصام، ج2، ص78. (278) راجع روح المعاني للألوسي وانظر بقية الآية. [صفحة 106] فمن هذا نعرف ما يقصده الشاطبي بالمصلحة، وهذا هو المعنى الذي أراده الأئمة والعلماء من السلف الذين تحدثوا عن جلب المصالح ودرء المفاسد ووضعوا القواعد الفقهية في ذلك، وليس على غرار ما يقوله بعض المعاصرين تسويغاً للفتاوي المعاصرة وتحليلاً لبعض ما حرم الله، متخذين المصالح كما يرونها بعقولهم مصدراً للتشريع. وقد بسط الشاطبي وناقش في كتابه الاعتصام عشرة أمثلة على المصالح المرسلة تؤكد لنا دراستها هذا المعنى المذكور للمصالح المرسلة عنده. وهذه هي الأمثلة: جمع المصحف ونسخه. قال فيه(279): "فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة والأمر بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن وقد علم النهي عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد". اتفاق الصحابة على حد شارب الخمر ثمانين جلدة. وهذا عنده مقطوع به من إجماع الصحابة، ووجه الإرسال فيه عنده أنه ليس فيه نص مخصوص بعدد معين، ولكن الصحابة قد أجمعوا على الأصلح في أمر مباح مستأنسين بأن الشرع يقيم الأسباب في بعض المواضع مقام المسببات(280). تضمين الصناع. وبصرف النظر عن كون تضمين الصناع جائزاً أو محرماً، فإن قول الشاطبي بالتضمين راجع إلى قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فبهذه الأمثلة تظهر تطبيقاته للمصالح المرسلة، وهي بهذا المعنى لا شيء فيها، ولا تُعَدُّ مصدراً للتشريع. وكذلك يتضح مذهبه فيها من بقية أمثلته، وهي: ضرب المتهم. فرض الضرائب. العقوبة بأخذ المال على بعض الجنايات. __________ (279) الاعتصام، ج2، ص (280) المصدر نفسه، ج2، ص [صفحة 107] الزيادة على حد الضرورة من الحرام إذا طَبَقَ الحرام الأرض. قتل الجماعة بالواحد. إقامة الإمام الأمثل ممن ليس بمجتهد إذا خلا الزمان عن مجتهد. بيعة المفضول مع وجود الأفضل. وفي هذا الذي أوردناه عن الشاطبي رحمه الله كفاية لبيان أنه لم يجعل المصلحة باباً من أبواب التشريع. [صفحة 108] رأي الإمام القرافي أما ما ذهب إليه القرافي فإنه يدل على أنه لم يقصد بالمصالح المرسلة شيئاً بعيداً عما أراده الشاطبي، وأنه لم يقصد جعل المصالح المرسلة مصدر تشريع. والذين ردوا المصالح المرسلة ردوها كأصل من الأصول أو كحكم شرعي ليس له دليل إطلاقاً، أي لا جزئي ولا كلي، كما يفهم من كلمة مرسلة. ولاختلاف معنى المصالح المرسلة عند رادّيها عن معناها عند الآخذين بها، وجب التحقيق في هذا الأمر. والقرافي يستغرب أن ينسب القول بالمناسب المرسل إلى مالك والمالكية، وأن يرده من سواهم، بينما -في الواقع- الجميع يقولون به -حسب رأيه-. يقول(281): "والذي جُهِل أمره هو المصلحة المرسلة، التي نحن نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في المذاهب". وقال(282): "وهي عند مالك حجة". وقال(283): "وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعبتار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب". وضرب أمثلة على المصالح المرسلة من أعمال الصحابة، مستغرباً أن يُنْكَر على المالكية القول بها، بل قال إن الذين أنكروها عليهم أخذوا بها. وهذا يدل على اختلاف المعنى الذي يقصده عن المعنى الذي أنكروه. قال(284): "وقد تقدم أن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك. ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أموراً لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهدٍ بالاعبتار نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد __________ (281) شرح تنقيح الفصول، ص 394. (282) المصدر نفسه، ص 446. (283) المصدر نفسه، ص 394. (284) المصدر نفسه، ص 446- 447. [صفحة 109] من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى وتدوين الدواوين وعمل السكة للمسلمين واتخاذ السجن فعل ذلك عمر رضي الله عنه، وهدّ الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه فعله عثمان رضي الله عنه وتجديد الأذان في الجمعة بالسوق وهو الأذان الأول فعله عثمان رضي الله عنه ثم نقله عثمان إلى المسجد، وذلك كثير جداً لمطلق المصلحة، وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى بالغياثي أموراً وجوزها وأفتى بها والمالكية بعيدون عنها وجسر عليها وقالها للمصلحة المطلقة وكذلك الغزالي في شفاء الغليل مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة". ونعلم أن الذين ردوا المصالح المرسلة، ردوها بحجة أن ليس لها دليل خاص أو عام ولا جزئي ولا كلي. وقول القرافي إنهم عملوا بها مع الأمثلة التي أوردها يبين أنه يقصد بالمرسلة أنها مرسلة من الدليل الخاص على ذلك الفعل بعينه وليس من الدليل العام أو الكلي. وعلى وجه الدقة هي عنده المسألة التي يفهم العقل أنها خاضعة لدليل عام أو كلي، فتندرج تحت ذلك الدليل دون أن يوجد دليل خاص عليها بعينها. والشاهد بالاعبتار الذي يتحدث عنه القرافي هو ما يشهد للعقل بصحة فهمه أو حكمه باندراج تلك المسألة تحت ذلك الدليل. وبهذا المعنى يصح كلامه بوجودها في جميع المذاهب، بل هذا محتم. ولو احتاج كل حكم للعقل إلى شاهد لما ثبت حكم في الدنيا، ولما وُجِدَ اليقين في أصل الدين. وعلى هذا فليس ثمة مدخل لأحد لينسب إلى هذين الإمامين قولهما بالمصلحة كمصدر تشريع، أو أن كون الفعل فيه مصلحة يدل على جوازه، وزيادة التتبع لأقوال القرافي أو لأقوالهما، تؤكد هذا المعنى فلا داعي للإطالة. [صفحة 110] رأي ثُلّة من العلماء المعاصرين ذهب جمع غفير من علمائنا المعاصرين إلى أن المصلحة المرسلة اسم أطلقه أحياناً علماء أصول الشريعة على الوسائل والأساليب التي تنفذ بها الأحكام التشريعية، وهذا مما يعزز الفهم الذي أوردناه للأئمة حول المصالح المرسلة. وقد ظهر هذا الرأي جلياً في المذكرة التي قدمها حشد من علماء المملكة السعودية إلى الملك فهد تحت اسم مذكرة النصيحة، وقد نشرت المذكرة سنة 1993، وسأذكر هنا بعض المقاطع مما أوردته المجلة ومما ورد في المذكرة بياناً للعلماء أصحاب الرأي ولمضمون الرأي. قالت المجلة: "... المواد أو الأحكام الإجرائية، وهذه هي المواد التي تنص على أحكام تتعلق بوسائل مادية وأساليب تنفذ بها الأحكام التشريعية، وهو ما أطلق عليه علماء أصول الشريعة أحياناً اسم المصلحة المرسلة" ثم ضرب العلماء أمثلة على المصلحة المرسلة. فقالت المذكرة: "فعلى سبيل المثال: إن جمع الزكاة على أموال مخصوصة، وتحديد من تجب عليه، وتوزيعها على أصناف مخصوصة من الناس كل ذلك يعدّ أحكاماً تشريعية حيث إن الحكم بوجوب جمع الزكاة من قبل الدولة، وعدم دفعها لغير أهلها، وشروط الزكاة من حول ونصاب وسببها، وما يمنع إخراجها من دين ونحو ذلك، كل هذا يعد أحكاماً تشريعية لأفعال المكلفين بالتكليف أو الوضع. أما الوسائل المستخدمة للقيام بهذا الحكم التشريعي من وسائل النقل، والسجلات الخطية أو المغناطيسية، وكيفية اتصال الجباة بالناس إما بالذهاب إليهم أو دعوة الناس إلى تسديد زكاتهم بدائرة الزكاة بالكتابة إليهم بالبريد المسجل، والفترة التي يجري بها ذلك من أول الحول أو وسطه أو آخره فإن كل هذه الأمور تعد أحكاماً إجرائية تتعلق بأسلوب ووسيلة تنفيذ هذا الحكم التشريعي. وكمثال __________ [صفحة 111] آخر إن اشتراك الناس في الطرق والمنافع العامة وإباحة حق الانتفاع لهم بالسير فيها، ومنع اختصاص أحد دون أحد في ذلك، يعد أحكاماً تشريعية، أما تنظيم تنفيذ هذه الأحكام بوسائل وأساليب متنوعة كالأرصفة، وعلامات المرور ولوحاته، والخطوات الإجرائية اللازمة للتثبت من أهلية قيادة المركبات عليها، كل ذلك يعد أحكاماً إجرائية". وعليه فيفهم من المذكرة أن المصالح المرسلة ليست مصدراً تشريعياً عند العلماء الذين قالوا بها، وإنما هي الوسائل والأساليب اللازمة لتنفيذ الأحكام الشرعية. قالت المذكرة أيضاً(286): "الأحكام التشريعية يجب استنباطها من أدلة الشرع ويحرم أخذها من غيره". وقالت أيضاً(287): "دل الكتاب على أن الوسائل المادية في الكون مباح الانتفاع بها لتسخيرها من الله تعالى لخلقه وامتنانه عليهم بها قال تعالى: (هو الذي خلق ما في الأرض جميعاً). كما دلت السنة وفعل الخلفاء الراشدين على أن الأحكام الإجرائية والأحكام الدنيوية المحضة جائزة على وجه العموم إذا لم يرد دليل خاص بتحريم فرد منها وذلك نحو ما ثبت في حديث تأبير النخل في قوله عليه السلام: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" ونحو حفر الخندق اقتباساً من الفرس كسياسة دفاعية وتعلم بعض الصحابة صناعة الدبابات واستخدام المنجنيق)، واستخدام عمر رضي الله عنه الديوان اقتباساً من غير المسلمين لتنظيم أمور العطايا إجرائياً إلى غير ذلك من أمثلة، ولهذا متى ثبت كون الحكم إجرائياً فإن أي وسيلة أو أسلوب ينفذ به الحكم التشريعي المستنبط من أدلة الشرع يجوز اقتباسها بحسب تحقيقها للمقاصد على أحسن وجه، مع الحرص على تبسيط الإجراءات وتيسيرها والرفق بالناس عند سنها إذا تعلقت بالدولة. وهذه الوسائل والإجراءات هي ما أطلق عليه علماء أصول الشريعة أحياناً اسم المصلحة المرسلة باعتبار أنه لم يدل دليل خاص لها، وإنما تندرج تحت الحكم التشريعي العام والذي تعد وسيلة وأسلوباً لتنفيذه". __________ (286) المصدر نفسه، ص 29. (287) المصدر نفسه، ص 29. [صفحة 112] رأي الإمام عز الدين بن عبد السلام يرد الإمام عز الدين بن عبد السلام التشريع بناء على المصالح المرسلة. والمصالح المرسلة عنده هي الأحكام الشرعية. يقول(288): "معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل"، ثم يقول(289): "ولا نسبة بمصالح الدنيا ومفاسدها إلى مصالح الآخرة ومفاسدها، ثم يقول(290): "أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع". ولذلك فالخلاصة عنده أن المصالح والمفاسد لا تعرف إلا بالشرع، لأن مصالح الدنيا ومفاسدها، أي المصالح بحسب الهوى أو تقرير العقل ليست بشيء بالنسبة إلى مصالح الآخرة ومفاسدها. ومصالح الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالنقل. وعليه فالمصلحة هي ما طلبه الشرع والمفسدة هي ما نهى عنه الشرع. وهذا غاية القول في عدم عدّ المصلحة مصدراً أو أصلاً للتشريع. وهذا ما يوضح أن استعمال كلمة المصلحة عنده ليس للدلالة على المصلحة بالرأي أو الهوى أو العقل، وإنما المصلحة عنده هي الحكم الشرعي وما يقتضيه الحكم الشرعي. بل إذا ترك الأمر للعقل فقد يقرر مصالح أو مفاسد بينما هي في الشرع عكس ذلك، والاعتبار للشرع فقط. ولذلك لا تجد عنده أي أهمية لتسمية الشيء مفسدة أو مصلحة، بل إن بعض ما طلبه الشرع يسميه مفسدة، وبعض ما نهى عنها الشرع يسميه مصلحة فيقول مثلاً(291): "وربما كان أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتأكلة حفظاً للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد بل لكونها المقصودة من شرعها كقطع يد السارق وقطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وتغريبهم، وكذلك التعزيرات. كل هذه __________ (288) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص 13. (289) المصدر نفسه، ص 14. (290) المصدر نفسه، ص 13. (291) المصدر نفسه، ص 14. [صفحة 113] مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب". ويقول(292): "وربما كانت أسباب المفاسد مصالح نهى الشرع عنها، لا لكونها مصالح، بل لأنها تؤدي إلى مفاسد، وذلك كالسعي في تحصيل اللذات المحرمات والشبهات والمكروهات والترفهات بترك مشاق الواجبات والمندوبات، فإنها مصالح نُهِيَ عنها لا لكونها مصالح، بل لأنها تؤدي إلى المفاسد الحقيقية، وتسميتها مفاسد من مجاز تسمية السبب باسم المسبب". فالمصالح عنده هي ما طلبه الشرع أو ما يقتضيه ما طلبه الشرع. والمفاسد هي ما نهى عنه الشرع أو ما يقتضيه ذلك النهي، فإذا لم تكن المصلحة قد قررها الشرع فهو يردها. ولذلك فهو الاستحسان ويرد المصالح المرسلة. يقول(293): "وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضير إلا هو سالبه، وليس بعض العباد بأن يكون مطاعاً بأولى من بعض، إذ ليس لأحد منهم إنعام بشيء مما ذكرته في حق الإله، وكذلك لا حكم إلا له، فأحكامه مستفادة من الكتاب والسنة والإجماع والأقيسة الصحيحة والاستدلالات المعتبرة، فليس لأحد أن يستحسن ولا أن يستعمل مصلحة مرسلة، ولا أن يقلد أحداً لم يؤمر بتقليده كالمجتهد في تقليد المجتهد أو في تقليد الصحابة. وفي هذه المسائل اختلاف بين العلماء، ويرد على من خالف قوله عز وجل: (إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه)(294)". وفي هذه الأقوال التي أوردناها عن الإمام عز الدين بن عبد السلام ما يكفي لدفع كل تزوير لأقواله. __________ (292) المصدر نفسه، ص 14. (293) المصدر نفسه، ص 304. (294) يوسف/ 40. [صفحة 114] رأي الإمام الغزالي يذهب الإمام الغزالي في فهمه للمصلحة نفس مذهب الإمام عز الدين بن عبد السلام. ولا يرى المصلحة ما كان مصلحة بتقرير العقل أو الإنسان، فيقول: "أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم"(295). وهو يرد الاستصلاح كأصل فيورده تحت عنوان: "بيان أن ثَمّ ما يُظنّ أنه من أصول الأدلة وليس منها وهو أيضاً أربعة: شرع من قبلنا، وقول الصحابي والاستحسان، والاستصلاح"(296). ويقول في ختام كلامه عن الاستصلاح(297): "الاستصلاح ليس أصلاً خامساً برأسه بل من استصلح فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع". فهذه الأقوال من الإمام الغزالي واضحة وصريحة في عدم عدّ الاستصلاح مصدراً للتشريع. إلا أن البعض كما سبق وأوردنا في بحثنا يحاول القول إن المصلحة كمصدر معتبرة عند الأئمة والعلماء والفقهاء، ويستدلون لكلامهم بما لا يوضح حقيقة الأمر، فيقع القارئ والمهتم بهذا الشأن في اضطراب نتيجة تضارب الأقوال. والواضح من أقوال الغزالي كما وردت في المستصفى أن معنى المصلحة المرسلة عنده مغاير لمعنى الاستصلاح. فالاستصلاح هو التشريع بناء على المصلحة كما يراها أو يقررها العقل، وهذا __________ (295) المستصفى، ج1، ص 286. (296) نفسه، ص 245. (297) نفسه، ج1، ص 315. [صفحة 115] هوى. ولذلك ردها وعدّها كالاستحسان في الحكم، كما بينا من نصوصه فيما سبق. أما المصلحة المرسلة عنده فليست كذلك، وإنما هي التي دل الشرع على أنها مقصودة بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع. يقول: "وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجاً من هذه الأصول لكنه لا يسمى قياساً بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة"(298). ولذلك فهو يتفق هنا مع القرافي والشاطبي من حيث إن المصلحة المرسلة ليست هي المرسلة من الدليل بمعنى الخلية عن الدليل مطلقاً، بل لها دليل أو أدلة كثيرة لا حصر لها. والكلام ليس على لفظ المصلحة المرسلة، بل على المعنى المقصود بها، فإذا كان المعنى المقصود أنها مرسلة من الدليل بإطلاق، فلم يقل بها أحد. وإن كان المقصود أنها لها أدلة خارجة عن الحصر ولكن ليس لها دليل معين خاص بها، فلا خلاف في اعتبارها. يقول الغزال: "وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة"(299). وعليه فإن الغزالي يميز بين الاستصلاح والمصلحة المرسلة،فيرد الاستصلاح قولاً واحداً لأنه هوى وليس من الوحي، ويقبل المصلحة المرسلة إذا كانت مقصودة للشرع، عرف كونها مقصودة بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع. فإذا قلنا إن المصلحة المرسلة هي ما كان مصلحة بنظر العقل، ولم يرد دليل بالاعتبار لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع فهي مردودة عنده. فهذا واضح من تتبع أقواله، وليس البحث في الكلمة إذ لا مشاحة في الاصطلاح وإنما البحث في معنى الاصطلاح. __________ (298) المستصفى، ج1، ص 311. (299) المصدر نفسه، ص 311. [صفحة 116] وربما استشكل الأمر على البعض من خلال الأمثلة التي يأتي بها الغزالي عند حديثه عن الاستصلاح. فنورد بعضها لتوضيح ذلك. يقول(300): "إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضاً فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأننا نعلم قطعاً أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان التفاتاً إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق قطعية كلية، وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم إذ لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة. فبنا غنية عن القلعة فنعدل عنها إذ لم نقطع بظفرنا بها لأنها ليست قطعية بل ظنية، وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحداً منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين..". فالمثل الأول هو قتل جماعة من المسلمين لأجل حفظ كل المسلمين. فإن حفظ المسلمين من الإبادة وحسم القتل فيهم أو تقليله مقصود للشرع بأدلة كثيرة. ولكن قتل جماعة من المسلمين ليس فيه نص خاص. بل لو كان الموضوع مجرد قتل لجماعة من المسلمين أو لمسلم واحد بغير حق لكان ذلك منهياً عنه. فهذا أمر ليس فيه نص ولكن فيه مصلحة، وهي مصلحة باعتبار الشرع دلت عليها نصوص كثيرة. فهل تقتل جماعة من المسلمين -وهو أمر ليس فيه نص- لأجل تلك __________ (300) المصدر نفسه، ص294. [صفحة 117] المصلحة، يشترط هنا الغزالي أن تكون المصلحة ضرورية، أي لا يكفي أن تكون حاجية أو تحسينية، وأن تكون كلية أي لحفظ الكل ولو على حساب الجزء أو البعض، كما يتضح من المثل الذي أتى به في حالة المسلمين في السفينة. ويشترط أن تكون قطعية لا ظنية كما في حالة التترس بمسلم في قلعة. وهذه الأمثلة قال الغزالي فيها وفي مثلها: "وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافاً فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى"(301) وهذه الأمثلة التي أوردناها عنه هي من قبيل تعارض المصالح والمقاصد. فالشرع دلت نصوصه على طلب حفظ الكل وحفظ البعض أو الجزء. ولكن وجد التعارض بحيث لا يمكن إلا إهدار أحدهما إما الكل وإما الجزء. فما هو الذي يتم إهداره؟ هنا أيضاً يرفض الغزالي أن يكون تحديد أيهما الذي يهدر راجعاً إلى العقل، بل لا بد أن الشرع هو الذي بين أي المصلحتين أو المقصودين هو الأولى والأرجح. وقد أورد نقاشاً في ذلك قال(302): "في مسألة الترس مخالفة مقصود الشرع حرام، وفي الكف عن قتال الكفار مخالفة لمقصود الشرع، فإن قيل لا ننكر أن مخالفة مقصود الشرع حرام ولكن لا نسلم أن هذه مخالفة، قلنا: قهر الكفار واستعلاء الإسلام مقصود وفي هذا استئصال الإسلام واستعلاء الكفر، فإن قيل فالكف عن المسلم الذي لم يذنب مقصود وفي هذا مخالفة المقصود، قلنا: هذا مقصود وقد اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين ولا بد من الترجيح والجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي، وهذا جزئي بالإضافة فلا يعارض بالكلي، فإن قيل مسلم أن هذا جزئي ولكن يسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي فاحتقار الشرع له يعرف بنص أو قياس على منصوص. قلنا: قد عرفنا ذلك لا بنص واحد معين بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم يبق معها شك في أن حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار وسيعود الكفار عليه بالقتل فهذا مما لا يشك فيه كما __________ (301) المستصفى، ص 311. (302) نفسه، ص 312. [صفحة 118] أبحنا أكل مال الغير بالإكراه لعلمنا أن المال حقير في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدم وعرف ذلك بأدلة كثيرة". ويؤكد الإمام الغزالي رحمه الله أن الترجيح بين المصلحتين أو المقصودين أو الضررين راجع إلى الشرع وحده وليس إلى أحد من البشر فيقول(303): "فإن قيل فهلا فهمتم أن حفظ الكثير أهم من حفظ القليل في مسألة السفينة وفي الإكراه وفي المخمصة. قلنا: لم نفهم ذلك إذ أجمعت الأمة على أنه لو أكره شخصان على قتل شخص لا يحل لهما قتله، وأنه لا يحل لمسلمين أكل مسلم في المخمصة، فمنع الإجماع من ترجيح الكثرة. أما ترجيح الكلي فمعلوم إما على القطع وإما بظن قريب من القطع يجب اتباع مثله في الشرع ولم يرد نص على خلافه. بخلاف الكثرة إذ الإجماع في الإكراه وفي المخمصة منع منه، فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح، وتبين أن الاستصلاح ليس أصلاً خامساً برأسه بل من استصلح فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع". ومما قاله الغزالي أيضاً رداً على الذين يتوهمون قوله بالمصلحة(304): "فإن قيل فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح ثم أوردتم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة، فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلاً خامساً بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل(305)، قلنا: هذا من الأصول الموهومة إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطّرحة ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع". __________ (303) المصدر نفسه، ص 314. (304) المستصفى ج1، ص 310. (305) أي القياس. [صفحة 119] ردّ شبهتين الشبهة الأولى: إن هناك مصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح لم يشهد لها الشرع باعتبار ولا إلغاء. ولنفترض هنا أن درء المفسدة داخل في معنى المصلحة. ومفاد القول أعلاه أن الشريعة إنما وضعت لجلب المصالح، أو أن المصالح هي البواعث على التشريع، وهي علل الأحكام. ولما كانت المصالح إنما هي شيء يقدره العقل، أي يقيسه بمقاييس البشر الخاضعة للخطأ والصواب ولكل ما فطره الله في الإنسان من خصائص، فإنه وُجِدَ عندما تُتُبِّعَت الأحكام أنها لم تأتِ كلها وَفْقَ المصالح المقدّرة. وكان هذا وحده كافياً لنقض هذا القول من أساسه عند من قالوا بالمصالح عللاً للشريعة. إلا أنهم بدلاً من ذلك قالوا عن المصالح العقلية التي وجدوها مخالفة لنص الشرع أنها مصالح ملغاة، وعما وجدوه بعقولهم متفقاً مع نصوص الشريعة إنه مصلحة معتبرة. ومن طبيعة هذا المنهج -أي القول بالمصالح عللاً، والقول بالمصالح المعتبرة والمصالح الملغاة- أن يفضي عند البحث التشريعي إلى أن تتقرر المصلحة من الفعل، ثم يُبْحَثُ لها عن دليل يخدمها، فإن وُقِفَ على معنًى أو وصف مناسب في نص ما للمصلحة المقررة، حُكِمَ على الفعل بالجواز، وعلى المصلحة بأنها معتبرة. وإذا وُجِدَ نص يحرم الفعل المؤدي إلى تلك المصلحة، حُكِمَ على الفعل بالحرمة أو على المصلحة بأنها غير معتبرة. ولما كانت الأحكام الشرعية منزلة على أفعال العباد وليس على ما يسمونه مصلحة، فإنهم لم يجدوا لكثير من المصالح التي قرروها نصاً يدل عليها أو يقصد إليها. وكذلك لم يجدوا نصاً يمنعها. فقالوا إن الشرع لم يشهد لها باعتبار ولا إلغاء. وقال البعض لا حكم لها في الشريعة. ومثال ذلك أنهم لم يجدوا نصاً يدل على المصلحة الناتجة عن جمع القرآن، ولا نصاً يدل على المصلحة المتوخاة من إنشاء الدواوين، ولا نصاً يلغي [صفحة 120] أياً منهما، فظنوا أن الفعلين لا يوجد عليهما دليل في الشرع. وبما أنه لا بد من دليل حتى يكون الفعل شرعياً، أنشأوا دليلاً سَمَّوْه: المصلحة التي ليس لها دليل، وهي المصلحة المرسلة. نعم، ربما يعدم الدليل الذي يدل على المصلحة في فعل أو في كثير من الأفعال وذلك لأن الأدلة ليست موجهة إلى المصالح. ولكن توجد أدلة تبين أحكام هذه الأفعال. ولذلك فالخطأ في الأساس. وهو -أي الخطأ- جعلُ المصالح بواعثَ الأحكام وعللَها. وهذا القول منقوض بقول مصالح ملغاة، ثم بعد ذلك فاقدٌ لمعناه بقول مصالح لا معتبرة ولا ملغاة. ومقتضاه أن الشريعة ناقصة وهذا يناقض قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم). ثم إذا كانت الأحكام تدل على المصالح، فماذا يقال عن المصالح الملغاة، أليس الصواب أن يقال إنها مفاسد، على قاعدة أن الأصل في التشريع مصالحُ العباد، فإذا الشرع ألغاها فلا بد أن تكون مفسدة. والنتيجة أن هذه المصالح مفاسد، أي أن هذه المصالح بتقدير العقل مفاسد بحكم الشرع. وإذا كان الأمر هكذا فليس ما يمنع أن يقال عما قالوا عنه إنه مصالح ليس لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء إنها مفاسد ليس لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء. ولذلك فإن هذا القول بمصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح لا معتبرة ولا ملغاة، لا فائدة منه ولا يصلح ليبنى عليه أي معنى طالما أن الشرع لم يدل على مصالح، وطالما أن هذه المصالح قد تكون مفاسد. الشبهة الثانية: تقييد المصلحة بأن لا تكون مخالفة لنص أو إجماع أو قياس إنه نتيجة رد المصالح المرسلة، وعدم اعتبارها عند أكثر الأئمة والأصوليين، يعمد القائلون بها إلى وضع قيود أو ضوابط لها، منها أنها يجب أن تكون موافقة لمقصود الشارع، ويجب أن لا تخالف القرآن، ولا السنة، ولا الإجماع، ولا القياس، وذلك ليقولوا إنها ليست مصالح مطلقة، توهماً أنها هكذا تصبح شرعية. [صفحة 121] أما القول إنها يجب أن تكون موافقة لمقصود الشارع، فقد بيّنا فيما سبق أن مقصود الشارع الذي هو المصلحة عندهم، ليس هو كذلك بدلالة النصوص، وهو ليس الحكم، وإنما هو نتيجة لتطبيق الحكم قد تحصل وقد تتخلف. أما إذا كان المقصود هو ما دل عليه الشرع وليس العقل، فلا ضير حينئذ من تسميته مصلحة أو منفعة أو أمراً حسناً أو غير ذلك. وهذا ليس مصلحة مرسلة وإنما هو مقصود للحكم دل عليه الشرع. وهو قد يُعَدّ علة بحسب اختلاف الأئمة والأصوليين في مسالك العلة. وقولهم إنها -المصلحة- يجب أن لا تخالف نصاً أو إجماعاً أو لا تخالف القرآن ولا السنة ولا الإجماع ولا القياس كما فصل البوطي في كتابه(306)، لا يجعلها شرعية. لأن الفعل الذي يقره الإسلام هو ليس الذي لا يخالف أياً من هذه المصادر الأربعة، وإنما هو الذي يكون منبثقاً عنها أو عن بعضها. فالحكم هو خطاب الشارع، فلا بد أن يأتي في خطاب حتى يكون شرعياً، وليس هو الذي لم يأتِ خطاب الشارع بمنعه أو ذمه. ثم إن الأحكام الشرعية خمسة: الفرض وهو الذي طلب الشارع فعله طلباً جازماً، والمندوب وهو الذي طلب الشارع فعله طلباً غير جازم، والمباح وهو الذي خير الشارع فيه بين الفعل والترك. والمكروه وهو الذي طلب الشارع تركه طلباً غير جازم، والحرام وهو الذي الشارع تركه طلباً جازماً. فأين يقع الفعل الذي لا يخالف القرآن، ولا السنة، ولا الإجماع، ولا القياس؟ رب قائل يقول: إذا علمنا أنه ليس مخالفاً علمنا أنه جائز، فقد يكون فرضاً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً، فهو ليس حراماً وليس مما أمر الشارع بتركه. أقول: إن الشريعة تحيط بكل وقائع الحياة في كل زمان ومكان، وتعطي حكماً لكل فعل من أفعال العباد، ولا يملك إنسان أن يحيط بكل ما تدل عليه الشريعة، أي لا يملك الإنسان -مهما أوتي من العلم- أن يعرف كل ما أبيح أو كل ما حُرِّم من أفعال، وعليه فإن قال قائل عن فعل ما: لا أجد نصاً يدل على تحريمه فهذا ليس علماً بالجواز، بل هو جهل بالحكم، إذ ربما كان __________ (306) ضوابط المصلحة. [صفحة 122] الدليل الدال على الحرمة موجوداً ولكنه هو عجز عن استنباطه، ولا يمكن أن يُحْكَمَ على فعل أنه ليس حراماً إلا إذا عُلِمَ -بالدليل- أنه فرض أو مندوب أو مباح أو مكروه. والفعل الذي لا يوجد ما يدل على جوازه، ولكن يستدل على جوازه بعدم وجود ما يحرمه، ما الذي يمنع من القول: لم نجد ما يدل على جوازه ولذلك فهو حرام. مع ملاحظة أن عدم الوجود هو بالنسبة إلى الباحث وليس بالنسبة إلى الشريعة، فالشريعة فيها حكم لكل فعل. فإن قيل: إن قولك معارَض بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها. وعفا عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها"(307)، وكذلك ما رواه ابن ماجة والترمذي عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم". فهذه النصوص تدل على أنه قد عفي لنا عما لا نجد عليه دليلاً، وبالتالي فلا ذم ولا عقوبة، وأن هناك أشياء قد سكت الشارع عن بيانها، وبناء عليه يصح الاستدلال بعدم المخالفة للقرآن، والسنة، والإجماع، والقياس على الأمور الواقعة في منطقة العفو، وهي الوقائع التي لا حكم لها. أقول: إن هذه النصوص يجب أن لا تفهم بشكل يتعارض مع غيرها من النصوص، والقول إن ثمة أموراً أو وقائع لا حكم لها يخالف النص القطعي: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)(308)، ويعني أن الشرعية ناقصة، ويخالف النص القطعي: (اليوم أكملت لكم دينكم)(309). وهذه نصوص قطعية، وتلك أخبار آحاد، وعند التعارض يرجح القطعي. فلزم أن تُفهم مدلولات الحديثين وما كان مثلهما على غير هذا الوجه. ولذلك فالشريعة حاوية لأحكام كل الوقائع، والسكوت ليس بمعنى عدم وجود حكم، أو عدم وجود بيان. وإنما هو سكوت عن التحريم تخصيصاً لما قد أبيح بدليل الإباحة العام. وسكوت عن زيادة التفصيل والبيان لما سبق بيانه. وهاك الأمثلة للتوضيح: __________ (307) ذكره الشاطبي بهذا النص في الموافقات، ج1، ص101. (308) النحل، 89. (309) المائدة، 3. [صفحة 123] بالنسبة للسكوت عن التحريم تخصيصاً لدليل الإباحة العام، فقد دلت النصوص على أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، والمقصود بالأشياء هنا الأعيان، فعدم وجود نص يدل على حكم شيء معين، ليس معناه سكوت الشارع عنه، وإنما يعني سكوته عن تحريمه، ويكون حكمه مبيناً بالقاعدة الشرعية الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم. ومن هذا القبيل كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فَحُرِّمَ من أجل مسألته"(310). فقوله لم يحرم أي إنه مندرج تحت أفراد المباح بالقاعدة العامة. وقوله "فحرم" أي نزل نص خاص به يخصص القاعدة العامة. بالنسبة للسكوت عن زيادة التفصيل والبيان فيما سبق بيانه. وهو كأن يأتي النص مبيناً لحكم فعل معين، كقوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة)(311)، فإطلاق الرقبة هو عدم بيان لها هل هي رقبة مؤمنة أو كافرة، رقبة أنثى أو ذكر، رقبة صبي أو بالغ، وهذا ليس سكوتاً عن بيان الحكم، وإنما هو سكوت عن تقييد الحكم أي سكوت عن زيادة البيان، وإذا لم يبين لنا الشارع هنا نوع الرقبة المطلوب إعتاقها، تكون أيُّ رقبة مجزئةً. ويكون عدم البيان هو العفو. ومثاله أيضاً ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)(312). فإنهم لو ذبحوها دون أي سؤال لأجزأ ذبحهم لأي بقرة. فإذا ذبحوا بقرة وكانت فارضاً ، أو بكراً، أو ليست صفراء، أو فيها شية، أي ليست منطبقة على الأوصاف التي طلبت منهم فيما بعد، فسيكون عملهم مجزئاً، وفعلهم مَعْفُوًّا عنه. فعدم البيان هنا ليس من قبيل وجود واقعة لا حكم لها، وإنما هو من قبيل عدم زيادة التفصيل والبيان لما سبق بيانه. __________ (310) رواه البخاري في كتاب الاعتصام. (311) المجادلة، 3. (312) البقرة ، 67. [صفحة 124] وعلى هذا الأساس يفهم موقف الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قرأ: (ولله على الناس حج البيت)(313) الآية. فقال رجل: يا رسول الله أكلَّ عام؟ فأعرض، ثم قال: يا رسول الله أكل عام؟ فأعرض، ثم قال: يا رسول الله أكل عام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو لم تقوموا بها لكفرتم، فذروني ما تركتكم"(314). فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على النهي عن هذا النوع من الأسئلة، الذي يكون سبباً في زيادة القيود أو زيادة التكاليف بزيادة البيان والتفصيل. فالأمر بالحج لم يبين كم مرة –في النص- والقيام به مرة واحدة تحصل به الطاعة، كما تحصل بالمرتين والثلاث، والسؤال إذا اقتضى جواباً فالجواب هو زيادة بيان وهو زيادة تكاليف تؤدي إلى ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم "لما قمتم بها" فيكون عدم تحديد كم مرة من قبيل العفو. فإذا نظرنا إلى العفو على هذا الأساس من الفهم، لا نجده منطقة تحتوي أفعالاً لا حكم لها. وإنما هو: أعيان لم يحرمها الشارع فظلت مباحة بدليل الأصل في الأشياء. أفعال بين أحكامها الشارع ولكنه لم يقيدها بزيادة تفصيل أو بيان ما يمكن أن يسأل عنه السائل، كالأمثلة التي ذكرناها، وكمثل قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم)(315) فقوله: (اقتلوهم) يحصل بالقتل سواء كان القتل بدس السم أو طعناً بالخنجر أو رمياً بالرمح، أو خنقاً بالحبل أو باليد، أو ذبحاً بالسكين أو بإطلاق رصاصة أو بتفجير قنبلة أو غير ذلك، فعدم البيان لكيفية القتل هو عدم زيادة البيان. وترك البيان هنا هو العفو. ولو سأل سائل هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنقتلهم بطريقة كذا أو بطريقة كذا، لكان سؤاله مستدعياً لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدث في حديث الحج. وفي مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذروني ما تركتكم". __________ (313) آل عمران/ 97. (314) سنن النسائي، كتاب مناسك الحج. (315) البقرة/ 191، النساء/ 91. [صفحة 125] والسكوت عن زيادة البيان ليس موجوداً في كل الأحكام، فإنا نلاحظ أن بعض الأحكام كالصلاة والحج ليس فيها مجال لزيادة البيان والله أعلم. فلو قال الشارع مثلاً "أقيموا الصلاة" من غير تفصيل لظل الأمر مجملاً ولأجزأت الصلاة كيفما كانت، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد زاد البيان وفصل الأمر بأحاديثه وبقوله "صلوا كما رأيتموني أصلي"(316). فليس فيها مجال لزيادة التفصيل والبيان، وأي تغيير فيها أو زيادة يُعَدّ بدعة ويخضع لقوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ". وعليه فلا تخلو واقعة من حكم، والحكم يدل الدليل على نوعه من ضمن الأنواع الخمسة، والقول بما لا يخالف ليس صواباً. ولا بد لي أن أشير إلى أني لا أتحدث عن حكم الفعل فيما إذا استفرغ المجتهد وسعه ولم يستطع الوصول إلى الظن بحكم له. ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أنه مهما كان الرأي الصواب في منطقة أو مرتبة العفو، فإن موضوعها هو أشياء وأفعال عفا الله عنها، وليس المصالح. والمصالح هي نتيجة الأفعال. لذلك فحكم ما يقع في منطقة العفو هو حكم لشيء أو فعل، وليس حكماً لغاية الفعل أو نتيجته، سواء سميت مصلحة أو غير ذلك. أي إنه إذا صح القول بإباحة أو رفع الحرج أو العقوبة عن أفعال لا تخالف القرآن، ولا السنة، ولا الإجماع، ولا القياس، فإن هذه الإباحة أو هذا الرفع للحرج يتعلق بالأفعال ذاتها وليس بمقاصدها أو نتائجها. وعليه فليست منطقة العفو مدخلاً للقول بالمصالح المرسلة. __________ (316) رواه البخاري في كتاب الصلاة. [صفحة 126] الخاتمة: القيام بالفعل بقصد المصلحة. الرأي الشرعي والرأي غير الشرعي. [صفحة 127] القيام بالفعل بقصد المصلحة إن ما سبق قوله من عدم جواز الاستدلال بالمصلحة للحكم على الفعل لا يعني عدم جواز السعي إلى المصلحة. فالأمر الطبيعي في الإنسان أن يندفع إلى ما يراه مصلحة، وأن ينفر مما يلحق به الضرر، ولكن الأعمال التي يقوم بها في الحالتين يجب أن تخضع للأحكام الشرعية. والأحكام الشرعية خمسة، فما يثبت فرضاً بالدليل يقام به بغض النظر عن نتيجته، وما يثبت أنه مندوب يظل مندوباً ولو رأينا أن في تركه مصلحة، وما يثبت أنه مكروه يظل كذلك ولو ظهر لنا أن في فعله مصلحة أو في تركه مفسدة، وما يثبت أنه حرام يترك، ولو رجح عقلاً أن في فعله مصلحة أو في تركه مفسدة. ولا تتغير هذه الأحكام أبداً، إلا إذا ورد دليل من الشرع على رفعها، كما في حالات معينة –دل عليها الشرع- كعدم قطع السارق في المجاعة، وأكل الميتة عند الاضطرار، والنطق بكلمة الكفر عند الإكراه الملجئ وما شاكل ذلك. أما المباح، وهو ما دل الشرع على إباحته، فالأمر الطبيعي في الإنسان أن يسلك فيه بحسب ما يجلب له مصالحه –كما يراها- أو يشبع شهواته، أو بحسب ما يدفع عنه المفاسد –كما يراها- أو ما يدفع عنه الآلام أو يخفف عنه التكاليف والقيود. فالعمل مباح في التجارة، ومباح في الزراعة، ومباح للإنسان أن يعمل أجيراً أو أن يكون رب عمل، فله أن يعمل بما يراه مصلحة له، كأن يكون مما يُحَصِّلُ له الربح أكثر مثلاً، أو مما يوفر له الراحة أكثر، أو مما يوافق ميله وذوقه. بشرط أن يؤدي حق الله في أي عمل يختاره. وللإنسان أن يتناول من المطعومات والملبوسات ما يحب بحسب مصلحته أو شهوته أو ذوقه أو ميله، بشرط أن يجتنب المحرم، كالخنزير أو الميتة أو ما يسكر في المطعومات، وما يكشف العورة أو الحرير للرجال في الملبوسات. [صفحة 128] وكذلك من أوكل إليه أمر رعاية شيء ما، فإنه يلتزم بأحكام الاقتضاء كما هي. أما المباح فإنه يختار فيه بحسب ما يراه الأصلح أو الأنسب أو الأصح، وذلك كالخليفة في رعاية شؤون الأمة وكالرجل في رعاية أسرته وكالمرأة في مال زوجها.. وفي كل هذا، الفعل مباح ودليله الشرع وليس المصلحة، وإنما المصلحة هي الغاية التي قصدها العبد من فعله. وهكذا فالمصلحة لا تحلل ولا تحرم. فأفعال الإنسان نوعان عبادات وعادات. أما العبادات فهي علاقة خالصة بين العبد وربه، يقصد الإنسان فيها التذلل للخالق والطاعة المطلقة له، والشيء الذي يجنيه العبد هنا هو رضى الله سبحانه. فليس هناك مصلحة أو مردود دنيوي. أما أفعال العادات، كالزواج والطلاق والبيع والشركة والوكالة، واقتناء الأثاث والبيوت المزخرفة، فكلها أفعال يقوم بها المسلم والكافر، وكل منهما يقصد منافع ومصالح معينة، فجاء الشرع ونظم عملية الانتفاع والحصول على المصلحة في هذه الأشياء والأفعال. فإذا كان للإنسان مصلحة وشهوة في الوطء فالشرع لم يمنعه من ذلك ولم يتركه حراً، وإنما وضع له قيوداً يجب الالتزام بها، وكذلك في البيع والشراء. فكون الشيء مصلحة لا يفيد في التحليل أو التحريم، لأن النص سمح لنا بقضاء مصالحنا ولكنه وضع لنا نظاماً لذلك. فالملك مصلحة يسعى إليها الإنسان بطبعه. والشرع لم يمنع الملك ولكنه حدد أسبابه. فلا يجوز الملك بالقمار أو الغش أو السرقة. ويمكن الملك بالصيد أو البيع أو الإجارة. فمن يملك بالبيع الحلال فقد قصد بالبيع مصلحة، ومن يملك بالربا فقد قصد بالربا مصلحة. والمصلحة في الحالتين هي الملك وهو جائز أصلاً. ولكن طريق البيع مباح وطريق الربا حرام. وكون المقصود مصلحة أو مباحاً لا يؤثر في الطريق إلى المقصود أي لا يدل على جواز الفعل الذي يراد القيام به للوصول إلى ذلك المقصود. قال تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تَنْسَ نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين)(317). __________ (317) القصص/ 77. [صفحة 129] الرأي الشرعي والرأي غير الشرعي ولا يعني قولنا إن المصالح المرسلة ليست دليلاً شرعياً أن نعدّ كل حكم دليله المصلحة المرسلة ليس إسلامياً، أو أن الآخذ به آثم. بل يظل الحكم شرعياً في حق من يتبناه إذا كان يرى أن المصالح المرسلة دليل شرعي أو إذا كان مقلداً لمن هو كذلك. فكون المصالح المرسلة دليلاً أو ليس بدليل أمر مختلف فيه بين الأئمة المجتهدين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر(318)". فالحكم المستنبط بدليل المصلحة المرسلة شرعي في حق من استنبطه –بناء على ما رجح لديه- وفي حق من قلده. ويظل الحكم محترماً عند من لا يأخذ بالمصالح المرسلة، وإن كان لا يجوز له الأخذ به لأنه ليس حكماً شرعياً حسب اجتهاده أو حسب ما يقلد. ولا بد من الإشارة إلى أن الرأي الذي نحترمه مع أنا نعده خطأ هو الصادر عن استدلال صحيح وعن علم ووَرَع. أما الرأي الصادر عن تزلف أو مصلحة أو تعصب، فليس رأياً معتبراً ولا محترماً. فالذين قالوا بالمصالح المرسلة من المعاصرين، وجعلوها أدلة على الشرع وحاولوا الاستناد إلى بعض الأئمة استناداً خاطئاً، وأفتَوْا عن طريق المصالح أو جلب المصالح ودرء المفاسد، بإباحة الربا، أو مد الأيدي إلى الأنظمة الكافرة المحاربة للإسلام والتعاون معها، أو بالمشاركة في الحكم بنظام الكفر، أو بجواز العمل في المؤسسات الربوية، أو بجواز الصلح مع إسرائيل والاعتراف بفلسطين لها أو بجواز الاستعانة بالكفار لقتال المسلمين أو بعدم التغيير على من يحكم بغير ما أنزل الله بحجة التعرض للأذى، وغيرها كثير، هؤلاء أقوالهم وفتاويهم مردودة وليست معتبرة في الإسلام. فهي ليست آراء إسلامية مرجوحة، وإنما هي آراء غير إسلامية، وليست هي شرعية في حق من __________ (318) رواه الشيخان. [صفحة 130] يتبناها. وهذه الفتاوي ليست من قبيل الاجتهاد الشرعي الصحيح، وإنما هي تشريع من خارج الوحي. فإباحة الربا مثلاً، لا يقال فيها إنها رأي إسلامي اجتهادي صاحبه معذور، لأن الربا فيه نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، محكم غير منسوخ، وغير مخصص وغير مقيد: "وحرَّم الربا"(319). وكذلك المشاركة في الحكم بالكفر،فيها نصوص قطعية لا اجتهاد معها. قال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)(320)، وقال: (الكافرون) وقال: (الفاسقون). فمن يحكم أو يشارك بالحكم بالكفر، فاسق مع التأويل، كافر إن لم نتأول له. والمفتي بالجواز بناء على المصلحة، يفتري على الله الكذب. فمثل هذه الأحكام ليست من قبيل الاختلاف المشروع في الرأي وإنما هي من قبيل التضليل في الدين، وأخذ للأحكام الشرعية من خارج دين الإسلام (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً)(321). __________ (319) البقرة/ 275. (320) المائدة/ 45. (321) النساء/ 60. [صفحة 131] فهرست المصادر والمراجع م الكتاب المؤلف المطبعة أو الدار 1 أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء د. مصطفى سعيد الخن مؤسسة الرسالة 2- أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي د. مصطفى ديب البغا دار الإمام البخاري- دمشق 3- الإحكام في أصول الأحكام علي بن محمد الآمدي المكتب الإسلامي 4 الإحكام في أصول الأحكام أبو محمد علي بن أ؛مد بن سعيد بن حزم دار الآفاق الجديدة- بيروت 5 الأدلة المختلف فيها عند الأصوليين د. خليفة بابكر الحسن مكتبة وهبة –عابدين- ط1 6- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول محمد بن علي بن محمد الشوكاني دار الفكر – بيروت 7 أصول الفقه الشيخ محمد الخضري بك المكتبة التجارية الكبرى- مصر 8 الاعتصام أبو إسحق إبراهيم بن موسى اللخمي دار التحرير للنشر والطبع- القاهرة 9 الأم محمد بن إدريس الشافعي دار المعرفة – بيروت 10 الأموال أبو عبيد البغدادي دار الفكر، بيروت- ط2 12 تاريخ الأمم والملوك أبو جعفر محمد بن جرير الطبري دار إحياء التراث العربي 13 تيسير التحرير على كتاب التحرير ابن همام الإسكندري دار الكتب العلمية – بيروت 14 حاشيتا التفتازاني والجرجاني على مختصر المنتهى الأصولي ابن الحاجب المالكي دار الكتب العلمية – بيروت 15 حجية المصالح المرسلة د. أحمد فراج حسين مؤسسة الثقافة الجامعية 16 الرسالة محمد بن إدريس الجامعي دار الكتب العلمية – بيروت [صفحة 132] 17 روضة الناظر وجنة المخاطر ابن قدامة المقدسي دار الكتاب العربي – بيروت 18 سنن أبي داوود أبو داود سليمان بن الأشعث دار إحياء السنة النبوية 19 سنن أبن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني دار الفكر 22 شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول شهاب الدين القرافي المالكي دار الفكر – القاهرة 23 صحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل دار إحياء التراث – بيروت 24 صحيح مسلم أبو الحسين مسلم بن الحجاج المطبعة المصرية ومكتبتها 25 ضوابط المصلحة د. محمد سعيد رمضان البوطي المكتبة الأموية بدمشق 26 علم أصول الفقه د. عبد الوهاب خلاف مكتبة الدعوة الإسلامية 27 الفقه الإسلامي مرونته وتطوره جاد الحق علي جاد الحق مجمع البحوث الإسلامية 28 فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري المطبعة الأميرية ببولاق، مطبوع مع المستصفى ط1 29 قواعد الأحكام في مصالح الأنام أبو محمد عز الدين بن عبد السلام مؤسسة الريان – بيروت 30 المبسوط محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي دار المعرفة – بيروت 31 المدخل إلى التشريع الإسلامي د. كامل موسى مؤسسة الرسالة ط1 32 المستصفى أبو حامد محمد الغزالي الطبعة الأميرية ببولاق – ط1 33 المسودة في أصول الفقه للأئمة الثلاثة من آل تيمية: مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن الخضر. ولده شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ولد الثاني تقي الدين أحمد بن عبد الحليم [صفحة 133] 34 الموافقات في أصول الأحكام أبو إسحق إبراهيم بن موسى مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح – القاهرة 35 الموطأ أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي دار الكتب العلمية – بيروت 38 نظرات في أدلة التشريع المختلف فيها د. محمد إبراهيم الحفناوي دار البشير للثقافة العلوم بالقاهرة 39 الوجيز في أصول الفقه د. عبد الكريم زيدان مؤسسة الرسالة – ط3 [صفحة 134] محتويات الكتاب المقدمة ... 7 الفصل الأول ... 10 أصول الفقه ... 11 الحاكم ... 13 مصادر التشريع ... 15 تمهيد ... 15 مصادر التشريع يجب أن تكون قطعية ... 16 مصادر متفق عليها ... 17 المصدر الأول: الكتاب ... 18 المصدر الثاني: السنة ... 18 المصدر الثالث: الإجماع ... 19 المصدر الرابع: القياس ... 22 مصادر غير متفق عليها ... 24 الفصل الثاني: ... 29 مقاصد الشريعة ... 30 مقاصد الشريعة هي غاياتها، أي نتائج تطبيقها ... 33 مقاصد الشريعة ليست مقاصد للأحكام ... 35 مقاصد الأحكام ... 36 جلب المصالح ودرء المفاسد ... 41 علية جلب المصالح ودرء المفاسد ... 44 [صفحة 135] المناسب ... 46 أقسام المناسب ... 48 أقسام المصالح ... 50 الفصل الثالث ... 52 المصالح المرسلة ... 53 أدلة القائلين بالمصالح المرسلة ... 56 موقف العلماء من المصالح المرسلة ... 60 المصالح المرسلة ليست دليلاً شرعياً ... 70 مناقشة الأدلة التي أوردها القائلون بالاستصلاح ... 71 الدليل الأول: اعتبار الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام ... 71 الدليل الثاني: إقرار الرسول معاذاً ... 76 الدليل الثالث: الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني ... 76 الدليل الرابع: تغير العادات وعدم كفاية النصوص ... 78 الدليل الخامس: عشرة أمثلة من أعمال الصحابة، وجملة من أعمال التابعين ... 79 الأدلة على أن المصالح ليست دليلاً شرعياً ... 96 الفصل الرابع ... 100 ماذا قصد العلماء الذين قالوا بالمصالح المرسلة؟ ... 101 رأي الإمام الشاطبي ... 103 رأي الإمام القرافي ... 108 رأي ثلة من العلماء المعاصرين ... 110 [صفحة 136] المصلحة عن الإمام عز الدين بن عبد السلام ... 112 المصلحة عند الإمام الغزالي ... 114 رد شبهتين ... 119 الشبهة الأولى: إن هناك مصالح معتبرة ومصالح ملغاة، ومصالح لا معتبرة ولا ملغاة ... 119 الشبهة الثانية: تقييد المصلحة بأن لا تكن مخالفة لنص أو إجماع أو قياس ... 120 الخاتمة ... 126 القيام بالفعل بقصد المصلحة ... 127 الرأي الشرعي والرأي غير الشرعي ... 129 فهرست المصادر والمراجع ... 131 محتويات الكتاب ... 134 [صفحة 137] [الغلاف الخلفي] تحدثنا عن المصالح المرسلة كمصدر من مصادر التشريع وبينّا بالأدلة أنها لا ينهض لها دليل. وقد نقضنا بالدليل والحجة جميع ما توهمه القائلون بالمصالح المرسلة من أنه أدلة على حجيتها. وقد كان الدافع إلى هذا البحث ما شاع عند بعض المتأخرين من كتاب الأصول أن الاستصلاح مصدر تشريعي، وأن المصلحة دليل على الحكم الشرعي. وأينما كانت المصلحة فثم شرع الله، وما بُنِي على ذلك من قواعد جعلوها قواعد شرعية وليست كذلك، إذ ليست هي إلا جعل المصلحة ديناً. بل إن بعض المتأخرين يلجأ إلى كتب الأئمة والسلف فيجتزئ منها نصوصاً أو فتاوي ويسوقها لنا في معان غير التي قصدها الأئمة. ولذلك وجب التحذير من أفكار هؤلاء، الذين يلبسون على المسلمين أحكام دينهم، ويجعلون المصلحة عنواناً كبيراً يتحللون بواسطته من قيود الدين وأحكامه، فكان لا بد من تفنيد حججهم ومزاعمهم، وبيان الحق في ذلك، ولذلك فقد بَيَنّا موقف العلماء من المصالح المرسلة وحيث إنه قد قال بها الشاطبي والقرافي فقد لزم بيان حقيقة ما قصد من قولهم بالمصالح المرسلة. المؤلّف [صفحة 138] طبعه إلكترونياً: الفقير إلى الله (خليفة أبو محمد)، 27 ذي القعدة 1424هـ 20/1/2004