العذر بالجهل والتأويل حكم الجاهل والمتأول [صفحة 1] (العذر بالجهل والتأويل ) (مقدمة ) هذا البحث من اسبابه الصلح بين طوائف المسلمين بين الطائفة التي لا تعذر المتأول الذي شهد الشهادتين و آمن الإيمان المجمل وتأويله وجه من الشرع أو اللغة وبالتالي كفرتهم و كفرت من عذرهم و الطائفة الاخرى هي من عذرت المتأولين من أهل السنة لكن مع ذلك لم تعذر الطائفة السابقة في قولهم بتكفير المتأولين فرموهم بالخارجية وأنزلوا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الخوارج عليهم .فهل حقا المتأول من أهل القبلة باذل الوسع كافر . وهل من كفره ولم يعذره خارجي هذا ما يحاول الباحث إيجاد الإجابة عليه .هذا و كل خطأ في الاستدلال في هذا البحث فأنا راجع عنه في حياتي وبعد مماتي إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله فمن الأعمال العظيمة التي حث عليها الإسلام ورغب فيها: الصلح بين الناس، فالإسلام دين المحبة، والاجتماع، والتآلف بين المسلمين، قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]. قال الإمام الطبري رحمه الله: أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، قال: "هو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة على ما أذن الله وأمر به" [1]. [صفحة 2] وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يصلح بين الناس يكتب له أجرًا عظيمًا، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" [2]. وفي رواية: "لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ" [3]. وبالإصلاح تحقق أخوة الإسلام، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 10]. أسأل الله أن يتغمدنا جميعا برحمته ولا حول ولا قوة إلا بالله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم اختلف أهل العلم في حكم الجاهل فنبدأ في ذكر أقوالهم ولا حول ولا قوة إلا بالله [صفحة 3] اولا ذهب البعض الى عدم العذر بالجهل مطلقا في الاعتقادات واستند هؤلاء القوم الى أن الله فطر الناس على ملة الاسلام وهو التوحيد وعنوا به هنا افراد الله بالعبادة وهي الطاعة وكذلك صور هذه الطاعة فمثلا عندهم السجود لغير الله ثابت قبحه بالعقل و بالفطره كذلك بعض صفات الله مثل العلم و القدرة و الحياة ثابتة عندهم بالفطرة و بعضهم ادخل السمع و البصر في المعلوم بالفطرة و بعضهم لم يدخلها كالطبريو على الرغم من كون هذه الفئة التي لها رافد حديث تدخل صفات الله مثل السمع و البصر في المعلوم بالفطرة إلا أنهم لم يكفروا الطبري في هذا لكونه عذر جاهل صفة السمع و البصر و عندهم جاهل الصفة التي تعلم بالفطرة كافر لكنهم لم يكفروه بل كثيرا ما استدلوا بأقواله في عدم العذر بالجهل و هذا من التناقضات التي ظهرت عندهم إذ يقول الطبري ((قال الطبري في كتابه التبصير ((قال أبو جعفر: أما ما لا يصح عندنا عقد الإيمان لأحدٍ، ولا يزول حكم الكفر عنه إلا معرفته، فهو ما قدمنا ذكره.(وكان قد ذكر أنه الصانع المدبر ليس كمثله شيء قادر متكلم عالم) وذلك أن الذي ذكرنا قبل من صفاته لا يعذر بالجهل به أحدٌ بلغ حد التكليف كان ممن أتاه من الله تعالى ذكره رسولٌ أولم يأته رسولٌ، عاين من الخلق غيره أو لم يعاين أحداً سوى نفسه. ولله تعالى ذكره أسماءٌ وصفاتٌ جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به، وصح عنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه به الخبر منه خلافه؛ فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه [صفحة 4] فمعذورٌ بالجهل به الجاهل. لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكرة. وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميعٌ بصيرٌ، وأن له يدين لقوله: {بل يداه مبسوطتان} . وأن له يميناً لقوله: {والسموات مطويات بيمينه} . وأن وله وجهاً لقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} ، وقوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . وأن له قدماً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حتى يضع الرب قدمه فيها)) . يعني جهنم. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل الله: ((إنه لقي الله عز وجل وهو يضحك إليه)) . أنه يهبط كل ليلةٍ وينزل إلى السماء الدنيا، لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنه ليس بأعور لقول النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الدجال فقال: ((إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور)) . وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غيايةٌ، وكما يرون القمر ليلة البدر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وأن له أصابع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن)) . فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها، مما وصف الله عز وجل بها نفسه، أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم مما لا تدرك حقيقة علمه بالفكر والروية. ولا نكفر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه. [صفحة 5] فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع.)) لذا جاهل الصفة عندهم كافر اذا كانت هذه الصفة تعلم بالفطرة عندهم ولم يحدوا حدا في الذي يعلم بالفطرة من غيره فتبع ذلك اختلافهم في تكفير جاهل بعض الصفات فهؤلاء الفطرة عندهم التي فطر الناس عليها تشمل ملة الاسلام بفروعها تقريبا فهؤلاء عندهم ان الله ركب العقل على تحسين التوحيد عندهم و قبح الشرك وصوره و اقول صوره لان البعض قال ان التوحيد هو الثابت بالفطرة فقط بمعنى أحقية الله في ان يعبد وحده اي أن يطاع و حده اما صور هذا التوحيد و صور الشرك فلا تثبت عندهم بالعقل بل بالنقل فمثلا مجرد السجود لغير الله فلا يكون شركا عندهم الا بالنص ذلك لانه ثبت السجود لادم و يوسف و لم يكن ذلك شركا ولا كفرا وهذا الفريق ذهب أن الحجة قائمة على الناس بالفطرة وقصر بعضهم المعلوم بالفطرة على أمر التوحيد و الشرك أما غير ذلك من الأمور العملية وكذلك بعض أمور الكفر الخفية فلا تثبت عندهم بالفطرة فيعذر الجاهل بها و من حجة هؤلاء حديث أن كل مولود يولد على الفطرة و في رواية( على هذه الملة) إذن الحجة أقيمت عندهم بذلك كذلك قالوا أن الله تعالى حكم على والد ووالدة الرسول و ابن جدعان و عمرو بن لحي بالكفر وقد جاءوا في حالة فترة من الرسل لقوله تعالى (لتنذر قوما ما أنذر اباؤهم فهم غافلون ) وقوله تعالى (و ما أرسلنا إليهم قبلك من نذير )فدل ذلك على مؤاخذتهم بالفطرة او العقل و لا فرق بين المشرك الأصلي و من أسلم ثم وقع منه الشرك فكلاهما غير معذورين وقد قال تعالى (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر)و لا فرق في التشريع بين كافر و كافر كذلك قالوا أن العقل يدرك قبح الأشياء قبل و رود الشرع فكل من ارتكب ذنبا سواء في [صفحة 6] الاعتقادات أو الأعمال و قصرها بعضهم على الاعتقادات فهو معاقب عليه لا عذر فيه وقصر بعضهم هذا على جانب التوحيد وما يتعلق به أما جانب الأعمال فهذه لا تجب عندهم بالعقل بل بالسمع فقط عن طريق الوحي و مرتكبها معذور في ذلك حتى يتمكن من بلوغ الدليل الشرعي أو يبلغه الدليل الشرعي فعلا [صفحة 7] وكان من أدلتهم أن الله سمى بعض الذنوب ذنوبا و ظلما قبل إرسال الرسل قال تعالى(و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)فسماه مشركا قبل سماعه كلام الله )كذ كذلك قول الله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172)وكونه تعالى قال لهم ما معناه لكي لا تقولوا يوم القيامة لقد كنا غافلين عن هذا فهذا دليل على أنه تعالى فعل ذلك ليكون حجة عليهم يذكرونه يوم القيامة وهذا شمل جميع ذرية بني آدم أخرجهم الله من صلبه واشهدهم على انفسهم و كونهم شهدوا انه رب فهذا يعني علمهم بكونه خالق رازق محيي مميت مدبر و أيضا حي و أيضا كون هناك يوم بعث لقوله تعالى أمامهم( يوم القيامة ) فهذه الصفات الإلهية وغيرها المستفادة من الاية قد عرفها هؤلاء عند هذا الاشهاد لذا لا عذر لأحد بجهلها و من جهلها فهو كافر ولا يعذر بالجهل لأنه لا يوجد ثم جهل أصلا و هذا الفريق أدخل صفات الله في هذا النوع فلم يعذروا جاهل الصفة ولا متأول الصفة لأن المتأول ما هو إلاجاهل جهلا مركبا عندهم فلا ينفعه عذره لذا كفروا كل الفرق المتأولة من الأشاعرة وغيرهم وذلك لقولهم أن صفات الله تدرك بالفطرة .كذا كفروا كل من عذر متأول الصفات فمن عذر الأشاعرة عندهم فهو كافر لأنه سمى الكافر مسلما وهذا كفر لأن من لم يكفر الكافر فهو كافر و احتج هؤلاء بأن العقل يدرك القبح دون إرسال الرسول بعدة أدلة منها({ وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون } وقوله { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } فسماهم ظالمين وطاغين ومفسدين قبل إرسال الرسول و قال تعالى( إذهب إلى فرعون إنه طغى ) وقوله انه كان ظالما وطاغيا ومفسدا هو وقومه هو ذم للأفعال والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم فدل ذلك على أنهم مؤاخذون بالفطرة أو بالعقل [صفحة 8] وكذلك أخبر عن هود انه قال لقومه ( اعبدوا الله ما لكم من اله غيره إن أنتم إلا مفترون ) فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله الها آخر وكذلك قوله تعالى (ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) فدل على أن الفحشاء معروفة بالعقل و إلا لو كان معنى الفحشاء هو ما نهى الله عنه- لأن معرفة الفاحشة لا تثبت إلا عن طريق النص لا بالعقل- لكان معنى الاية (ان الله لا يأمر بما نهى عنه ) و هذا باطل فدل ذلك على ان الفواحش و أعظمها الشرك أمر معروف بالفطرة و العقل قبل ورود النهي من النص فلا عذر لجاهله ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته -جل وعلا- على وجوب توحيده في عبادته ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده لأن من اعترف بأن الله تعالى هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده ومن أمثلة ذلك قوله -تعالى-: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ). إلى قوله: (فَسَيَقُولُونَ اللهُ). فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره بقوله: (فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ). ومنها قوله -تعالى-: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ). فلما اعترفوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). ثم قال: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ). فلما أقروا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ). ثم قال: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) .. فلما أقروا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ). ومنها قوله -تعالى-: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ). فلما صح الاعتراف وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً). وقوله -تعالى-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [صفحة 9] لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). فلما صح اعترافهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ). وقوله -تعالى-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). فلما صح إقرارهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) .. وقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). فلما صح اعترافهم وبخهم منكراً بقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). وقوله -تعالى-: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا). ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره هو: أن القادر على خلق السموات والأرض وما ذكره معهما خير من جماد لا يقدر على شيء فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: (أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) ... والآيات بنحو هذا كثيرة جداً. ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة نحو قوله -تعالى-: (أَفِي اللهِ شَكٌّ). وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً). اهـ.كذلك قالوا أن الله وبخ المشركين على عدم إقرارهم بالألوهية مع إقرارهم بالربوبية ولكن هذا الفريق اختلفوا فيما بينهم ففريق كفر هؤلاء الذين صدر منهم الشرك وقال انهم معذبون في الدنيا بالقتال و الاخرة هم مخلدون في نار جهنم لقيام الحجة عليهم بدليل العقل و الفطرة وإن لم يأتهم رسول أو تصلهم رسالة رسول لما سبق من تعذيب عمرو بن لحي و ووالد النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى (ما أتاهم من نذير من قبلك ) والفريق الآخر قالوا نحن نطلق عليهم اسم الشرك والكفر في الدنيا كما أطلقه الله على هؤلاء الجهال الذين لم يأتهم رسول لكن العذاب في الدنيا والآخرة لا يكون إلا بعد إرسال الرسل و الاختبار يوم القيامة كما في حديث الاسود بن سريع [صفحة 10] قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 4 ص 24): حدثنا علي بن عبد الله حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع: أن نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل ‌مات ‌في ‌فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر. وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك من رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار. قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا». حدثنا علي، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة مثل هذا، غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها». هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح ))قالوا ((أي: أن القوم قبل البعثة وإقامة الحجة، معذورون في أحكام، وغير معذورين في أحكام أخرى. معذورون في أنهم لا يعذبون في الدنيا والآخرة، حتى تقام عليهم الحجة الرسالية -وهذا من رحمة الله وفضله-. وغير معذورين في اقترافهم الشرك وما ينبني عليه من أحكام مثل: عدم دفنهم في مقابر المسلمين، ولا الصلاة عليهم، وعدم القيام على قبورهم [صفحة 11] والاستغفار لهم، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا يدخلون الجنة حتى يمتحنوا وكذلك القتال والجهاد للمشركين لا يكون إلا بعد إقامة الحجة وهم قبلها مشركون.)) فهم كما ترى هنا فرقوا بين مجرد الاسم و الأحكام المتعلقة بالعذاب الأخروي والدنيوي بالقتل و فريق قالوا أن الاسم يثبت به العذاب الأخروي ولا يثبت به العذاب الدنيوي بالقتل و الأسر وقالوا طالما وجد الاسم ثبت أحكامه الاخروية فهم معذبون في الاخرة أما قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )فالمقصود به عذابهم في الدنيا نقل ذلك الشوكاني عن الجمهور اما الاخرة فهم معذبون بالنار لتعذيب والد النبي عليه السلام مع قوله تعالى (ما أتاهم من نذير من قبلك ) وفريق اخر فرق بين من هو مشرك أصلي و بين من دخل في الإسلام وصدر منه شرك فقال أما المشرك الأصلي فيسمى مشركا وهو معذب في الدنيا بمعاملته معاملة المشرك أما في الاخره فموقوف أمره على هل جاءه رسول أم لا و يختبر يوم القيامة إذا كان لم يأته رسول- كما جاء في الحديث –بنار يؤمر بالدخول فيها فمن دخلها كانت عليه بردا و سلاما و من لم يدخلها سحب إليها )) وذلك للحديث (ما يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار )أما من تشهد الشهادتين و امن الايمان المجمل بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم و لم يقصر في طلب العلم ثم اجتهد فأخطأ في فعل صورة من صور الشرك أو الكفر فهو معذور في ذلك لأن مسائل [صفحة 12] الشرك والكفر و صورهم عند هذا الفريق لا تعرف بالعقل بل ما تعرف إلا من جهة الشرع وليس للعقل مجال هنا أصلا إذن فلا حجة للعقل هنا في معرفة ما هو كفر وما هو شرك ويعذر هؤلاء عندهم إذا لم يقصر في طلب العلم و كان عنده نوع تأويل في شيئ من الشرك أو الصفات لخاصية في هذه الأمة ألا وهي رفع إثم الخطأ عنها للاية (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) و للحديث (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) و الحاكم في اللغةهو كل من أصدر حكما في مسألة ما فاعتقده أو عمل به هو كل عامل أو معتقد فشمل ذلك الخطأ في العمل أو الاعتقاد و كانت من أدلتهم حديث ذات أنواط و الرجل الذي ذر نفسه وأيضا حديث عائشة (مهما يكتم الناس يعلمه الله قال عليه السلام نعم )ولما قيل لهم لم فرقتم بين المشرك الأصلي و بين المسلم الذي صدر منه الشرك و هم سواء . قالوا :الله هوالذي فرق بينهم بما سبق ولا مجال للعقل هنا وهذا مثل ما قاله البعض أن ارتكاب الشرك للإكراه كان غير معفو عنه لقولهم (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ) فلم يجعلوا خيارا ثالثا فدل على ان الإكراه كان غير معتبر في الشرك أما في شريعتنا فارتكاب الشرك القولي او الفعلي تحت الإكراه لا إثم فيه و معفو عنه فكذلك مسألة الخطأ هنا أيضا معفو عنها عن هذه الأمة خاصة و يشعر بذلك حديث (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ [صفحة 13] والنسيان وما استُكرهوا عليه ) وقالوا كانت الأمم السابقة تؤاخذ على أخطائها ، وتحاسب على جميع أفعالها ، دون أن تكون مبررات الجهل أو النسيان شفيعةً لهم ، أو سببا في التجاوز عنهم ، في حين أن هذه الأغلال قد رُفعت عن هذه الأمة ، استجابةً لدعائهم ، ورحمةً من الله بهم ، كما بيّن الله تعالى ذلك في قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ( البقرة : 286 ) ، وقوله سبحانه : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما } ( الأحزاب : 5 ) .فتبين من ذلك أنه لا حرج في التفريق بين الكافر الأصلي و المسلم الذي صدر منه نوع شرك . إلا أن الفريق الأول الذي لا يعذر بالشرك و لا صوره رد على هذا الفريق في هذه الجزئية بانهم قالوا إن المسلم بمجرد تلبسه بنوع شرك فهومشرك في لحظة تلبسه به و يسمى مشركا لما سبق و بالتالي فجميع الايات السابقة و الحديث لا تكون منطبقة عليها .انما الايات والأحاديث السابقة تنطبق على الذي وقع في شيء دون الشرك أو ما كان خفيا من أمور الكفر و لم يحدوا حدا لهذا الكفر الخفي .لذا ذهب هؤلاء العاذرون بالجهل لمن وقع في نوع شرك أو كفر متأولا أنه لايكفر بذلك لأن صور الشرك غير ثابتة بالعقل فمرة السجود لغير الله شرك و مرة هو تحية فقط وفي هذه الحالة سيظل حكم الاسلام لازما له و تنطبق عليه الايات و الاحاديث السابقة الا ان هذا الفريق العاذر للجاهل الاخير [صفحة 14] قد وضع ضوابط لهذا العذر أولها أن لا يكون هذا الجاهل مفرطا في طلب العلم معرضا عنه لأنه في هذه الحالة لا يسمى جاهلا و لا مخطئا بل هو عالم بطريق الحق لكن لا يسلكه و متعمد للإعراض عن الدليل بل تنطبق عليه الاية (و الذين كفروا عما أنذروا معرضون )و هو معاقب بعقوبة المشرك اذا ارتكب ما هو شرك في أحكام الدنيا و حمل هذا الفريق عقوبات من مات في فترة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل عقوبة أبيه عليه السلام و عقوبة عمرو بن لحي على محملين المحمل الأول أن هؤلاء وصلهم بقايا دين ابراهيم و اعرضوا عنه وقد كان هناك من يعيش معهم و هو زيد بن عمرو بن نفيل الذي مات على ملة ابراهيم وبحث عنها ووجدها فلا عذر لهؤلاء المحمل الثاني انهم لم يصلهم دين ابراهيم لكنهم اعرضوا عن البحث عنه فجهلهم بسبب اعراضهم و المعرض غير معذور خاصة و زيد بن عمرو بن نفيل قد بحث ووجد الحق كما ان من مات في الفترة و كان لا يعلم ثم اعتنق الشرك فهذا في الحقيقة مفتر على الله كذبا لانه انما قلد اباءه في اعتقادهم بالظن والظن اكذب الحديث فالظن كذب على الله هم مؤاخذون به و كان يجب عليهم اذ لم يجدوا من يعلمهم ان يثبتوا على ما هم متيقنين منه وهو ألوهية الله سبحانه و تعالى فقط ويقولون لو نعلم يا الله دينا خيرا من هذا لاتبعناه كما قال شبه ذلك زيد بن عمرو بن نفيل إما ان يختلقوا على الله ما لا يعلمون اتباعا للظن دون برهان فهم هنا مرتكبون للشرك عمدا قائلون على الله كذبا قال تعالى (ومن يدع مع [صفحة 15] الله إلها اخر لا برهان له به إنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) فجعل كل من دعا مع الله احدا دون برهان كافر فمن هذا الوجه لا يعذرون وهؤلاء المذكورون في الحديث أنهم سيعذبون مثل والد النبي صلى الله عليه و سلم و عمرو بن لحي من هذه الفئة توفرت فيهم هذه الشروط فحق عليهم العذاب الا أن هذا الفريق العاذر اختلفإلى فريقين فريق منهم قال انه يكفي لقيام الحجة أن يتمكن الفرد من التعلم فإذا تمكن من العلم ثم قصر فيه و ارتكب ما هو شرك فهو كافر مشرك لانه لا يسمى حينئذ جاهلا ولا مخطئا بل معرضا عن الحق مرتكبا كفر الاعراض وهذا الضابط غير منضبط كما ترى فإمكانية العلم شيئ نسبي لذلك قالوا أن حديث العهد بالكفر و من نشأ ببادية بعيدة لا يكفر لانه غير متمكن من العلم و لان هذا الضابط غير منضبط اختلف الحكم في تكفير بعض المتلبسين بالشرك الاكبر في بعض البلاد تبعا للاختلاف في توفر شرط التمكن من العلم فيهم من عدمه أما الفريق العاذر الاخر فقالوا أن التمكن من طلب العلم لا يكفي لقيام الحجة بل لا بد من بلوغ الحجة إلى المكلف حتى يحكم بتكفيره فإذا تمكن أحدهم من العلم فأعرض عن ذلك ثم وقع في الشرك وكان من المسلمين فهذا لا يحكم عليه بالشرك لأن الحجة لم تبلغه وإنما فقط يأثم بتقصيره في تعلم ما يجب عليه وقالوا )) عدم السّعي في تعلّم التّفاصيل مع التّمكّن من ذلك فلا يوجب بمجرّده الكفر إلا أن يكون سببه بغضٌ لما سبق تعلّمه أو تحقير له أو كبر عليه [صفحة 16] فيقترن به حينها نقض الانقياد ، وأمّا عدم التعلّم في نفسه فلا يستلزم الجحود لاحتمال عدم انتباه أو عدم جولان فكر في السّؤال أو تفريط مؤثّم لا يدلّ على بغض ولا استكبار كما هو حال كثير من المسلمين في كثير من التّفاصيل ، فلو قيل العبرة بالتّمكّن للزم تكفير الجماهير بمجرّد الجهل مع تمكّنهم من العلم ، بل علمُ الصّحابة في زمن النّبوّة لم يكن مستوعبا لجميع التّفاصيل وإلاّ لَلَزم تكفيرهم أيضًا وقد زكّاهم الله ورضي عنهم ، وكذا من يدخل في الإسلام ـ مع مجمل علمه بالشّهادتين وتهيّئه للانقياد للتّفاصيل ـ يكون كافرًا حتّى يعلم التّفاصيل ، فهو يبقى مدّة كافرًا حتّى يتعلّم التّفاصيل لأنّه يمكنه أن يتعلّمها بعد نطقه بالشّهادتين دون فصل ، ولو تعلّمها في مدّة فهو كافر لأنّه كان يمكنه أن يتعلّمها في مدّة أقصر ولم يفعل !! .))ا.ه إلا إن كلامهم هذا يصدق على من آمن الإيمان المجمل و نطق بالشهادتين ثم جهل التفاصيل فسكت عنها حتى يعلمها ولم يتكلم بغير علم فمثلا زيد بن عمرو بن نفيل امن الايمان المجمل بالله و استحقاقه للعبادة وحده فتوقف عند ذلك و لم يتكلم على الله بلا علم و لم يفتر على الله كذبا بالدخول في شرائع شركية دون علم لانه بذلك يفتري على الله كذبا بنسبة عبادة اليه لم يشرعها فهذا والحال كذلك ظاهره أنه معذور إنما الكلام فيمن اعرض عن التعلم ثم اتبع الظن في نسبته إلى الله ما لا ينسبه لنفسة بأنواع عبادات شركية أو غيرها من أنواع الكفريات أو كذب بشيئ مما أنزل الله وهو لا يعلمه متبعا للظن أو الهوى فعذره في هذه الحالة فيه نظر لأنه تعدى هنا فقد [صفحة 17] أخبر الله أن من لم يوجد دليلا صحيحا على قوله أو فعله فهو متبع لهواه قال تعالى ((قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ ‌أَتَّبِعۡهُ ‌إِن ‌كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩ فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٠ ))فسمى سبحانه من لم يأت بالدليل على ما قال بأنه متبع لهواه وأنه لا احد أضل منه وأنه من الظالمين وكل هذا يقتضي تكفيره وقال ((إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ ‌إِلَّا ‌كِبۡرٞ ‌مَّا ‌هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦)) فسمى سبحانه من يجادل بغير علم أنه عنده كبر فهو متكبر ظالم ضال بوصف الله له وقال تعالى ((قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨ قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩ ‌مَتَٰعٞ ‌فِي ‌ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠ ))فجعل سبحانه المفتري على الله كذبا لا يفلح وأشار إلى أنهم يكفرون بذلك وقال تعالى (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)))فبين تعالى أن المجادل بغير علم معذب و موزور وقال عليه السلام ((و رجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار ))فجعل الجاهل القائل بلا علم في النار وقال ((هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)))سمى من لم يأت بالسلطان والحجة مفتريا على الله كذبا ولا أحد أظلم منه فدل على كفره وقال ((ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ))فسمى المجادل بغير سلطان ممقوتا و قال عليه السلام((من حدث عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) فسمى من ظن الحديث كذبا و نقله ناسبا إياه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم كذابا حتى ولو لم يتيقن فسماه كاذبا وقال تعالى ((ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ)فسمى المجادل بالجهل ممقوتا ومن هنا ترى أن هناك رجلين رجل أمن الإيمان المجمل ثم سكت عن ما لا يعرفه ويقول إن كان الله ورسوله قالا فأنا مؤمن به فلم يخترع على الله شيئا أو شريعة وينسبها لله سواء هو الذي اخترعها أو قلد فيها غيره لأن مقلد غيره هو قائل بغير [صفحة 18] علم على الله وهذا حرام وفاعله غير معذور ولم يغن تقليد المقلدين الذين احتجوا بآبائهم عنهم شيئا قال تعالى(وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23) إذن هناك فرق بين من آمن الإيمان المجمل ثم لم يخترع سواء عن عمد أو تقليدا ما يضاد ذلك الإيمان فيكون قائل على الله بلا علم و من سكت عن ذلك وقال كل ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم فأنا مؤمن به ولا أقول في دين الله بلا علم فهذا شيئ و هذا شيء اخر قال ابن حزم ((«الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم» (٦/ 12): «ومما يبطل قولهم غاية الإبطال قول الله تعالى {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} وقوله تعالى {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون} فصح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت بإذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذبا ونحن على يقين من أن الله تعالى قد أحل لنا كل ما خلق في الأرض إلا ما فصل لنا تحريمه بالنص لقوله تعالى {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} فبطل بهذين النصين الجليلين أن يحرم أحد شيئا باحتياط أو خوف تذرع )) وقال ((«الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم» (١/ 22): «أثنى على أصحاب الكهف {نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣ وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤ ‌هَٰٓؤُلَآءِ ‌قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا))  فأثنى الله عز وجل عليهم في إنكارهم قول قومهم إذ لم يُقِم قومهم على قولهم حجة بينة وصدقهم تعالى في قولهم أن من ادعى [صفحة 19] قولا بلا دليل فهو مفتر على الله عز وجل الكذب وقال تعالى {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين} فأخبر تعالى كما تسمع أن من اتبع قولا وافقه بلا علم بصحته فهو ظالم وإن من لم يرجع إلى ما يسمع من الحق فهو من أهل النار وقال تعالى {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} وأنكر الله تعالى أن يكذب المرء بما لا يعلم فقال تعالى {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} فصح بكل ما ذكرنا الوقوف عما لا نعلم والرجوع إلى ما أوجبته الحجة بعد قيامها وقال تعالى {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جآءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} قال أبو محمد في هذه الآية كفاية في إيجاب ألا يصدق أحد بما لم تقم عليه حجة وألا يأتي ما قامت عليه الحجة فمن أظلم ممن عرف ما ذكرنا وأخذ بوسواس يقوم في نفسه أو بخبر لم يقم على وجوب تصديقه برهان أو قلد إنسانا مثله لعله عند الله تعالى على خلاف ما يظن وعلى كل حال فهو ليس معصوما لكن يخطىء ويصيب وقال تعالى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فأوجب تعالى أن من كان صادقا في دعواه فعليه أن يأتي بالبرهان وإن لم يأت بالبرهان فهو كاذب مبطل أو جاهل وقال تعالى {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} فلم يوجب تعالى المحاجة إلا بعلم ومنع منها بغير علم } )) و من السابق يتبين أن هناك فرق بين المؤمن الإيمان المجمل المتوقف في ما لا يعلم أما المفتري على الله كذبا القائل بغير علم فهذا حكمه يختلف فلا مجال للاعتراض هنا بأن الشخص ليس لديه الوقت الكافي لكل العلوم لأننا نقول له توقف ولا تفتري على الله كذبا وقل آمنت بكل ما جاء عن الله وإلا تعاقب عقوبة المفتري ولقد سمى الله من أتى بثلاثة شهود عدول صالحين على جريمة الزنا لكنه تعذر عليه الإتيان برابع كاذبا قال تعالى((لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ )) وتستباح ظهورهم بالجلد بل وجلد عليه السلام مسطح البدري الذي غفر له بهذا وهذا في الافتراء على امرأة أي امرأة ولو أنها أفسق أهل الإسلام لكنها عفيفة الإزار لم تغش الزنا. جاء في ((«الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٣/ 140): «قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونقول لمن كفر إنْسَانا بِنَفس مقَالَته دون أَن تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة فيعاند رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويجد فِي نَفسه الْحَرج مِمَّا أَتَى بِهِ أخبرنَا هَل ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا من الْإِسْلَام الَّذِي يكفر من لم يقل بِهِ إِلَّا [صفحة 20] وَقد بَينه ودعا إِلَيْهِ النَّاس كَافَّة فَلَا بُد من نعم وَمن أنكر هَذَا كَافِر بِلَا خلاف فَإِذا أقرّ بذلك سُئِلَ هَل جَاءَ قطّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لم يقبل إِيمَان أهل قَرْيَة أوأهل محلّة أَو إِنْسَان أَتَاهُ من حر أَو عبدا أو امْرَأَة إِلَّا حَتَّى يقر إِن الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل أَو مَعَ الْفِعْل أَو أَن الْقُرْآن(غير) مَخْلُوق أَو أَن الله تَعَالَى يرى أَو لَا يرى أَو أَن لَهُ سمعا أَو بصرا أَو حَيَاة أَو غير ذَلِك من فضول الْمُتَكَلِّمين الَّتِي أوقعهَا الشَّيْطَان بَينهم ليوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء فَإِن ادّعى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يدع أحدا يسلم إِلَّا حَتَّى يوقفه على هَذِه الْمعَانِي كَانَ قد كذب بِإِجْمَاع الْمُسلمين من أهل الأَرْض وَقَالَ مَا يدْرِي أَنه فِيهِ كَاذِب وَادّعى أَن جَمِيع الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم تواطؤا على كتمان ذَلِك من فعله عَلَيْهِ السَّلَام وَهَذَا الْمحَال مُمْتَنع فِي الطبيعة ثمَّ فِيهِ نِسْبَة الْكفْر إِلَيْهِم إِذْ كتموا مَا لَا يتم إِسْلَام أحد إِلَّا بِهِ وَإِن قَالُوا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يدع قطّ أحد إِلَى شَيْء من هَذَا وَلكنه مُودع فِي الْقُرْآن وَفِي كَلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل لَهُ صدقت وَقد صَحَّ بِهَذَا أَنه لَو كَانَ جهل شَيْء من هَذَا كُله كفرا لما ضيع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيَان ذَلِك للحره وَالْعَبْد وَالْحر وَالْأمة وَمن جوز هَذَا فقد قَالَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يبلغ كَمَا أَمر وَهَذَا كفر مُجَرّد مِمَّن أجَازه فصح ضَرُورَة أَن الْجَهْل بِكُل ذَلِك لَا يضر شَيْئا وَإِنَّمَا يلْزم الْكَلَام مِنْهَا إِذا خَاضَ فِيهَا النَّاس فَيلْزم حِينَئِذٍ بَيَان الْحق من الْقُرْآن وَالسّنة لقَوْل الله عز وَجل {كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} وَلقَوْل الله عز جلّ {لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه} فَمن عَنَدَ حِينَئِذٍ بعد بَيَان الْحق فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ لم يُحَكِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا سلم لما قضى بِهِ وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن رجلا لم يعْمل خيرا قطّ فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت قَالَ لأَهله إِذا مت فأحرقوني ثمَّ ذَروا رمادي فِي يَوْم رَاح نصفه فِي الْبَحْر وَنصفه فِي الْبر فوَاللَّه لَئِن قدر الله تَعَالَى عَليّ ليعذبني عذَابا لم يعذبه أحدا من خلقه وَأَن الله عز جلّ جمع رماده فأحياه وَسَأَلَهُ مَا حملك على ذَلِك قَالَ خوفك يَا رب وَأَن الله تَعَالَى غفر لَهُ لهَذَا القَوْل قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا إِنْسَان جهل إِلَى أَن مَاتَ أَن الله عز وَجل يقدر على جمع رماده وإحيائه وَقد غفر لَهُ لإِقْرَاره وخوفه وجهله» فتبين بهذا الكلام الفرق بين من آمن الإيمان المجمل ثم سكت وسلم ولم يفتر على الله كذبا و بين رجل لم يسكت بل افترى على الله كذبا بنوع شرك أو كفر أو معصية بلا برهان على ذلك وقصر في طلب علم ذلك و سوف يأتي الكلام على هذا الصنف في كلام لابن حزم يأتي لاحقا إن شاء الله وهذه بعض النقول من العلماء تبين أن المفرط في طلب العلم القائل على الله بلا علم غير معذور و منها ما يبين أن عدم عذره ليس معناه أنه يعاقب على تفريطه في طلب العلم فقط بل يعاقب على الفعل الذي ارتكبه نفسه فعلى مقتضى قول من يأتي من العلماء يعاقب على نفس الفعل المحرم أو الشرك لا على التقصير في [صفحة 21] طلب العلم فقط ((وإليك طائفة من أقوال العلماء المبينة لضابط التمكن من التعلم: وسيذكر بعضهم الأحوال التي يعذر فيها والتي لا يعذر فيها بالجهل كأمثلة للتمكن أو عدمه، وهي الأحوال التي ذكرتها أعلاه. 1 - أبو محمد بن حزم رحمه الله قال [ورأيت قوما يذهبون إلى أن الشرائع لا تلزم من كان جاهلا بها ولا من لم تبلغه.] قال أبو محمد: [وهذا باطل بل هي لازمة له لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس كلهم، وإلى الجن كلهم، وإلى كل من لم يولد، إذا بلغ بعد الولادة.] (التمكن )قال أبو محمد: [قال الله تعالى آمراً له أن يقول: (إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) الأعراف: 158. وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه أحد. وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) القيامة: 36. فأبطل سبحانه أنه يكون أحد سدى، والسدى: المهمل الذي لا يؤمر ولا ينهى، فأبطل عز وجل هذا الأمر، ولكنه معذور بجهله ومغيبه عن المعرفة فقط، وأما من بلغه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حيث ما كان من أقاصى الأرض ففرض عليه البحث عنه، فإذا بلغته نذارته ففرض عليه التصديق به واتباعه، وطلب الدين اللازم له، والخروج عن وطنه لذلك، وإلا فقد استحق الكفر، والخلود في النار، والعذاب بنص القرآن، وكل ما ذكرنا يبطل قول من قال من الخوارج إن في حين بعث [صفحة 22] النبي صلى الله عليه وسلم يلزم من في أقاصي الأرض الإيمان به، ومعرفة شرائعه، فإن ماتوا في تلك الحال ماتوا كفاراً إلى النار، ويبطل هذا قول الله عز وجل (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) البقرة: 286، وليس في وسع أحد علم الغيب. فإن قالوا فهذه حجة الطائفة القائلة إنه لا يلزم أحدا شيء من الشرائع حتى تبلغه، قلنا لا حجة لهم فيها لأن كل ما كلف الناس فهو في وسعهم، واحتمال بنيتهم، إلا أنهم معذورون بمغيب ذلك عنهم ولم يكلفوا ذلك تكليفا يعذبون به إن لم يفعلوه، وإنما كلفوه تكليف من لا يعذبون حتى يبلغهم)(ومن بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه له أمراً من الحكم مجملاً أو لم يبلغه نصه، ففرض عليه إجهاد نفسه في طلب ذلك الأمر، وإلا فهو عاص لله عزوجل. قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43] (1). وقال ابن حزم أيضا [قال الله عز وجل (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء:15 فصح أنه لا عذاب على كافر أصلا حتى يبلغه نذارة الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما من بلغه ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، ثم لم يجد في بلاده من يخبره عنه ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرئ فيها الحقائق ولولا إخباره عليه السلام أنه لا نبي بعده، للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة، - إلى أن قال - وكل من كان منا في بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يَرْحَلوا إلى مكان يجدون فيه [صفحة 23] فقيها يعلمهم دينهم، أو أن يُرَحّلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم، وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيها يعلمهم] (وقال ((علي وقد أوجب الله تعالى على كل طائفة إنذار قومها وأوجب على قومها قبول نذارتهم بقوله تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ‌ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} فقد حذر تعالى من مخالفة نذارة الطائفة والطائفة في اللغة تقع على بعض الشيء كما قدمنا ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن مسلما ثقة لو دخل أرض الكفر فدعا قوما إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن وعلمهم الشرائع لكان لازما لهم قبوله ولكانت الحجة عليهم بذلك قائمة وكذلك لو بعث الخليفة أو الأمير رسولا إلى ملك من ملوك الكفر أو إلى أمة من أمم الكفر ويدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم القرآن وشرائع الدين ولا فرق وما قال قط مسلم إنه كان حكم أهل اليمن أن يقولوا لمعاذ ولمن بعثه عليه السلام إلى كل ناحية معلما ومفتيا ومقرئا نعم أنت رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقد الإيمان حق عندنا ولكن ما أفتيتنا به وعلمتنا من أحكام الصلاة ونوازل الزكاة وسائر الديانة عن النبي صلى الله عليه وسلم وما أقرأتنا من القرآن عنه عليه السلام فلا نقبله منك ولا نأخذه عنك لأن الكذب جائز عليك ومتوهم منك حتى يأتينا لكل ذلك كواف وتواتر بل لو قالوا ذلك [صفحة 24] لكانوا غير مسلمين وكذلك لا يختلف اثنان في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلوا إليهم عنه القرآن والسنن وشرائع الدين وأنه عليه السلام لم يبعثهم إليه ليشرعوا لهم دينا لم يأت هو به عن الله تعالى فصح بهذا كله أن كل ما نقله الثقة عن الثقة مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سنة ففرض قبوله والإقرار به والتصديق به واعتقاده والتدين به وأن كل ما صح عن صاحب أو تابع أو من دونهم من قراءة لم تستند إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو من فتيا لم تسند إليه صلى الله عليه وسلم فلا يحل قبول شيء من ذلك لأنه لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وكل ذلك قد صح عن الواحد بعد الواحد من الصحابة والتابعين وليس فضلهم بموجب قبول آرائهم ولا بمانع أن يهموا فيما قالوه بظنهم لكن فضلهم معف على كل خطأ كان منهم وراجح به وموجب تعظيمهم وحبهم وبالله تعالى التوفيق وبرهان آخر وهو أنه قد صح يقينا وعلم ضرورة أن جميع الصحابة أولهم عن آخرهم قد اتفقوا دون اختلاف من أحد منهم ولا من أحد من التابعين الذين كانوا في عصرهم على أن كل أحد منهم كان إذا نزلت به النازلة سأل الصاحب عنها وأخذ بقوله فيها وإنما كانوا يسألونه عما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى في الدين في هذه القصة ولم يسأل قط أحد منهم إحداث شرع في الدين لم يأذن به الله تعالى وهكذا كل من بعدهم جيلا فجيلا لا نحاشي أحدا ولا خلاف بين مؤمن ولا كافر قطعا في أن [صفحة 25] كل صاحب وكل تابع سأله مستفت عن نازلة في الدين فإنه لم يقل له قط لا يجوز لك أن تعمل بما أخبرتك به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يخبرك بذلك الكواف كما قالوا لهم فيما أخبروا به أنه رأى منهم فلم يلزموهم قبوله فإن قيل فاجعل هذه الحجة نفسها حجة في قبول المرسل قلنا ليس كذلك لأنه لم يصح الإجماع قط لا قديما ولا حديثا على قبول المرسل بل في التابعين من لم يقبله كالزهري وغيره يسألون من أخبرهم عمن أخبرهم حتى يبلغوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سقط ذلك عمن ليس في قوته فهم الإسناد ومعرفته فقط وقد قال الزهري لأهل الشام ما لي أرى أحاديثكم لا خطم لها ولا أزمة فصاروا حينئذ إلى قوله وغير الزهري أيضا كثير فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم يجزي على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك)) وقال ((قال الله عز وجل أثنى على أصحاب الكهف {نحن نقص عليك نبأهم بلحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ١٣ وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤ ‌هَٰٓؤُلَآءِ [صفحة 26] ‌قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا)) } فأثنى الله عز وجل عليهم في إنكارهم قول قومهم إذ لم يقم قومهم على قولهم حجة بينة وصدقهم تعالى في قولهم أن من ادعى قولا بلا دليل فهو مفتر على الله عز وجل الكذب وقال تعالى {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ إنا من لمجرمين منتقمون} فلا أظلم ممن قامت عليه الحجة من كتاب الله تعالى ومن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه وهو الحجة القاطعة والبرهان الصادع وقال الله تعالى {لذين يأكلون لربا لا يقومون إلا كما يقوم لذي يتخبطه لشيطان من لمس ذلك بأنهم قالوا إنما لبيع مثل لربا وأحل لله لبيع وحرم لربا فمن جآءه موعظة من ربه فنتهى فله ما سلف وأمره إلى لله ومن عاد فأولئك أصحاب لنار هم فيها خالدون} وقال تعالى {بل تبع لذين ظلموا أهوآءهم بغير علم فمن يهدي من أضل لله وما لهم من ناصرين} فأخبر تعالى كما تسمع أن ما اتبع قولا وافقه بلا علم بصحته فهو ظالم وإن من لم يرجع إلى ما يسمع من الحق فهو من أهل النار وقال تعالى {فإن لم يستجيبوا لك فعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من لله إن لله لا يهدي لقوم لظالمين} أنكر الله تعالى أن يكذب المرء بما لا يعلم فقال تعالى {بل كذبوا بما لم يحيطوا [صفحة 27] بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} فصح بكل ما ذكرنا الوقوف عما لا نعلم والرجوع إلى ما أوجبته الحجة بعد قيامها وقال تعالى {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جآءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} قال أبو محمد في هذه الآية كفاية في إيجاب ألا يصدق أحد بما لم تقم عليه حجة وألا يأتي ما قامت عليه الحجة فمن أظلم ممن عرف ما ذكرنا وأخذ بوسواس يقوم في نفسه أو بخبر لم يقم على وجوب تصديقه برهان أو قلد إنسانا مثله لعله عند الله تعالى على خلاف ما يظن وعلى كل حال فهو معصوم لكن يخطىء ويصيب وقال تعالى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم {صادقين} فأوجب تعالى أن من كان صادقا في دعواه فعليه أن يأتي بالبرهان وإن لم يأت بالبرهان فهو كاذب مبطل أو جاهل وقال تعالى {هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} فلم يوجب تعالى المحاجة إلا بعلم ومنع منها بغير علم وقال تعالى {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بلغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا} قال أبو محمد فلما وجدنا الله تعالى قد أمر في الآيات التي ذكرنا [صفحة 28] بالحجاج والمناظرة ولم يوجب قبول شيء إلا ببرهان وجب علينا تطلب الحجاج المذموم على ما قدمناه فوجدناه قد قال {وما نرسل لمرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} فذم تعالى كما ترى الجدال بغير حجة والجدال في الباطل وأبطل تعالى بذلك قول المجانين كل مفتون ملقن حجة وبين تعالى أن المفتون هو الذي لا يلقن حجة وأن المحق هو الملقن حجة على الحقيقة وهم أهل الحق وقال تعالى {الذين يجادلون في آيات لله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند لذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} فقد جمعت هذه الآيات بيان الجدال المذموم والجدال المحمود الواجب فالواجب هو الذي يجادل متوليه في إظهار الحق والمذموم وجهان بنص الآيات التي ذكرنا أحدهما من جادل بغير علم والثاني من جادل ناصرا للباطل بشغب وتمويه بعد ظهور الحق إليه وفي هذا بيان أن الحق في واحد وأنه لا شيء إلا ما قامت عليه حجة العقل وهؤلاء المذمومون هم الذين قال الله تعالى فيهم {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} وقوله تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد} وقوله تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} )) قال ابن تيمية رحمه الله [حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلفين إلا بعد تمكنهم من معرفته في أصح الأقوال] (3). [صفحة 29] وقال أيضا [أن الله يقول (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء:15، والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم ******كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلا، وهذه أوقات الفترات.] (4). وقال ابن تيمية أيضا [وإذا تبين هذا فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم: مثل أن لا تبلغه الرسالة، أو لعدم تمكنه من العمل، لم يكن مأموراً بما يعجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل] (5). وقال أيضا [إذا كان التكليف مشروطاً بالتمكن من العلم الذي أصله العقل، وبالقدرة على الفعل] (6). (اوقال ابن تيمية أيضا [إن هذا العذر لا يكون عذراً إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصّر فيها لم يكن معذوراً] (7). وقال أيضا [وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الإمكان، وكذلك مالم يعلم حكمه، فلو لم يعلم أن [صفحة 30] الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يصل لم يجب عليه القضاء في أظهر قولي العلماء، وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد - إلى أن قال - والصواب في هذا الباب كله أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه] (8). (و هذا التالي صريح في أنه يناله وعيد من فعل المحرم ليس فقط اثم تقصيره في طلب العلم قال [وهذا لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم، أو بتمكنه من العلم بالتحريم، فإن من نشأ ببادية أو كان حديث عهد بالإسلام وفعل شيئا من المحرمات غير عالم بتحريمها لم يأثم ولم يحد، وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل شرعي. فمن لم يبلغه الحديث المحرم واستند في الإباحة إلى دليل شرعي أولى أن يكون معذورا] وقال ابن تيمية أيضا [فأما من تعمد تحريف الكتاب لفظه أو معناه، أو عرف ما جاء به الرسول فعانده فهذا مستحق للعقاب، وكذلك من فرط في طلب الحق واتباعه متبعاً لهواه مشتغلاً عن ذلك بدنياه] (5). كلام ابن القيم رحمه الله في نفس المسألة. (التمكن كاف لقيام الحجة )قال رحمه الله [اعتراف العبد بقيام حجة الله عليه من لوازم الإيمان. أطاع أم عصى. فإن حجة الله قامت على العبد [صفحة 31] بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به. سواء علم أو جهل. فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه. فقصر عنه ولم يعرفه. فقد قامت عليه الحجة.] (1). (العقوبة على الفعل لا على التقصير )وقال أيضا [فإن قيل فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى كما قال تعالى (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الأعراف: 30. قيل لا عذر لهذا وأمثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو ظن أنه مهتد فإنه مُفرِّط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها فذاك له حكم آخر والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه] (4). (العقوبة على الفعل لا على التقصير )قال ابن القيم أيضا [وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أوزار من اتبعه. لا ينقص من أوزارهم شيئا» وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم. نعم لابد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم معرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا [صفحة 32] يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضا: أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة. الثاني معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه. ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني: راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزا وجهلا، والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض. فتأمل هذا الموضع، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا، فذاك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه. هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي [صفحة 33] جارية على ظاهر الأمر: فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم. وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة.] (1). قال القرافي رحمه الله [«الفرق الرابع والتسعون: بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذراً فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذراً فيه». اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها، أو أخذ بجهالات فلم يَعْفُ عن مرتكبها، وضابط ما يُعفي عنه من الجهالات: الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشقّ لم يُعْفَ عنه] (2). وقال القرافي أيضا [القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله وأوجب عليهم كافة أن يَعْلموها ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان،(العقوبة على الفعل لا على التقصير فقط ) فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين، وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل، ومن علم وعمل فقد نجا] (3)، وقال الشارح [لأن القاعدة الشرعية دلّت على أن كل جهل يمكن للمكلف رفعه فلا يكون حجة للجاهل، لاسيما مع طول الزمان واستمرار الأيام، فإن الذي لا يُعلم اليوم يُعلم في غدٍ] (4). وقوله [لاسيما مع طول الزمان]. دليله قوله تعالى (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) فاطر: 37. [صفحة 34] 5 - وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله. [والمقصود أن من قَصَد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور إلا إذا كان قريب العهد بالإسلام ولم يجد بعد مهلة للتعلم، وقد قال الله سبحانه (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43] (5). (عقوبة الفعل لا التقصير فقط )قال ابن قدامة ((فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام والناشئ ببادية قُبِلَ منه لأنه يجوز أن يكون صادقا، وإن كان ممن لا يخفى عليه ذلك كالمسلم الناشئ بين المسلمين وأهل العلم لم يقبل لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه، وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قُبِل قوله لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة ولأن مثل هذا يُجهل كثيراً ويخفى على غير أهل العلم] (1). 7(عقوبة الفعل ) - وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله. [إذا زنا من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين وادعى الجهل بتحريم الزنا لم يُقبل قوله، لأن الظاهر يُكذبه، وإن كان الأصل عدم علمه بذلك] (2). ومعنى قوله [الظاهر] أي نشأته بين المسلمين والتي يمكن معها العلم بالتحريم، وقوله (الأصل عدم علمه) لأن الأصل في الإنسان الجهل كما ذكرته في الفصل الأول بهذا الكتاب. 8 - وقال السيوطي رحمه الله [(من يُقبل منه دعوى الجهل ومن لايُقبل) كل من جَهِلَ تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس، لم يُقبل،، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، [صفحة 35] أو نشأ ببادية بعيدةً يخفى فيها مثل ذلك: كتحريم الزنا، والقتل والسرقة والخمر، والكلام في الصلاة والأكل في الصوم] (3). 9 - وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله. [وعندنا إذا كان بعيد الدار عن المسلمين بحيث لا ينسب لتقصير في تركه المجيء إلى دارهم للتعلم أو كان قريب العهد بالإسلام يعذر بجهله فيعرف الصواب، فإن رجع إلى ما قاله بعد ذلك كفر، وكذا يقال فيمن استحسن ذلك أو رضي به.] (4). 10 - الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. قال [فهذا من العجب كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارا فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة.] (5). وأقواله التي يطلق فيها العذر بالجهل مقيدة بكلامه هذا. 11 - 12 - الشيخ الشنقيطي الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله. (العقوبة على الفعل )وقد فصل القول في ضابط التمكن من العلم في قوله [من المبادئ الأولية في الشريعة الإسلامية أن الجاني لا يؤاخذ على الفعل المحرم إلا إذا كان عالماً تاماً بتحريمه، فإذا جهل التحريم ارتفعت عنه المسئولية. ويكفي في العلم بالتحريم إمكانه، فمتى بلغ الإنسان [صفحة 36] عاقلا وكان ميسراً له أن يعلم ما حرم عليه إما برجوعه للنصوص الموجبة للتحريم، وإما بسؤال أهل الذكر اعتبر عالما بالأفعال المحرمة، ولم يكن له أن يعتذر بالجهل أو يحتج بعدم العلم ولهذا يقول الفقهاء: «لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام».ويعتبر المكلف عالماً بالأحكام بإمكان العلم لا بتحقق العلم فعلا، ومن ثم يعتبر النص المحرم معلوماً للكافة ولو أن أغلبهم لم يطلع عليه أو يعلم عنه شيئاً مادام العلم به كان ممكناً لهم. ولم تشترط الشريعة تحقق العلم فعلا، لأن ذلك يؤدي إلى الحرج ويفتح باب الادعاء بالجهل على مصراعيه ويعطل تنفيذ النصوص. وهذه هي القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية ولا استثناء لها، وإذا كان الفقهاء يرون قبول الاحتجاج بجهل الأحكام ممن عاش في بادية لا يختلط بمسلمين، أو ممن أسلم حديثاً ولم يكن مقيما بين المسلمين، فإن هذا ليس استثناء في الواقع وإنما هو تطبيق للقاعدة الأصلية التي تمنع مؤاخذة من يجهل التحريم حتى يصبح العلم ميسراً، فمثل هؤلاء لم يكن العلم ميسراً لهم، ولا يعتبرون عالمين بأحكام الشريعة. أما إذا كان مدعي الجهل ناشئاً بين المسلمين أو أهل العلم فلا يقبل منه الادعاء بالجهل.] (1). رحمه الله. قال [أما القادر على التعلم المفرّط فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور] (2 [صفحة 37] هذا وقد ظهر فريق الآن هو فريق جديد تتلخص نظريته حسبما درسها الباحث بالاستقراء من كتب أحد مشايخهم يدعى (أبو عبيدة الجزائري )وهي كما يلي أولا : يقولون نحن نأخذ عقيدتنا من السلف و على حسب ما تتبعت من أقوالهم فقالوا المقصود بذلك (( المقصود بالعلم هو الكتاب والسنة وآثار الصحابة اما اقوال التابعين فهي تبع لآثار الصحابة كدرجة ثانية أما كلام من بعدهم لا يسمى علما على الحقيقة عند أهل الحديث والسلف عموما ))كتاب العلم .فقالوا ( أقوال الصحابة حجة في كل شيء في العقيدة والفقه وكذا قول التابعي في العقائد و الأخبار والصفات و الفقهيات و نسبوه للمتقدمين !!! )) ثانيا : حتى الضعيف السند من أقوال الصحابة حجة قال ((السلف اعتمدوا الضعيف من أقوال الصحابة )؟!!!ثالثا : حتى الضعيف من أقوال التابعين اعتبروه حجة إن كان في أحد هذه الكتب قال منظرهم ((إذا وجدت الأثر عند ابن المبارك وأحمد في كتابيهما الزهد وابن أبي حاتم في التفسير أو عبد الله في السنة أو ابن أبي شيبة في مصنفه هؤلاء و إن رووا بسند فيه ضعف لا يروون متونا فيها مناكير ويستفاد من ذكر الحديث عند المشاهير الذين ذكرتهم و لو كان السند ضعيفا أن له أصل و الاشتهار عندهم صحة ))؟ !!!ثالثا : ترتب على ذلك قبولهم أقوال و ردت عن السلف في تكفير منكر بعض الصفات وبعض العقائد و تكفيره هكذا مطلقا و تكفير من لم يكفره هكذا مطلقا إن شاء الله إما ضعيفه عنهم أو مطلقة لا تعيين فيها نحو (من قال ذلك فهو كافر) و حملوا هذه النصوص على أن هؤلاء السلف الذين كفروا منكري بعض الصفات أنهم أرادوا كل من قال ذلك عينا و لا عذر لمن قال ذلك مع أن معظم نصوصهم كما سيأتي ضعيفة أو مطلقة فقالوا بناءا على التأصيل السابق أن هذا مذهب السلف فكفروا متأول الصفات و كفروا عاذره و بناء على هذا كفروا العاذر بالجهل مطلقا مع العلم من وجود نصوص صريحة في نفس الكتب التي استندوا إليها منقولة عن غيرهم من السلف أيضا تشترط توافر شرط العلم لدى الشخص حتى تقوم عليه الحجة كما هناك نصوص أخرى عنهم بعذر المتأول و بالتالي عذر عاذر المتأول لكنهم ضربوا عنها صفحا كما سنبين إن شاء الله و بناء على هذا التأصيل المتسلسل عندهم كفروا الأشاعرة كلهم بعلمائهم حتى المشهورين منهم كالنووي و ابن حجر و غيرهم ثم كفروا من لم يكفر أعيانهم وعذرهم كابن تيمية و ابن القيم و ابن كثير ثم انتقلوا بعد ذلك إلى مسألة أخرى وهي جعل بعض مسائل التأويل مثل مسألة هل الأرض كروية أم مسطحة جعلوها من المحكمات لبعض أقوال السابقين بأنها مسطحة وضربوا صفحا أيضا عن أقوال منسوبة للسلف بأنها كرة في تحكم مريب جدا فحكموا أن الارض مسطحة و ليس كرة و جعلوا ذلك من المحكمات الغير قابلة للتأويل وبالتالي مخالفها كافر فكفروا معظم المسلمين الان لأنهم يقولون بكروية الأرض بل و جمهور العلماء و [صفحة 38] المسلمين السابقين لأنهم يقولوا بكروية الأرض و بالتالي لم يبق مسلم على الحقيقة إلا هم وبغض النظر عن نية المنظر و المؤصل لهذاالفكر هل غرضه نشر الفرقة و الخلاف و التكفير و القتل بين المسلمين لأضعافهم و هو خبيث ماكر في ذلك سيئ النية فلا يبق عالم يحترم للمسلمين و لا يبق مسلم على الأرض إلا قليلا فلا يوثق في نقل ولا يحفل بتاريخ أم كان حسن النية أداه اجتهاده لذلك و إنما اقول المؤصل لهذا الفكر و ليس اتباعه إذ و جدت كثير من اتباع هذا الفكر أحسبهم حسني النية عندهم سوء فهم يعذرون بسببه و لمنا قشة هؤلاء لا بد من مناقشة بعض المسائل الهامة التي بني عليها هذا الفكر أولا قولهم بحجية قول الصحابي والتابعي : أما قول الصحابي فنعم ذهب بعض العلماء إلى اعتماده لكن عندما لا يكون له معارض صريح من الكتاب و السنة و عندما لا يعرف لما قال مخالف من الصحابة فتكون المسألة بمثابة الإجماع الضمني ورده اخرون مطلقا أما الذهاب إلى حجيته مع وجود مخالف من الصحابة الآخرون بل فلا أعلم به قائلا. قال ابن تيمية: (ومن قال من العلماء أن قول الصحابي حجة فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عُرف نص يخالفه) أهـ. من مجموع الفتاوى (1/ 283). بل قال الحازمي شيخهم في الشريط الثلاثين من مفيد المستفيد ((، وقد اختلف أهل العلم فيما يتعلق بتفسير الصحابي هل هو حجة أم لا ؟ وهو مسألةٌ أُخرى غير مسألة قول الصحابي من حيث الفتوى ، بل بعضهم جعل تفسير الصحابي من قبيل المرفوع كالحاكم وغيره ، والصواب أنه ليس من قبيل المرفوع . )))إذن المسألة مختلف فيها فجعلها من القطعيات منهم أمر عجيب و مريب خاصة مع إضافة التابعين للصحابة في الحجية خاصة مع اعتماد أقوال بعض السلف على الرغم من وجود المخالف لهم من السلف أيضا خاصة مع اعتماد تلك الأقوال حتى و إن كانت ضعيفة كما قال منظرهم في ذلك و اعتمادها في مسألة خطيرة مثل مسألة الكفر و الإيمان أليس كل ذلك يدعو للريبة . وهذه مسألة قول الصحابي هل هو حجة أم لا وقد لخصها بعضهم بقوله «المسألة الرابعة، الحق أن قول الصحابي ليس بحجة، وقال قوم إنه حجة مطلقا ومنهم من فصل وذكروا وجوهًا: (أحدها) أنه حجة إن خالف القياس. (ثانيهما) أن قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حجة فقط. و(ثالثها) أن قول الخلفاء الأربعة حجة. ولنا النص والإجماع والقياس أما [صفحة 39] النص فقوله تعالى فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓاأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ  [سورة الحشر جزء من آية: 2]. وذلك ينافي جواز التقليد، وأما الإجماع فهو أن الصحابة أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما، ولا كل واحد منهما على صاحبه فيما فيه اختلفا، وأما القياس فهو أنه متمكن من إدراك الحكم بطريقة فوجب أن يحرم عليه التقليد كما في الأصول»(1). زاد الشوكاني في أدلة منكري حجية قول الصحابي فقال: «والحق أنه ليس بحجة فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمدا ، وليس لنا إلا رسول واحد وكتاب واحد، وجميع هذه الأمة مأمورة باتباع كتابه وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة وبين من بعدهم في ذلك، فمن قال انما تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة رسوله، وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما لم يثبت، وأثبت في هذه الشريعة شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم ونسب هذا المذهب للجمهور»(2). وقد استدل أصحاب الرأي المخالف عموما بعدة أدلة توهم الإحتجاج بقول الصحابي، أو فعله، هذا والقائلين بهذا الرأي يرون أن العمل على قول الصحابي هنا يعمل به في عين المسألة التي خالفت ظاهر النص لأنه أخبر بمراد النبي  من هذا الظاهر(3). أدلة المحتجين بأقوال وأفعال الصحابة: أولًا: ما روى عن النبي  أنه قال: «أصحابي كالنجوم بأيهما اقتديتم اهتديتم» قال ابن حزم: «وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب»(4). قال الشوكاني «فهذا لم يثبت قط»(5). قال الألباني «موضوع»(6). ثانيا: ما جاء عن النبي  أنه قال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»(7) رواه أبو داود قال الألباني: والترمذي قال «حديث حسن صحيح، وقال الهروي وهذا من أجود حديث أهل الشام، وقال البزار حديث ثابت صحيح، وقال الحاكم صحيح ليس له علة»(8). (الرد): أولا: أن الصحابة أنفسهم لم يفهموا من هذا الحديث وجوب اتباع سنن الخلفاء الأربعة وإن خالفت النص. قال الرازي: «أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما، ولا كل واحد منهما على صاحبه فيما فيه اختلفا»(9).كما أن غاية ما فيه هو اتباع سنة الخلفاء لا غيرهم لو سلم لهم الاستدلال إذن نقول من أراد أن يتبع سنة الخلفاء التي أجمعوا عليها فلا ينكر على من خالف سنتهم وطريقتهم لظهور النص عنده بخلافه، بل أكثر من ذلك فالأربعة متفقون على تقديم النص على قول أي واحد منهم، فاتباع سنتهم جميعا هي تقديم النص على قول كل أحد منهم ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية. 1- مخالفة أبي بكر لعمر للنص: __________ (1) () الرازي (محمد بن عمر بن الحسن)، المحصول، مؤسسة الرسالة، ط (3)، 1418هـ-1997م (6/130). (2) () الشوكاني (محمد بن علي بن محمد)، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، دار الكتاب العربي، ط (1)، 1319هـ - 1999م (2/182-188). (3) () المرجع السابق (1/162). (4) () ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق (5/64). (5) () الشوكاني، إرشاد الفحول، مرجع سابق (2/188). (6) () الألباني (محمد ناصر الدين)، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، دار المعارف، الرياض، ط (1)، 1412هـ - 1992م (1/144). (7) () أبو داود، سنن أبي داود، مرجع سابق، حديث رقم (4607). (8) () الألباني، إرواء الغليل، مرجع سابق (8/108). (9) () الرازي، المحصول، مرجع سابق (5/130). [صفحة 40] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله  وكان أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال»(10)، فهنا عارض عمر الخليفة بالنص واحتج عليه الخليفة بفهم النص أيضا ولو كانت معارضته لا تجوز، ويقدم رأيه على النص، لأنكر عليه ذلك، فعلمنا أن سنة أبي بكر هي تقديم النص على قول عمر. 2- مخالفة امرأة لعمر للنص: بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليها أحد حتى عمر نفسه عندما نهى عن المغالاة في المهور فعارضته المرأة بالآية (و اتيتم إحداهن قنطارا ) [سورة النساء جزء من آية: 20](11). ولوكان عمر لا يرى معارضة رأيه بالنص لأنكر عليها، بل رجع عمر إلى قولها، فعلمنا أن سنة عمر رضي الله عنه هي تقديم النص على قول الخلفاء الذي هو منهم. 3- معارضة علي لعثمان للنص: عن سعيد ابن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي «ما تريد إلى أمر فعله رسول الله  تنهى عنه؟ قال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا»(12)، وزاد القاسم بن سلام: «فقال عثمان: تراني أنهى الناس فتفعله: قال: لم أكن لأدع سنة رسول الله  لقول أحد من الناس»(13)، فعلمنا أن سنة علي هي تقديم النص على قول أو فعل الخلفاء، يقول الصنعاني «السادس: من أدلة المقلدين قالوا حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي أبو بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد. الجواب: أن الاهتداء بهم اتباع الكتاب والسنة والقبول لما فيهما والدعاء إليهما وتحريم التقليد إذ لم يؤثر عنهم وقد صح عن ابن مسعود وهو ابن أم عبد النهي عن التقليد وقال: لا يكون الرجل إمعة لا بصيرة له، ثم من المعلوم أن أحدًا منهم لم يكن يدع السنة بقول أي قائل، ثم إن سنة الخلفاء الراشدين وطريقتهم اتباع الكتاب والسنة فالأخذ بسنتهما اتباع السنة النبوية والقرآن»(14). ثالثًا: قالوا إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم بما شهدوا وقد جاء الثناء عليهم. (الرد): قال ابن حزم: «ليس وجوب الثناء عليهم بموجب أن يقلدوا إذ قد ذكر رسول الله  أن أبا بكر وعمرو هما أفضل رجالهم بعد رسول الله  قد أخطئا كما...، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النبي  فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس فنزل في ذلك(((يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ ‌فَوۡقَ ‌صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ __________ (10) () البخاري، صحيح البخاري، مرجع سابق، حديث (1399). (11) () الغزالي (محمد بن محمد الطوسي)، المستصفى، دار الكتب العلمية، ط (1)، 1413هـ-1993م، 1/361 . (12) () مسلم، صحيح مسلم، مرجع سابق، حديث رقم (1223). (13) () العدوي (أبو عبيد القاسم بن سلام)، الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز، مكتبة الرشد، الرياض، 1418هـ، حديث رقم (338). (14) () الصنعاني (محمد بن إسماعيل بن صلاح)، إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد، الدار السلفية، الكويت، ط (1)، 1405هـ (1/166). [صفحة 41] لَا تَشۡعُرُونَ ))  [سورة الحجرات الآية: 2] قال ابن الزبير فكان عمر بعد إذا حدث النبي  بحديث حدثه كأخي السرار، قال أبو محمد فمن أخطأ فغير جائز أن يؤخذ بقوله بغير برهان يصححه، وأما قوله : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» فقد علمنا أنه  لا يأمر بما لا يقدر عليه ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده  قد اختلفوا خلافا شديدا، فلا بد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه وهذا مالا سبيل إليه ولا يقدر عليه، إذ فيه الشيء وضده، فبطل هذا الوجه، أو يكون مباحا لنا أن نأخذ بأي ذلك شئنا وهذا خروج عن الإسلام لأنه يوجب أن يكون دين الله تعالى موكولا إلى اختيارنا، وأيضا فلو كان هذا لكنا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم ولابد من ذلك، فلسنا حينئذ متبعين لسنتهم، فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور. فلم يبق إلا الوجه الثالث وهو: أخذ ما أجمعوا عليه، وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة رضوان الله عليهم معهم في تتبعهم سنن النبي  والقول بها»(15). ((«الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم» (2/ 12): «ووجدنا الصاحب من الصحابة رضي الله عنهم يبلغه الحديث فيتأول فيه تأويلا يخرجه به عن ظاهره ووجدناهم رضي الله عنهم يقرون ويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن وهكذا الحديث المشهور عن أبي هريرة إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم وهكذا قال البراء حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى العنزي ثنا أبو أحمد الزبيري وسفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب قال أما كل ما تحدثتموه سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حدثنا أصحابنا وكانت تشغلنا رعية الإبل وهذا أبو بكر رضي الله عنه لم يعرف فرض ميراث الجدة وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وقد سأل أبو بكر رضي الله عنه عائشة في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا عمر رضي الله عنه يقول في حديث الاستئذان أخفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني الصفق في الأسواق وقد جهل أيضا أمر إملاص المرأة وعرفه غيره وغضب على عيينة بن حصن حتى ذكره الحر بن قيس بن حصن بقوله تعالى {خذ لعفو وأمر بالعرف وأعرض عن لجاهلين} وخفي عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته وخفي على أبي بكر رضي الله عنه قبله أيضا طول مدة خلافته فلما بلغ ذلك عمر أمر بإجلائهم فلم يترك بها منهم أحدا وخفي على عمر أيضا أمره عليه السلام بترك الإقدام على الوباء وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتي الفطر والأضحى وهذا وقد صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أعواما كثيرة ولم يدر ما يصنع بالمجوس حتى ذكره عبد الرحمن بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ونسي قبوله عليه السلام الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور ولعله رضي الله عنه قد أخذ من ذلك المال حظا كما أخذ غيره منه، ونسي أمره عليه السلام بأن يتيمم الجنب فقال لا يتيمم أبدا ولا يصلي ما لم يجد الماء وذكره بذلك عمار ،وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك فأمسك ـ وكان يرد النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودعن البيت حتى أخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك فأمسك عن ردهن، وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمساواة بينها فترك قوله وأخذ بالمساواة وكان يرى الدية للعصبة فقط حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي صلى الله عليه وسلم ورث المرأة من الدية فانصرف عمر إلى ذلك ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالا بمهور النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذكرته امرأة فرجع عن نهيه وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة فأمر ألا ترجم وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه فأمسك عن رجمها وأنكر على حسان الإنشاد في المسجد فأخبره هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت عمر وقد خفي على الأنصار وعلى المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة أم المؤمنين وجوب الغسل من الإيلاج إلا أن يكون أنزل وهذا مما تكثر فيه البلوى وخفي على عائشة وأم حبيبة __________ (15) () ابن حزم، الأحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق (6/79). [صفحة 42] أمي المؤمنين وابن عمر وأبي هريرة وأبي موسى وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسائر الجلة من فقهاء المدينة وغيرهم نسخ الوضوء مما مست النار وكل هذا تعظم البلوى به وتعم وهذا كله وما بعد هذا يبطل ما قاله من لا يبالي بكلامه من الحنفيين والمالكيين إن الأمر إذا كان مما تعم البلوى به لم يقبل خبر الواحد والعجب أن كلتا الطائفتين قد قبلت أخبارا خالفها غيرهم تعم البلوى كقبول الحنفيين الوضوء من الضحك وجهله غيرهم وكقبول المالكيين اليمين مع الشاهد وجهله غيرهم ومثل هذا كثير جدا حدثنا محمد بن سعيد ثنا أحمد به عبد النصير حدثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا صخر بن جويرية حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير أن عبد الرحمن بن الأسود أخبره قال كنت جالسا مع أبي بعرفة وابن الزبير يخطب الناس فقال ابن الزبير إن هذا يوم تكبير وتحميد وتهليل فكبروا الله واحمدوه وهللوا فقام أبي يجوس حتى انتهى إليه فأصغى إليه فقال أشهد لسمعت عمر بن الخطاب على هذا المنبر يلبي فقال ابن الزبير لبيك اللهم لبيك وكان صيتا قال أبو محمد فقد خفي هذا كما ترى على ابن الزبير وغيره وهو مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد نهى عمر أن يسمى بأسماء الأنبياء وهو يرى محمد بن مسلمة يغدو عليه ويروح وهو أحد الصحابة الجلة منهم ويرى أبا أيوب الأنصاري وأبا موسى الأشعري وهما لا يعرفان إلا بكناهما من الصحابة ويرى محمد بن أبي بكر الصديق وقد ولد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حجة الوداع واستفتته أمه إذ ولدته ماذا تصنع في إحرامها وهي نفساء وقد علم يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأسماء من ذكرنا وبكناهم بلا شك وأقرهم عليها ودعاهم بها ولم يغير شيئا من ذلك عليه السلام فلما أخبره طلحة وصهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم بإباحة ذلك أمسك عن النهي عنه وهم بترك الرمل في الحج ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فقال لا يجب لنا أن نتركه وهذا عثمان رضي الله عنه فقد رووا عنه أنه بعث إلى الفريعة أخت أبي سعيد الخدري يسألها عما أفتاها به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر عدتها وأنه أخذ بذلك وأمر برجم امرأة قد ولدت لستة أشهر فذكره علي بالقرآن وأن الحمل قد يكون ستة أشهر فرجع عن الأمر برجمها وهذا علي رضوان الله عليه يعترف بأن كثيرا من الصحابة كانوا يحدثونه بما ليس عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يستحلفهم على ذلك حاشا أبا بكر فإنه كان لا يستحلفه وأن الله تعالى كان ينفعه بما شاء أن ينفعه مما سمع من ذلك مما لم يكن عنده قبل ذلك وهذا طلحة يبيح الذهب بالفضة نسيئة حتى ذكره عمر وهذا ابن عمر وابن عباس يبيعان الدرهم بالدرهمين حتى ذكرا فأمسكا ثم رواه ابن عمر عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره مسلم فرجع ابن عمر إلى ذلك وترك رأيه ثم رواه ابن عمر فقال هذا عهد نبينا إلينا ذكره مالك عن حميد عن مجاهد عن ابن عمر وصدق ابن عمر ونحن نقول في حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغنا هذا عهد نبينا إلينا فهكذا نحمل أمر جميع ما روي من رواية الصاحب للحديث ثم روي عنه مخالفته إياه أنه إنما أفتى بخلاف الحديث قبل أن يبلغه فلما حدث بما بلغه لا يحل أن يظن بالصاحب غير هذا وهذا نص ما ذكرنا عن ابن عمر ببيان لا يخفى وأنهم تأولوا فيما سمعوا من الحديث ومن حمل ذلك على غير ما قلنا فإنه يوقع الصاحب ولا محالة تحت أمرين وقد أعاذهم الله تعالى منهما كلاهما ضلال وفسق وهما إما المجاهرة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يحل لأحد ولا يحل أن يظن بهم وإما أن يكون عندهم علم أوجب عليهن مخالفة ما رووا فما هم في حل أن يكتموه عنا ويحدثوا بالمنسوخ ويكتموا عنا الناسخ وهذه الصفة كفر من فاعلها وتلبيس في الدين ولا ينسب هذا إليهم إلا زائغ القلب أو جاهل أعمى القلب فبطل ظنهم الفاسد وصح قولنا والحمد لله رب العالمين ولا سبيل إلى وجه ثالث أصلا إلا أن يكونوا نسوا حينئذ بعض ما قد رووه قبل ذلك فهذا ممكن أيضا فإن كانوا تأولوا فالتأويل منهم رضي الله عنهم ظن وروايتهم على النبي صلى الله عليه وسلم يقين ولا يحل لمسلم أن يترك اليقين للظن فارتفع الإشكال جملة في هذا الباب والحمد لله رب العالمين وأما هم رضوان الله عليهم فمعذورون لأنه اجتهاد منهم مع أن ذلك منهم أيضا قليل جدا وليس كذلك من يقلدهم بعد أن نبه على ما ذكرناه وهذه عائشة وأبو هريرة رضي الله عنهما خفي عليهما المسح على الخفين وعلى ابن عمر معهما وعلمه جرير ولم يسلم إلا قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بأشهر وأقرت عائشة أنها لا علم لها به وأمرت بسؤال من يرجى عنده علم ذلك وهو علي رضي الله عنه وهذه حفصة أم المؤمنين سئلت عن الوطء يجنب فيه الواطىء أفيه غسل أم لا فقالت لا علم لي وهذا ابن عمر توقع أن يكون حدث نهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض بعد أزيد من أربعين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم فأمسك عنها وأقر أنهم كانوا يكرونها على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يقل إنه لا يمكن أن يخفى على هؤلاء ما يعرف رافع وجابر وأبو هريرة وهؤلاء إخواننا يقولون فيما اشتهوا لو كان هذا حقا ما خفي على عمر وقد خفي على زيد بن ثابت وابن عمر وجمهور أهل المدينة إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للحائض أن تنفر حتى أعلمهم بذلك ابن عباس وأم سليم فرجعوا عن قولهم وخفي على ابن عمر الإقامة حتى يدفن الميت حتى أخبره بذلك أبو هريرة وعائشة فقال لقد فرطنا في قراريط [صفحة 43] كثيرة وقيل لابن عمر في اختياره متعة الحج على الإفراد إنك تخالف أباك فقال أكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر روينا ذلك عنه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وخفي على عبد الله بن عمر الوضوء من مس الذكر حتى أمرته بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بسرة بنت صفوان فأخذ بذلك وخفي على ابن عباس النهي عن المتعة وعن تحريم الحمر الأهلية حتى أعلمه بذلك علي رضي الله عنه وقال ابن عباس ألا تخافون أن يخسف الله بكم الأرض أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر وهؤلاء الأنصار نسوا قوله عليه السلام الأئمة من قريش وقد رواه أنس وقد روى عبادة بن الصامت ما يدل على ذلك وما كانوا يتركون اجتهادهم إلا لأمر بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أبو هريرة يذكر أنهم كانوا رضوان الله عليهم تشغلهم أموالهم ومتاجرهم وأنه هو كان يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضر ما لا يحضرون وقد ذكرنا هذا الحديث في باب الإجماع في ديواننا هذا في فصل ترجمته (إبطال قول من قال إن الجمهور إذا أجمعوا على قول وخالفهم واحد فإنه لا يلتفت إلى قوله) فأغنى ذكرنا إياه هنالك عن ترداده ههنا وإذا وجدنا الصاحب تخفى عليه السنة أو تبلغه فيتأول فيها التأويلات كما فعلوا في تحريم الحمر فإن البخاري روى أنهم اختلفوا فمن قائل حرمت لأنها كانت تأكل العذرة ومن قائل لأنها لم تخمس ومن قائل إنه خشي فناء الظهر وقال بعضهم بل حينئذ حرمت البتة قال علي وكل ذلك باطل إلا قول من قال حرمت البتة وقد جاء النص بتحريمها لعينها ولأنها رجس روى ذلك أنس فلما صح كل ما ذكرنا وبطل التقليد جملة( فما) وجب أن يؤخذ برأي صاحب وإن تعرى من مخالفة الخبر فكيف إذا استضاف إلى مخالفة الخبر وقد كتبنا في باب إبطال التقليد من هذا الكتاب ما أفتوا به رضوان الله عليهم فأخبر عليه السلام أنه ليس كذلك قال علي وكل ما تعلق به أهل اللواذ عن الحقائق عند غلبة الحيرة عليهم من مثل هذا وشبهه فهم أترك خلق الله تعالى له)) و جاء في ((«الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم» (2/ 127): «وقد كان ‌علم ‌التيمم عند عمار وغيره وجهله عمر وابن مسعود فقالا لا يتيمم الجنب ولو لم يجد الماء شهرين وكان حكم المسح عند علي وحذيفة رضي الله عنهما وغيرهم وجهلته عائشة وابن عمر وأبو هريرة وهم مدنيون وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود وجهله أبو موسى وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وعند أبي سعيد وجهله عمر وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف عند ابن عباس وأم سليم وجهله عمر وزيد بن ثابت وكان حكم تحريم المتعة والحمر الأهلية عند علي وغيره وجهله ابن عباس وكان حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما وجهله طلحة وابن عباس وابن عمر وكان حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب عند ابن عباس وعمر فنسيه عمر سنين فتركهم حتى ذكر فذكر فأجلاهم وكان علم الكلالة عند بعضهم ولم يعلمه عمر وكان النهي عن بيع الخمر عند عمر وجهله سمرة وكان حكم الجدة عند المغيرة ومحمد بن مسلمة وجهله أبو بكر وعمر وكان حكم أخذ الجزية من المجوس وألا يقدم على بلد فيه الطاعون عند عبد الرحمن بن عوف وجهله عمر وأبو عبيدة وجمهور الصحابة رضوان الله عنهم وكان حكم ميراث الجد عند معقل بن سنان وجهله عمر ومثل هذا كثير جدا فمضى الصحابة على ما ذكرنا ثم خلف بعدهم التابعون الآخذون عنهم وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا )) قال ابن حزم (( «الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم» (6/ 76): «وأما ما تعلقوا به بما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله لأبي بكر وعمر لولا اختلافكما علي ما خالفتكما فأول ذلك أن هذا خبر لا يصح ولو صح لكان حجة في إبطال تقليدهما لأن الأمر الموجود فيهما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخذ برأيهما في أمور الدنيا ففرض علينا اتباعه صلى الله عليه وسلم وألا نأخذ بقولهما في أمور الشريعة وهذا بين وأما قوله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين فقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر بما لا يقدر عليه ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا اختلافا شديدا فلا بد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها إما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه وهذا ما لا سبيل إليه ولا يقدر عليه إذ فيه الشيء وضده ولا سبيل إلى أن يورث أحد الجد دون الإخوة بقول أبي بكر وعائشة ويورثه الثلث فقط وباقي ذلك للإخوة على قول عمر ويورثه السدس وباقيه للإخوة على مذهب علي وهكذا في كل ما اختلفوا فيه فبطل هذا الوجه [صفحة 44] لأنه ليس في استطاعة الناس أن يفعلوه فهذا وجه أو يكون مباحا لنا بأن نأخذ بأي ذلك شيئا وهذا خروج عن الإسلام لأنه يوجب أن يكون دين الله تعالى موكولا إلى اختيارنا فيحرم كل واحد منا ما يشاء ويحل ما يشاء ويحرم أحدنا ما يحله الآخر وقول الله تعالى {حرمت عليكم الميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} وقوله تعالى {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} وقوله تعالى {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} يبطل هذا الوجه الفاسد ويوجب أن ما كان حراما حينئذ فهو حرام إلى يوم القيامة وما كان واجبا يومئذ فهو واجب إلى يوم القيامة وما كان حلالا يومئذ فهو حلال إلى يوم القيامة وأيضا فلو كان هذا لكنا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم ولا بد من ذلك فلسنا حينئذ متبعين لسنتهم فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور وحصلوا فيه شاؤوا أو أبوا ولقد أذكرنا هذ مفتيا كان عندنا بالأندلس وكان جاهلا فكانت عادته أن يتقدمه رجلان كان مدار الفتيا عليهما في ذلك الوقت فكان يكتب تحت فتياهما أقول بما قاله الشيخان فقضى أن ذينك الشيخين اختلفا فلما كتب تحت فتياهما ما ذكرنا قال له بعض من حضر إن الشيخين اختلفنا فقال وأنا أختلف باختلافهما قال أبو محمد فإذ قد بطل هذان الوجهان فلم يبق إلا الوجه الثالث وهو أخذ ما أجمعوا عليه وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة رضوان الله عليهم معهم وفي تتبعهم سنن النبي صلى الله عليه وسلم والقول بها وأيضا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمر باتباع سنن الخلفاء الراشدين لا يخلو ضرورة من أحد وجهين إما أن يكون صلى الله عليه وسلم أباح أن يسنوا سننا غير سننه فهذا ما لا يقوله مسلم ومن أجاز هذا فقد كفر وارتد وحل دمه وماله لأن الدين كله إما واجب أو غير واجب وإما حرام وإما حلال لا قسم في الديانة غير هذه الأقسام أصلا فمن أباح أن يكون للخلفاء الراشدين سنة لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أباح أن يحرموا شيئا كان حلالا على عهده صلى الله عليه وسلم إلى أن مات أو أن يحلوا شيئا حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يوجبوا فريضة لم يوجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسقطها إلى أن مات وكل هذه الوجوه من جوز منها شيئا فهو كافر مشرك بإجماع الأمة كلها بلا خلاف وبالله تعالى التوفيق فهذا الوجه قد بطل ولله الحمد وأما أن يكون أمر باتباعهم في اقتدائهم بسنته صلى الله عليه وسلم فهكذا نقول ليس يحتمل هذا الحديث وجها غير هذا أصلا وقال بعضهم إنما نتبعهم فيما لا سنة فيه قال أبو محمد وإذ لم يبق إلا هذا فقد سقط شغبهم وليس في العالم شيء إلا وفيه سنة منصوصة وقد بينا هذا في باب إبطال القياس من كتابنا هذا وبالله تعالى التوفيق واحتجوا بما أخبرناه عبد الله بن ربيع قال نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن بشار نا أبو عمر نا سفيان هو الثوري عن الشيباني هو أبو إسحاق عن الشعبي عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما قضى به الصالحون فإن لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقض فيه الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرا لك والسلام عليكم قال أبو محمد وهذا عليهم لا لهم لأن عمر لم يقل بما قضى به بعض الصالحين وإنما قال ما قضى به الصالحون فهذا هو إجماع جميع الصالحين وفي هذا الحديث إباحة عمر ترك الحكم بالقياس واختياره لذلك ويقال لهم في احتجاجهم بما روي من الأمر بإلتزام سنة الخلفاء الراشدين المهديين هذا حجة عليكم لأن سنة الخلفاء الراشدين المهديين كلهم بلا خلاف منهم ألا يقلدوا أحدا وألا يقلد بعضهم بعضا وأن يطلبوا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وجدوها فينصرفوا إليها ويعملوا بها وقد أنكر عمر رضي الله عنه أشد الإنكار على رجل سأله عن مسألة في الحج فلما أفتاه قال له الرجل هكذا أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه عمر بالدرة وقال له سألتني عن شيء قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أخالفه رويناه من طريق عبد الرزاق وقال عمر رضي الله عنه إن الرأي منا هو التكلف وإن الرأي من النبي صلى الله عليه وسلم كان حقا قال أبو محمد فمن كان متبعا لهم فليتبعهم في هذا الذي اتفقوا فيه من ترك التقليد وفيما أجمعوا عليه من اتباع سنن النبي صلى الله عليه وسلم وفيما نهوا عنه من [صفحة 45] التكلف فإنه يوافق بذلك الحق وقول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الخلفاء قد خالفهم من في عصرهم فقد خالف عمر زيد وعلي وغيرهما وخالف عثمان وعمر وخالف عمر أبا بكر في قضايا كثيرة فما منهم أحد قال لمن خالفه لم خالفتني وأنا إمام فلو كان تقليدهم واجبا لما تركوا أحدا يعمل بغير الواجب وأما تمويه من احتج بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} فهذه الآية مبطلة للتقليد إبطالا لا خفاء به وهي أعظم الحجج عليهم لأنه تعالى إنما أمر بطاعتهم فيما نقلوه إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في غير ذلك وإن قالوا بل فيما قالوه باجتهادهم قلنا قد سلف منا إبطال هذا الظن ثم لو سلم ذلك لما وجب ذلك إلا في جميعهم لا في بعضهم لأن الله عز وجل لم يقل وبعض أولي الأمر منكم وإنما أمرنا باتباع أولي الأمر منا وهم أهل العلم كلهم فإذا أجمعوا على أمر ما فلا خلاف في وجوب اتباعهم وقد بين تعالى ذلك في الآية نفسها ولم يدعنا في لبس فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} فأسقط تعالى عند التنازع الرد إلى أولي الأمر وأوجب الرد إلى القرآن والسنة فقط وإنما أمر بطاعة أولي الأمر منا ما لم يكن تنازع وهذا هو قولنا ولله الحمد وأما الرواية إن معاذا سن لكم فقد قلنا إنه حديث لا يصح سنده ولو صح لما كانت لهم فيه حجة لأن الدخول مع الإمام كيد وجد ليس من قبل أن معاذا فعله لكن من قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم صوبه وأمر به فقوله صلى الله عليه وسلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وإلا فقد فعل معاذ في تطويل الصلاة أمرا غضب منه صلى الله عليه وسلم ونهاه عن العودة فلو كان ما فعل معاذ سنة لكان تطويله الصلاة إذ أم الناس سنة وهذا خطأ فصح أنه ليس فعل معاذ ولا غيره سنة إلا حتى يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ويصححها وهذا قولنا لا قولهم وأما الرواية اقتدوا باللذين من بعدي فحديث لا يصح لأنه مروي عن مولى لربعي مجهول وعن المفضل الضبي وليس بحجة كما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور نا أحمد بن الفضل الدينوري نا محمد بن جبير نا عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي نا محمد بن كثير الملائي نا المفضل الضبي عن ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل العتري عن جدته عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد وكما حدثناه أحمد بن قاسم قال نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ قال حدثني قاسم بن أصبغ نا إسماعيل بن إسحاق القاضي نا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير عن مولى الربعي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد وأخذناه أيضا عن بعض أصحابنا عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي عن ابن الدخيل عن العقيلي نا محمد بن إسماعيل نا محمد بن فضيل نا وكيع نا سالم المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله رجل من أصحاب حذيفة عن حذيفة قال أبو محمد سالم ضعيف وقد سمى بعضهم المولى فقال هلال مولى ربعي وهو مجهول لا يعرف من هو أصلا ولو صح لكان عليهم لا لهم لأنهم نعني أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي أترك الناس لأبي بكر وعمر وقد بينا أن أصحاب مالك خالفوا أبا بكر مما رووا في الموطأ خاصة في خمسة مواضع وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ خاصة وقد ذكرنا أيضا أن عمر وأبا بكر اختلفا وأن اتباعهما فيما اختلفا فيه متعذر ممتنع لا يقدر عليه أحد وإنما الصحيح في هذا الباب ما ناولنيه بعض أصحابنا وحدثنيه أيضا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري كلاهما عن أبي الوليد عبد الله بن يوسف القاضي عن ابن الدخيل عن العقيلي نا محمد بن إسماعيل نا إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الله بن أبي عبد الله البصري وثور بن يزيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم اعقلوا أيها الناس قولي فقد بلغت وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه)) وبه إلى العقيلي ثنا موسى بن إسحاق ثنا محمد بن عبيد المحاربي ثنا صالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدا ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولم يتفرقا حتى يردا علي الحوض)) وأما الرواية أصحابي كالنجوم فرواية ساقطة وهذا حديث حدثنيه أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري قال أنا أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي الأنصاري قال أنا علي بن عمر بن أحمد الدارقطني ثنا القاضي أحمد كامل بن كامل خلف ثنا عبد الله بن روح ثنا سلام بن سليمان ثنا الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي [صفحة 46] سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم قال أبو محمد أبو سفيان ضعيف والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك فهذا رواية ساقطة من طريق ضعيف إسنادها وكتب إلي أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري أن هذا الحديث روي أيضا من طريق عبد الرحمن بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر قال وعبد الرحيم بن زيد وأبوه متروكان وحمزة الجزري مجهول وكتب إلي النمري حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد الرحمن بن مفرج حدثهم قال ثنا محمد بن أيوب الصموت قال قال لنا البزار وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا كلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو محمد فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلا بلا شك أنها مكذوبة لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه صلى الله عليه وسلم {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} فإذا كان كلامه صلى الله عليه وسلم في الشريعة حقا كله فهو من الله تعالى بلا شك وما كان من الله تعالى فلا اختلاف فيه بقوله تعالى {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم وفيهم من يحلل الشيء وغيره منهم يحرمه ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن جندب ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة وحراما اقتداء بغيره منهم ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبا اقتداء بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب وحراما اقتداء بعائشة وابن عمر ولكان بيع الثمر قبل ظهور الطيب فيها حلالا اقتداء بعمر حراما اقتداء بغيره منهم وكل هذا مروي عندنا بالأسانيد .أ.ه فالحاصل مما ذكرنا عدم وجود دليل صريح على حجية قول أحد من الصحابة فضلا عمن دونهم فإن قالوا إن قولهم حجة في الاعتقادات فيكفر مخالفهم فالجواب ((قال ابن تيمية ((وقال في مختصر الفتاوى المصريّة : ( وتقسيم الْمسَائِل إِلَى مسَائِل أصُول يكفْر بإنكارها ومسائل فروع لَا يكفر بإنكارها لَيْسَ لَهُ أصل لَا عَن الصَّحَابَة وَلَا عَن التَّابِعين وَلَا عَن ائمة الاسلام وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ عَن الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من أَئِمَّة الْبِدْعَة وهم متناقضون فَإِذا قيل لَهُم مَا حد أصُول الدّين فَإِن قيل مسَائِل الِاعْتِقَاد يُقَال لَهُم قد تنَازع النَّاس فِي أَن مُحَمَّدًا هَل رأى ربه وَفِي أَن عُثْمَان أفضل أم عَليّ وَفِي كثير من مَعَاني الْقُرْآن وَتَصْحِيح بعض الْأَحَادِيث وَهِي اعتقادات وَلَا كفر فِيهَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَوُجُوب الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَتَحْرِيم الْفَوَاحِش وَالْخمر هِيَ مسَائِل عمليه وَالْمُنكر لَهَا يكفر اتِّفَاقًا ... وَإِن قيل الْأُصُول هِيَ القطعية فَيُقَال كثير من مسَائِل النّظر لَيست قَطْعِيَّة وَكَون الْمَسْأَلَة قَطْعِيَّة أَو ظنية هِيَ أُمُور تخْتَلف باخْتلَاف النَّاس فقد يكون قَاطعا عِنْد هَذَا مَا لَيْسَ قَاطعا عِنْد هَذَا كمن سمع لفظ النَّص وتيقن مُرَاده وَلَا يبلغ قُوَّة النَّص الآخر عِنْده فَلَا يكون عِنْده ظنيا فضلا عَن كَونه قَطْعِيا ... وَالْمَقْصُود أَن مَذَاهِب الْأَئِمَّة الْفرق بَين النَّوْع وَالْعين وَمن حكى الْخلاف لم يفهم غور قَوْلهم ... فطائفة تحكي عَن أَحْمد فِي تَكْفِير أهل الْبدع مُطلقًا رِوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ هَذَا مذهبا لِأَحْمَد وَلَا لغيره من الْأَئِمَّة وَكَذَلِكَ تَكْفِير الشَّافِعِي لحفص الْفَرد حِين قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي كفرت أَي قَوْلك كفر وَلِهَذَا لم يسع فِي قَتله وَلَو كَانَ عِنْده كَافِر لسعي فِي قَتله)) فتبين مما سبق اختلاف الصحابة في بعض مسائل الاعتقاد تأويلا فلم يكفر بعضهم بعضا و سيأتي بعد ذلك صريحا عدم تكفير ابن عباس للخوارج و عدهم من المتأولين و عذرهم بالتأويل فإذا كانت أقوالهم حجة فيلزمهم اتباعهم لهم في مسألة العذر بالتأويل هذه فلا يكفروا متأولا حتى لو كان تأويله تحت ما أدخلوه في مسألة الاعتقادات و إلا فقد تناقضوا وسنفرد لمسألة العذر بالتأويل مبحثا مستقلا إن شاء الله [صفحة 47] وكل ما سبق من الكلام في عدم حجية قول الصحابي يقال من باب أولى على مانقل عن التابعين فمن دونهم إلا أنه من الملاحظ بعد تتبعي لقول منظريهم أنهم لم يأتوا بنص واحد عن الصحابة في تكفير المتأول من أهل الأهواء ولا تكفير العاذر و أنقل هنا نقلين أحدهم عن القاضي عياض و الاخر عن ابن حزم أن مذهب الصحابة كان العذر بالتأويل . (ما نقل عن الصحابة في تكفير المتأول )(1)((قال القاضي عياض 00 اختلف الناس في إكفار أهل التأويل وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلواة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأى الخوارج والاعتزال فما أزاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفى والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر(قلت راجع هنا حديث علي و ابن عباس مع الخوارج وقد ذكرته لا حقا من قول ابن عباس للخوارج عن عائشة (أتسبون أمكم )فهذا ظاهر في عدم تكفير ابن عباس لهم إذ سمى عائشة أم المؤمنين أما لهم هذا .وقد نقل الأشعري نصاً (وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن)[مقالات الإسلاميين:108) فهذا دليل على أن ابن عباس كان يعذر المتأول منهم ومع ذلك لم يكفره الصحابة بذلك ) [صفحة 48] وقال (( وممن روى عنه معنى القول الآخر بترك تكفيرهم على بن أبى طالب وابن عمر والحسن البصري وهو رأى جماعة من الفقهاء النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصحابة والتابعين ورثة أهل حروراء ومن عرف بالقدر ممن مات منهم ودفنهم في مقابر المسلمين وجرى أحكام الإسلام عليهم،)) وكان ابن عمر رضي الله عنه يصلي خلف نجدة الخارجي جاء في «أصول السنة لابن أبي زَمَنِين» (ص283): «أَسَدٌ قَالَ حَدَّثَنِي اَلرَّبِيعُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَوَّارَ بْنِ شَبِيبٍ قَالَ: ‌حَجَّ ‌نَجْدَةُ ‌الْحَرُورِيُّ فِي أَصْحَابِهِ فَوَادَعَ اِبْنَ اَلزُّبَيْرِ فَصَلَّى هَذَا بِالنَّاسِ يَوْمًا وَلَيْلَةٍ، وَهَذَا بِالنَّاسِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَصَلَّى اِبْنُ عُمَرَ خَلْفَهُمَا فَاعْتَرَضَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ أَتُصَلِّي خَلْفَ نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ? فَقَالَ اِبْنُ عُمَرَ: إِذَا نَادَوْا حَيَّ عَلَى خَيْرِ اَلْعَمَلِ أَجَبْنَا، وَإِذَا نَادَوْا حَيَّ عَلَى قَتْلِ نَفْسٍ قُلْنَا: لَا، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ.» قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف، وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهماً بالإلحاد وداعياً إلى الضلال) (٧) مجموع الفتاوى 3/281 [صفحة 49] قال ابن حزم((وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه ‌لَا ‌يكفر وَلَا يفسق مُسلم بقول قَالَه فِي اعْتِقَاد أَو فتيا وَإِن كل من اجْتهد فِي شَيْء من ذَلِك فدان بِمَا رأى أَنه الْحق فَإِنَّهُ مأجور على كل حَال أَن أصَاب الْحق فأجران وَإِن أَخطَأ فأجر وَاحِد وَهَذَا قَول ابْن أبي ليلِي وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَدَاوُد بن عَليّ رَضِي الله عَن جَمِيعهم وَهُوَ قَول كل من عرفنَا لَهُ قولا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لَا نعلم مِنْهُم فِي ذَلِك خلافًا أصلا إِلَّا مَا ذكرنَا من اخْتلَافهمْ فِي تَكْفِير من ترك صَلَاة مُتَعَمدا حَتَّى خرج وَقتهَا أَو ترك أَدَاء الزَّكَاة أَو ترك الْحَج أَو ترك صِيَام رَمَضَان أَو شرب الْخمر وَاحْتج من كفر بِالْخِلَافِ فِي الاعتقادات بأَشْيَاء نوردها إِن شَاءَ الله عز وَجل) لكنهم لا يقنعون بابن حزم ولا بالقاضي عياض لأنهم من الأشاعرة أو الجهمية على رأيهم لكنهم كثيرا ما يتناقضون فكتبهم تطفح بنقولات من قالوا بتضليلهم مثل ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم إذا رأوا فيها ما يدعم قولهم و لا أدري كم هذا التناقض فمرة هؤلاء كفار لا يقبل قولهم و مرة يسوقون مقالاتهم و أوجه استدلالهم لذلك سأناقش المسألة بالتفصيل فيما يتعلق بأقوال الصحابة في هذه المسألة لاحقا إن شاء الله المسألة الثانية : وهي اعتمادهم على أقوال الصحابة و التابعين - و كما سبق هم لم يعتمدوا على قول من أقوال الصحابة في هذه المسألة أصلا - لكنهم أصلوا أصلا أنه حتى و إن كانت ضعيفة الإسناد يعمل بها و على الرغم من أن عدم اعتماد الاثار الضعيفة حتى و إن كانت منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم في الاعتقادات و الاحكام تكاد تكون من المسلمات الآن بل وضع لها بعض الفرق شرطا آخر إلى جانب شرط الصحة ألا وهو أن تكون منقولة نقل التواتر أيضا إذا كانت المسألة من مسائل العقائد ، فكيف يستجيز هؤلاء قبول ضعيف الاثار في الاعتقادات؟ و أيضا عمن هو دون النبي صلى الله عليه و سلم ونتيجة لمذهبهم المريب هذا [صفحة 50] اعتمدوا على روايات ضعفها أهل العلم بالحديث مروية عن السلف و هذه الروايات فيها تنقص للأنبياء و الملائكة مثل قصة هاروت وماروت و قصة هم يوسف و قصة خطيئة داوود و قصة خاتم سليمان و قصة نسبة ادم إلى الشرك و تسمية ابنه عبد الحارث كي يعيش في زعمهم و لا أدري ما مراد منظرهم من ذلك بل و إنكاره على ابن كثير رد هذه الأحاديث و لا أدري ما مراده من الدفاع عن هذا التنقص للأنبياء الوارد في هذه الأحاديث الضعيفة هذا أمر مريب جدا كذلك اعتمادهم على أقوال نسبت لبعض المتقدمين في أن الأرض مسطحة و تركوا الاثار الأخرى و الإجماعات المنقولة عن العلماء من أنها كرة ومن ثم جعل ذلك من مسائل الاعتقاد التي يكفر مخالفها و من ثم تكفير معظم المسلمين قديما و حديثا بناء على ذلك كذلك على سبيل المثال هذ من العجب و الريبة أيضا أنهم يعمدون إلى الروايات المنسوبة للنبي صلى الله عليه التي هي صحيحة على طريقة بعض أهل العلم ولكنها تخالف مذهبهم فيعمدون الى تضعيفها و عدم الاعتماد عليها لأنها في نظرهم ضعيفة ؟؟؟!!!مثلما فعل منظرهم في رواية الرجل الذي ذر نفسه في رواية (لعلي أضل الله ) لأنها صريحة في أن هذا الرجل كان يجهل صفة القدره ووردت من طريق يصححها الكثير من أهل العلم و أظنه هو شخصيا يصححها لكنه ضرب عن هذا السند صفحا وجاء بسند اخر فيع ضعف و رد الرواية بسببه و قال أنها ضعيفة فكما ترى مرة أحاديث من هو دون النبي صلى الله عليه حجة و إن كانت ضعيفة و مرة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم نفسه غير حجة لأنها تخالف مذهبهم و لا حول و لا قوة الا بالله. ومع كون العمل بالضعيف في مسائل العقائد و الأحكام لا يجوز من الأمور الواضحة خاصة إذا كان هذا القول قول لصحابي لكن لا بأس من التعريج على هذه المسألة ليتم البحث إن شاء الله . قال ابن تيمية ((ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به، فإن الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل [صفحة 51] شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملاً من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب والتحريم...... وإنما مرادهم بذلك: أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله أو مما يكرهه بنص أو إجماع، كتلاوة القرآن والتسبيح والدعاء والصدقة والعتق والإحسان إلى الناس وكراهة الكذب والخيانة ونحو ذلك. فإذا روي حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها وكراهة بعض الأعمال وعقابها فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه إذا روي فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به، بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح لكن بلغه أنها تربح ربحاً كثيراً، فهذا إن صدق نفعه وإن كذب لم يضره، ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع العلماء ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي لا استحباب ولا غيره، ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب والترجية والتخويف. فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديراً وتحديداً مثل صلاة في وقت معين بقراءة معينة أو على صفة معينة لم يجز ذلك لأن استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعي، بخلاف ما لو روي فيه من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله... كان له كذا وكذا، فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين الغافلين... فأما تقدير الثواب المروي فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته. فالحاصل أن هذا الباب يروى ويعمل به في الترغيب والترهيب لا في الاستحباب، ثم اعتقاد موجبه وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف على الدليل الشرعي. ))انتهى (أدلة عدم جواز العمل بالحديث الضعيف ) [صفحة 52] لا شك أن الأحاديث الضعيفة لاتفيد العلم ولا الظن الغالب إنما تفيد الظن بمعنى الشك وهذا النوع من الظن منهي عن اتباعه بالكتاب و السنة مذموم فاعله قائل على الله ورسوله بغير علم و هذا من أكبر الذنوب قال ابن حزم ((وقد قال ابن حزم رحمه الله أيضا في الإحكام 1 / 133 : ومما غلط فيه بعض أصحاب الحديث أنه قال : فلان يحتمل في الرقائق ولا يحتمل في الأحكام . قال أبو محمد ( هو ابن حزم ) : وهذا باطل ، لأنه تقسيم فاسد لا برهان عليه ، بل البرهان يبطله ، وذلك أنه لا يخلو كل أحد في الأرض من أن يكون فاسقاً أو غير فاسق ، فإن كان غير فاسق كان عدلاً ، ولا سبيل إلى مرتبة ثالثة . فالعدل ينقسم إلى قسمين : فقيه وغير فقيه ، فالفقيه العدل مقبول في كل شيء ، والفاسق لا يحتمل في شيء . والعدل غير الحافظ لا تقبل نذارته خاصة في شيء من الأشياء ، لأن شرط القبول الذي نص الله تعالى عليه ليس موجوداً فيه (يعني قوله تعالى ليتفقهوا في الدين ولينذروا ) ، ومن كان عدلاً في بعض نقله فهو عدل في سائره ، ومن المحال أن يجوز قبول بعض خبره ولا يجوز قبول سائره إلا بنص من الله تعالى أو إجماع في التفريق بين ذلك ، وإلا فهو تحكم بلا برهان ، وقول بلا علم ، وذلك لا يحل .اهــ)) قال ابن حزم((«الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم» (1/ 22): «وقال تعالى {بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين} فأخبر تعالى كما تسمع أن من اتبع قولا وافقه بلا علم بصحته فهو ظالم وإن [صفحة 53] من لم يرجع إلى ما يسمع من الحق فهو من أهل النار. وقال تعالى {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.و أنكر الله تعالى أن يكذب المرء بما لا يعلم فقال تعالى {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين}. فصح بكل ما ذكرنا الوقوف عما لا نعلم والرجوع إلى ما أوجبته الحجة بعد قيامها. وقال تعالى {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جآءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} قال أبو محمد في هذه الآية كفاية في إيجاب ألا يصدق أحد بما لم تقم عليه حجة وألا يأتي ما قامت عليه الحجة فمن أظلم ممن عرف ما ذكرنا وأخذ بوسواس يقوم في نفسه أو بخبر لم يقم على وجوب تصديقه برهان أو قلد إنسانا مثله لعله عند الله تعالى على خلاف ما يظن، وعلى كل حال فهو غير معصوم لكن يخطىء ويصيب، وقال تعالى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين فأوجب تعالى أن من كان صادقا في دعواه فعليه أن يأتي بالبرهان وإن لم يأت بالبرهان فهو كاذب مبطل أو جاهل ، وقال تعالى {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} فلم يوجب تعالى المحاجة إلا بعلم ومنع منها بغير علم وقال تعالى {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بلغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا} قال أبو محمد فلما وجدنا الله تعالى قد أمر في الآيات التي ذكرنا بالحجاج والمناظرة ولم يوجب قبول شيء إلا ببرهان وجب علينا تطلب الحجاج [صفحة 54] المذموم على ما قدمناه فوجدناه قد قال {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} ** فذم تعالى كما ترى الجدال بغير حجة والجدال في الباطل وأبطل تعالى بذلك قول المجانين كل مفتون ملقن حجة وبين تعالى أن المفتون هو الذي لا يلقن حجة وأن المحق هو الملقن حجة على الحقيقة وهم أهل الحق وقال تعالى {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} فقد جمعت هذه الآيات بيان الجدال المذموم والجدال المحمود الواجب فالواجب هو الذي يجادل متوليه في إظهار الحق والمذموم وجهان بنص الآيات التي ذكرنا أحدهما: من جادل بغير علم، والثاني: من جادل ناصرا للباطل بشغب وتمويه بعد ظهور الحق إليه وفي هذا بيان أن الحق واحد وأنه لا شيء إلا ما قامت عليه حجة العقل. وهؤلاء المذمومون هم الذين قال الله تعالى فيهم {ألم تر إلى لذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} وقوله تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد} وقوله تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} وبقوله تعالى {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد * كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} فبين تعالى كما ترى أن الجدال المحرم هو الجدال الذي يجادل به لينصر الباطل ويبطل الحق بغير علم )) « وقال في الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم» (1/ 65): [صفحة 55] «وأما من بلغ إليه ‌خبر ‌غير ‌صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وصححه له متأول أو جاهل أو فاسق لم يعلم هو بفسقه فهذا هو مبلغ علمه فهو إن عمل بما بلغه من ذلك الباطل فمعذور بجهله لا إثم عليه لأنه لم يتجانف لإثم والأعمال بالنيات فهو مجتهد مأجور مرة في قصده بنيته إلى الخير وإلى طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فلو خالف ما بلغه من ذلك فإنما عليه إثم المستسهل بخلاف الرسول صلى الله عليه وسلم إما بعلمه فقط فهو فاسق وإما بنيته فهو كافر وبالله تعالى التوفيق» وقال ((والصحيح من ذلك أنا وجدنا الله تعالى أنكر على من حقق شيئا بغير علم وأنكر على من كذَّب بغير علم فقال تعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} فقد حرم الله تعالى بنص هذه الآية أن يقول أحد على الله عز وجل شيئا لا يعلم صحته. وعِلم صحة كل شيء مما دون أوائل العقل وبداءة الحس لا يعلم إلابدليل ،فلزم بهذه الآية من ادعى إثبات شيء أن يأتي عليه بدليل وإلا فقد أتى محرما عليه وقال تعالى {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فنظر كيف كان عاقبة الظالمين} فأنكر تعالى تكذيب المرء ما لا يعلم أنه كذب وقال تعالى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فأوجب تعالى على كل مدع الصدق أن يأتي ببرهان وإلا فقوله ساقط، ووجدنا كل ناف مدعيا للصدق في نفيه ما نفى ووجدنا كل مثبت مدعيا للصدق في إثباته ما أثبت فلزم كلتا الطائفتين أن تأتي بالبرهان على دعواها إن كانت صادقة. قال علي: وأما من احتج من أصحابنا في إسقاط الدليل عن النافي بإيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على من أنكر فإنما هذا في [صفحة 56] الأحكام فإنه لا خلاف بين أهل الملة في أنه لا يمين على من أنكر شيئا في المناظرة في غير الأحكام. قال علي: فإذا اختلف المختلفان فأثبت أحدهما شيئا ونفاه الآخر فعلى كل واحد منهما أن يأتي بالدليل على صحة دعواه كما بيناه آنفا بحكم كلام الله عز وجل فأيهما أقام البرهان صح قوله ولا يجوز أن يقيماه معا لأن الحق لا يكون في ضدين ومن الممتنع أن يكون الشيء باطلا صحيحا في حال واحدة من وجه واحد فإن عجز كلاهما عن إقامة الدليل وهذا ممكن فحكم ذلك الشيء أن يتوقف فيه فلا يوجب ولا ينفي لكن يترك في حد الإمكان لأنه لو أقام الدليل موجبه لكان الشيء موجبا حقا ولو أقام الدليل نافيه لكان الشيء باطلا منفيا فإن لم يقمه واحد منهما قيل في ذلك الشيء هذا ممكن أن يكون حقا وممكن أن يكون باطلا إلا أننا لا نقول به ولا نحكم به ولا نقطع على أنه باطل وهكذا نص قوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أهل الكتاب لا نصدق ولا نكذب ولكن نقول الله أعلم ((قال تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} وقال تعالى ذاما لقوم قالوا {وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} وقال تعالى {إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا لظن وما تهوى لأنفس ولقد جآءهم من ربهم لهدى} وقال تعالى {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} فصح بنص كلام الله تعالى الذي لا يعرض عنه مسلم أن الظن هو غير الحق وإذ هو غير الحق فهو باطل وكذب بلا شك إذ لا سبيل إلى قسم ثالث وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث قال أبو محمد فهذا هو الحق الذي لا يحيل عليه من سمعه)) فصح بكل ما ذكرنا من الأدلة التي ذكرها العلماء حرمة القول على الله بلا علم وهم لا يختلفون معنا أن الحديث الضعيف لا يفيد علما ولا ظنا غالبا على حسب تعبير البعض بل [صفحة 57] لا يفيد إلا الظن بمعنى الشك فكيف بعد ذلك يعتمدون عليه هذا إن كان عن النبي صلى الله عليه و سلم . فما بالك إذا كان عمن هو دونه ممن قولهم ليس بحجة أصلا . ومن الملاحظ أن هذا الفريق كثيرا ما يقولون و يرددون نحن ننقل عن السلف و نتبع السلف و مذهبنا مذهب السلف ثم لا تجد تعريفا محددا لمن يقصدون بهذا لذا احببت هنا ان اعرج عل موضوع من هم السلف (تعريف السلف ) قال في النهاية في غريب الأثر - (4 / 81) فيه [ خيرُكم قَرْنيِ ثم الذين يَلونهم ] يعني الصحابة ثم التابعين . والقرْن : أهل كل زمان وهو مِقْدار التَّوَسُّط في أعمار أهل كل زمان . مأخوذ من الاقْتران وكأنه المِقدار الذي يَقْتَرِن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم وقيل : القَرْن : أربعون سنة . وقيل : ثمانون . وقيل : مائة . وقيل : هو مُطلَقٌ من الزمان . وهو مصدر : قَرَن يَقْرِن)أ.ه فعلى هذا التعريف إذا كانوا يقصدون بالسلف الذين هم حجة في المسألة على رأيهم مع أني بينت عدم حجية قول الصحابي نفسه لكن لما كان هذا مذهبا للبعض تنزلت معهم فقد قال ابن مفلح في (أصول الفقه): مذهب التابعي ليس حجة عند أحمد والعلماء؛ للتسلسل، وذكر بعض الحنفية عنه روايتين. اهـ. [صفحة 58] وقال الزركشي في (البحر المحيط): إن قال التابعي قولا لا مجال للقياس فيه لم يلتحق بالصحابي عندنا، خلافا للسمعاني كما سبق، قال صاحب الغاية من الحنابلة: من قام من نوم الليل فغمس يده في إناء قبل أن يغسلها ذهب الحسن البصري [إلى] زوال طهوريته، وهو يخالف القياس، والتابعي إذا قال مثل ذلك كان حجة، لأن الظاهر أنه قال توقيفا عن الصحابة، أو عن نص ثبت عنده، قال صاحب المسودة: وظاهر كلام أحمد وأصحابنا أنه لا اعتبار بذلك، بل يجعل كمجتهداته. اهـ.)) فعلى أقصى تقدير و أقصى تنزل يكون قول التابعين حجة فلزمهم التوقف عند التابعين فلم يستدلون بمن هم دون التابعين على مذهبهم و لا أعلم قائل بحجية قول تابعي التابعين و إن كان حجتهم أن مسائل العقيدة لا مجال فيها للرأي لزم التسلسل هنا و لا بد فلزمهم أن يجعلوا كل قائل من العلماء بمسألة في العقيدة حتى عصرنا هذا قوله حجة ولا بد لأن هذا لا يقال بالرأي وهذا ما لا يلتزمونه أبدا و عصر تابعي التابعين هو العصر الذي يلي عصر التابعين ـ رضوان الله عليهم ـ وهو يبدأ من سنة مائة وسبعين تقريبا، قال السيوطي والأصح أنه ـ يعني القرن ـ لا ينضبط بمدة، فقرنه صلى الله عليه وسلم هم الصحابة وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة، وقرن التابعين من مائة سنة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى نحو العشرين ومائتين)) انتهى. و بناء على هذا التقسيم يلزمهم عدم الاحتجاج بمن هم بعد المئة و السبعين من العلماء في أقوالهم و إنما قلت كل هذا تنزلا [صفحة 59] وهذا كلام ابن حجر في تقريبه وتقسيمه للطبقات رحمه الله الطبقات: فالاولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية من غيره. الثانية: طبقة كبار التابعين كابن المسيب، فإن كان مخضرما صرحت بذلك، الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين. الرابعة: طبقة تليها، جل روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري وقتادة. الخامسة: الطبقة الصغرى منهم، الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السماع من / الصحابة، كالاعمش. السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كابن جريج. فيلزم هؤلاء التوقف عند هذه الطبقة و أن لا يستدلوا بمن هم دونهم و قد طفحت كتبهم بالاستدلال بمن هم دون تلك الطبقة وهم كالتالي كما قال ابن حجر السابعة: طبقة أتباع التابعين، كمالك والثوري. الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن علية. [صفحة 60] التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، كيزيد بن هارون، والشافعي وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق. العاشرة: كبار الاخذين عن تبع الاتباع، ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حنبل. الحادية عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، كالذهلي والبخاري. الطبقة الثانية عشرة: صغار الاخذين عن تبع الاتباع، كالترمذي. ا.هـــ توفى الشافعي 204 و عبد الرزاق 211 و لا حظ أن ابن حنبل على هذا التصنيف ليس داخل حتى في أتباع التابعين فخرج من حديث الخيرية إن كان هو حجتهم في الاحتجاج بهؤلاء ولكن نحن نتنزل معهم وقبل الخوض في أدلة مسألة التكفير بالتأويل فنحن هنا نذكر أقوال من قال من السلف بعدم تكفير المتأول و نقل الخلاف في ذلك و الله المستعان وذلك قبل مناقشة الأدلة فإن كنتم تحتجون بالسلف فهؤلاء بعض السلف أقوالهم صريحه في عذر الجاهل غير المفرط و المتأول فردوه إلى الله و الرسول و لا تدّعوا إجماعا في المسألة و يلزمكم حسب قولكم أن تعتمدوا أقوالهم سواء صح نقلها عنهم أو لم تصح كما ذهبتم من قبل . ومن [صفحة 61] العجيب هنا بعد استدلالهم بأقوال ضعيفة عن بعض العلماء في تكفير منكر بعض الصفات -مطلقا دون كلام على التعيين -عندما جاء نقل عن الشافعي في عذر جاهل الصفة تركوه وقالوا رواية الهكاري عن الشافعي ضعيفة فمرة الضعيف حجة حين يوافق اراؤهم ومرة هو ليس بحجة إذا خالفها فهل يبقى بعد ذلك دين .هذا وليعلم من قرأ كتابنا هذا أنا لا نحتج إلا بكتاب أو سنة صحيحة أما ما سوى ذلك فلا حجة فيه لكننا نتنزل مع القائل لبيان فساد مذهبه (حكم المتأول ) يوجد فرق بين هذه المسألة وبين مسألة الجاهل المعرض إذ المترجح لدى الباحث أن الجاهل المعرض عن التعلم غير معذور في قوله أو نفيه عن الله ما لا يعلم أما إن آمن الإيمان المجمل و جهل شيئا لاي يجب عليه علمه على التفصيل فهو معذور طالما جهل و لم يثبت أو ينفي شيئا في الدين بغير علم في ذلك ووكل علم ذلك إلى الله و توقف أما المسألة الحاضرة هي مسألة أخرى إذ الكلام هنا عن المتأول و أعني به هنا رجل بذل جهده في معرفة كلام الله [صفحة 62] و كلام رسوله صلى الله عليه و سلم على حسب استطاعته لكن أخطأ في النتيجه التي توصل إليها فهذا ما أعنيه هنا بالمتأول الذي ترجح لدى الباحث أنه معذور لأنه غير معرض عن الحق بل باذل لوسعه لكنه لم يهتد إليه و حصل له سوء فهم لا سوء قصد و لا تفريط في طلب العلم بل بذل وسعه في معرفة الحق لكن أخطأه، و سأبدأ بنقل أقوال العلماء ثم مناقشة أدلتهم إن شاء الله تعالى (التأويل و عقوبة المتأول )قال ابن تيمية: "وهذا الذي ذكرته فيما تركه المسلم من واجب، أو فعله من محرم بتأويل اجتهاد أو تقليد؛ واضح عندي، وحاله فيه أحسن من حال الكافر المتأول. وهذا لا يمنع أن أقاتل الباغي المتأول، وأجلد الشارب المتأول، ونحو ذلك؛ فإن التأويل لا يرفع عقوبة الدنيا مطلقاً؛ إذ الغرض بالعقوبة دفع فساد الاعتداء"اهـ (مجموع الفتاوى 22/14) وقال: "ليس في هؤلاء أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا فيهم؛ إلا من هو مجروح من المسلمين ببدعة، وإن كان متأولاً فيها، ومغفوراً له خطأه"اهـ (بيان تلبيس الجهمية 2 /358)) وقال: "هذا مذهب فقهاء أهل الحديث؛ كأحمد وغيره: أن من كان داعية إلى بدعة؛ فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهداً"اهـ (مجموع الفتاوى 7/385) [صفحة 63] وقال: "من اتخذ الغناء والتصفيق عبادة وقربة؛ فقد ضاهى المشركين في ذلك وشابههم فيما ليس من فعل المؤمنين؛ المهاجرين والأنصار؛ فإن كان يفعله في بيوت الله فقد زاد في مشابهته أكبر وأكبر واشتغل به عن الصلاة وذكر الله ودعائه؛ فقد عظمت مشابهته لهم، وصار له كفل عظيم من الذم الذي دل عليه قوله سبحانه وتعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) لكن قد يغفر له ذلك لاجتهاده أو لحسنات ماحية أو غير ذلك؛ فيما يفرق فيه بين المسلم والكافر؛ لكن مفارقته للمشركين في غير هذا؛ لا يمنع أن يكون مذموماً خارجاً عن الشريعة؛ داخلاً في البدعة"اهـ (مجموع الفتاوى 11/596) وقال: "الجاهل عليه أن يرجع، ولا يصر على جهله، ولا يخالف ما عليه علماء المسلمين؛ فإنه يكون بذلك مبتدعاً جاهلاً ضالاً"اهـ (مجموع الفتاوى 7/682)]) الخطأ في التأوّل: والتأول هو وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهاد أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النصّ. فيقدم المكلف على فعل الكفر وهو لايراه كفراً محتجاً بدليل أخطأ في فهم معناه، فينتفي بهذا الخطأ شرط العمد، ويكون الخطأ في التأوّل مانعا من تكفيره، فإذا أقيمت عليه الحجة وبُيِّن له خطؤه فأصرّ على فعله كفر حينئذ. ودليل هذا: حادثة قدامة بن مظعون ،وفيها استحل قدامة شرب الخمر - واستحلال شربها كُفر - مستدلا بقوله تعالى (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) المائدة: 93، واحتج بهذه الآية على عمر لما أراد أ يقيم عليه الحد، فبيّن له عمر خطأه وأقام عليه الحد. وفي هذا قال ابن تيمية (( أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا [صفحة 64] الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يُستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصرّوا كفروا حينئذ ٍ، ولايُحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل [(1) وقد دلت هذه الحادثة على أن الخطأ في التأول مانع من التكفير بإجماع الصحابة، كما أنه داخل في عموم قوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ) الأحزاب: 5. ومع ذلك فإنه ليس كل خطأ في التأول يعتبر عذراً مقبولاً ومانعاً من التكفير: فالخطأ في التأول الذي يُعذر به هو ما نشأ عن النظر في دليل شرعي فأخطأ في فهمه. والخطأ في التأول الذي لايُعذر به هو مانشأ عن محض الرأي والهوى دون استناد إلى دليل شرعي. كامتناع إبليس عن السجود لآدم محتجاً بأنه (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) الأعراف: 12 فهذا محض الرأي، وكتأويلات الباطنية التي أسقطوا بها الواجبات الشرعية فإنها محض الهوى. وهذا الخطأ في التأوّل هو المانع من تكفيره، كما كان الخطأ في التأول مانعا من تكفير قدامة بن مظعون رضي الله عنه وهو من أهل بدر أيضا لما شرب الخمر ظاناً إباحتها متأولا في ذلك قوله تعالى (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا [صفحة 65] الصَّالِحَاتِ) المائدة: 93، حتى قال له عمر رضي الله عنه: أخطأت استك الحفرة، وقال له: لو اتقيت الله ماطعمتها. فكما منع الخطأ في التأويل من تكفير قدامة منع أيضا تكفير حاطب وكلاهما بدري، وقد قال تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ) الأحزاب: 5. وفي بيان (عذر حاطب) قال ابن حجر] وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صَنَع ذلك متأولاً أن لا ضرر فيه [(2 وقال ابن تيمية أيضا] أما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك. وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك. فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ ولايُحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يَحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل [(3). فقدامة بن مظعون وحاطب بن أبي بلتعة كلاهما فعل ماهو كُفْر متأولا فلم يكفر، فقدامة استحل شرب الخمر متأولا آية المائدة (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) المائدة: 93، [صفحة 66] وحاطب وَالَى الكفار وظاهرهم على المسلمين متأولا أن له عذراً في ذلك وأنه لن يضر المسلمين. قال القاضي عياض((فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية أو جحدها مستبصرا في ذلك كقوله: ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها وعلى هذا حمل قول سحنون من قال ليس لله كلام فهو كافر وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا فكفره بعضهم وحكى ذلك عن أبى جعفر الطبري(سبق نقل كلام الطبري أنه يكفر جاهل الصفات التي تعلم بالفطرة فقط أما غيرها فلا كالسمع و البصر عنده ) وغيره وقال به أبو الحسن الأشعري مرة وذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان وإليه رجع الأشعري قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق واحتج هؤلاء بحديث السوداء وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طلب منها التوحيد لا غير وبحديث القائل لئن قدر الله على وفى رواية فيه لعلى أضل الله ثم قال: فغفر الله له قالوا ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل، وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه منها أن قَدِر بمعنى قَدَّر ولا يكون شكه في [صفحة 67] القدرة على إحيائه بل في نفس البعث الذى لا يعلم إلا بشرع ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه فيكون الشك فيه حينئذ كفرا فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول، أو يكون قدر بمعنى ضيق ويكون ما فعله بنفسه إزراء عليها وغضبا لعصيانها. وقيل: إنما قال ما قاله وهو غير عاقل لكلامه ولا ضابط للفظه مما استولى عليه من الجزع والخشية التى أذهبت لبه فلم يؤاخذ به، وقيل كان هذا في زمن الفترة وحيث ينفع مجرد التوحيد ،وقيل بل هذا من مجاز كلام العرب الذى صورته الشك ومعناه التحقيق وهو يسمى تجاهل العارف وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى (لعله يتذكر أو يخشى) وقوله (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين). فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال أقول عالم ولكن لا علم له ومتكلم ولكن لا كلام له وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كَفَّره، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم . ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبم لم ير إكفارهم قال لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا لا نقول ليس بعالم ونحن ننتفى من القول بالمآل الذى ألزمتموه لنا ونعتقد نحن وأنتم أنه كُفْر، بل نقول إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه. [صفحة 68] فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلواة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأى الخوارج والاعتزال فما أزاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفى والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر(قلت راجع هنا حديث علي مع الخوارج فقد نقل الأشعري نصاً (وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن)[مقالات الإسلاميين:108) عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافا لمن رأى غير ذلك والله الموفق للصواب. قال القاضى أبو بكر وأما مسائل الوعد والوعيد والرؤية والمخلوق وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح إذ ليس في الجهل بشئ منها جهل بالله تعالى ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئا منها وقد قدمنا في الفصل قبله من الكلام وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول الله تعالى)) و قال في ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى - (2 / 272) [صفحة 69] فصل وأما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به ليس على طريق السب ولا الردة وقصد الكفر ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطإ المفضى إلى الهوى والبدعة من تشبيه أو نعت بجارحة أو نفى صفة كمال فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا إلى فئة وأنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا وإنما اختلفوا في المنفرد منهم، فأكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم وترك قتلهم والمبالغة في عقوبتهم وإطالة سجنهم حتى يظهر إقلاعهم وتستبين توبتهم كما فعل عمر رضى الله عنه بصبيغ وهذا قول محمد بن المواز في الخوارج وعبد الملك بن الماجشون وقول سحنون في جميع أهل الأهواء، وبه فسر قوله مالك في الموطإ وما رواه عن عمر بن عبد العزيز وجده وعمه من قولهم في القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، وقال عيسى بن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب الله يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم، وقال مثله أيضا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم قال واستتابتهم أن يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر أهل البدع قال وهم مسلمون وإنما لرأيهم السوء وبهذا عمل عمر ابن عبد العزيز، قال ابن القاسم: (من قال إن الله لم يكلم موسى تكليما استتيب فإن تاب وإلا قتل) وابن حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم [صفحة 70] وتكفير أمثالهم من الخوارج والقدرية والمرجئة، وقد روى أيضا عن سحنون مثله فيمن قال ليس لله كلام أنه كافر واختلفت الروايات عن مالك فأطلق في رواية الشاميين أبى مسهر ومروان بن محمد الطاطرى: (الكفر عليهم) وقد شوور في زواج القدري فقال: لا تزوجه) قال الله تعالى: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) وروى عند(لعلها عنه ) أيضا أهل الأهواء كلهم كفار وقال من وصف شيئا من ذات الله تعالى وأشار إلى شئ من جسده يد أو سمع أو بصر قطع ذلك منه لأنه شبه الله بنفسه وقال فيمن قال القرآن مخلوق كافر فاقتلوه وقال أيضا في رواية ابن نافع يجلد ويوجع ضربا ويحبس حتى يتوب وفى رواية بشر بن بكر التنيسى عنه يقتل ولا تقبل توبته قال القاضى أبو عبد الله البرنكانى والقاضى أبو عبد الله التسترى من أئمة العراقيين جوابه مختلف يقتل المستبصر الداعية وعلى هذا الخلاف اختلف قوله في إعادة الصلاة خلفهم وحكى ابن المنذر عن الشافعي لا يستتاب القدري وأكثر أقوال السلف تكفيرهم وممن قال به الليث وابن عيينة وبن لهيعة روى عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن وقاله ابن المبارك والأودي ووكيع وحفص بن غياث وأبو إسحاق الفزارى وعلى بن عاصم في آخرين وهو من قول أكثر المحدثين والفقهاء والمتكلمين فيهم وفى الخوارج والقدرية وأهل الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين وهو قول أحمد بن حنبل وكذلك قالوا في الوافقة والشاكة في هذه الأصول. [صفحة 71] وممن روى عنه معنى القول الآخر بترك تكفيرهم على بن أبى طالب وابن عمر والحسن البصري وهو رأى جماعة من الفقهاء النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصحابة والتابعين ورثة أهل حروراء ومن عرف بالقدر ممن مات منهم ودفنهم في مقابر المسلمين وجرى أحكام الإسلام وإنما قال مالك في القدرية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لأنه من الفساد في الأرض كما قال في المحارب إن رأى الإمام قتله وإن لم يقتل قتله وفساد المحارب إنما هو في الأموال ومصالح الدنيا وإن كان قد يدخل أيضا في أمر الدين من سبيل الحج والجهاد، وفساد أهل البدع معظمه على الدين وقد يدخل في أمر الدنيا بما يلقون بين المسلمين من العداوة)) (موقف علي و ابن عباس من تأويل الخوارج ) و أسوق هنا هذا الحديث بطوله لبيان مذهب علي و ابن عباس في متأولة الخوارج و بيان عذرهم لهم من التكفير هذا و إن كان الباحث يرى كفر الخوارج (الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم) ليس لكونهم تأولوا فأخطأوا ولكن لثبوت النص بخروجهم من الدين و أنهم شر الخلق و كلاب النار بصفتهم و نعتهم إلا أني أسوق هذا الحديث لبيان أمرين أولا أن من السلف من كان يعذر المتأول و الثاني أنهم لم ينقل عن أحد من الصحابة تكفير عاذر المتأول و إن كان هذا المتأول كافر عند بعضهم فلم ينقل عن أحد من السلف تكفير ابن عباس لعذره الخوارج [صفحة 72] مع شهرة هذا الحديث و تناقلهم له و روايتهم له ووصوله إليهم كذلك فقد نقل الأشعري نصاً (وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن)[مقالات الإسلاميين:108 و أسوق الحديث بطوله و هو حديث حسن لبيان مذهبهم قال الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني أبو زميل، قال: حدثني عبد الله بن عباس، قال: "لمَّا خرجَت الحرورية اعتزلوا فيٍ دارِ، وكانوا ستة آلاف، فقلتُ لعليٍّ: يا أمير المؤمنين؛ أَبْرِدْ بالصلاة؛ لعلِّي أُكَلِّمُ هؤلاء القوم". قال: "إني أخافهم عليك". قلتُ: "كلَّا". فلبستُ وترَجَّلْتُ، ودخلتُ عليهم في دارِ، نصفَ النهار -وهم قائلون- فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس! فما جاء بك؟! قلت لهم: "أتيتُكم من عند أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم -المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عمِّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وصهره- وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد؛ لأبلِّغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون". فانتحى إليَّ نَفَرٌ منهم. قلتُ: "هاتوا ما نَقَمْتُمْ على أصحاب رسولِ الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وابن عمّه". قالوا: ثلاث. [صفحة 73] قلتُ: "ما هُنَّ". قالوا: أما إحداهنَّ: فإنه حَكَّمَ الرجالَ في أمر الله، وقال الله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} (1). ما شأن الرجال والحكم؟! قلتُ: "هذه واحدة". قالوا: وأما الثانية: فإنه قَاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ؛ إن كانوا كُفَّارًا لقد حَلَّ سَبْيُهُم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ سَبْيُهُم ولا قتالُهم. قلتُ: "هذه ثِنْتَان؛ فما الثالثة"؟ قالوا: محَى عن نفسه (من أمير المؤمنين)؛ فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين!! قلتُ: "هل عندكم شيء غير هذا"؟ قالوا: حسبنا هذا. قلتُ لهم: "أرأيتكم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله جلَّ ثناؤه، وسنة نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - ما يردُّ قولكم؛ أترجعون"؟ قالوا: نعم. ‌‌_________ (1) سورة يوسف: 40، 67. قلتُ: "أما قولُكم: حَكمَ الرجالَ في أمر الله؛ فإني أقرأُ عليكم في كتاب الله أَنْ قد صَيَّرَ اللهُ حُكمَهُ إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأَمَرَ اللهُ تبارك وتعالى أن يَحْكُمُوا فيه؛ أرأيتَ قولَ الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [صفحة 74] (1) وكان من حُكِمْ الله أن صَيَّرَهُ إلى الرجال يَحْكُمُونَ فيه، ولو شاء لحَكمَ فيه، فجاز من حكم الرجال. أنشدكم بالله؛ أَحُكم الرجالِ في صلاح ذاتِ البَيْنِ وحَقْن دمائهم أفضل أو في أرنب"؟! قالوا: بلى؛ بل هدا أفضل. "وفي المرأة وزوجها: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} (2) فنشدنكم بالله؛ حكم الرجال في صَلاحَ ذات بينهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟! خرجتَ من هذه"؟ قالوا: نعم. قلتُ: "وأما قولُكم: قاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ؛ أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُم عائشة؛ تَستَحِلُّون منها ما تستحِلُّون من غيرها وهي أمُّكم؟! فإن قُلْتُم: إنا نَستَحِلُّ منها ما نستحِلُّ من غيرها؛ فقد كفرتُم. وإن قلتمُ: ليستْ بأُمِّنَا؛ فقد كفرتُم، لأن الله تعالى يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (3) فأنتم بين ضلالتين؛ فَأْتُوا منها بمخرج. أفخرجْتَ من هذه"؟ قالوا: نعم. "وأما محي نفسه أمير المؤمنين؛ فأنا آتيكم بما ترضون؛ إن نبيَّ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يوم الحديبية صَالَحَ المشركين، فقال لعليٍّ: ‌"اكتُبْ يا عليّ: هذا ما صَالَحَ عليه محمد رسول الله". قالوا: لو نعلمُ أنك رسولُ الله ما قاتلناك! [صفحة 75] فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: "امحُ يا عليّ، اللهم إنك تعلمُ أني رسول الله، امحُ يا علي واكتب: هدا ما صَالَحَ عليه محمد بن عبد الله". واللهِ لرسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خيرٌ من عليّ، وقد محى عن نفسه، ولم يكن مَحْوُه نفسه ذلك محاه من النبوة، أخَرَجْتَ من هذه"؟ قالوا: نعم. فرجَعَ منهم ألفان، وخَرَجَ سائرهم، فقُتلوا على ضلالتهم، فقتلهم المهاجرون والأنصار". حسن. أخرجه: النسائي في "السنن الكبرى" (5/ 165 - 167/ 8575) أو (رقم: 190) من "الخصائص" وأحمد في "المسند" (1/ 342) أو رقم (3187 - شاكر) -مختصرًا- وأبو داود (4037) - مختصرًا، وليس عنده هذا السياق- وعبد الرزاق في "المصنف" (10/ 157/ 18678) والحاكم (2/ 150) و (4/ 182) والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 179) والطبراني في "المعجم الكبير" (10/ رقم: 15098) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 962/ 1834) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/ 318 - 320) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 522 - 524) والخوارزمي في "المناقب" (244) وأبو عبيد القاسم بن سلام في "الأموال" (رقم: 444) وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص 91 - 93) والمعافى النهرواني في "الجليس الصالح" (1/ 558 - 560 - عالم الكتب). [صفحة 76] من طريقين عن عكرمة بن عمار به: 1 - عبد الرحمن بن مهدي عنه به. 2 - عمر بن يونس اليمامي عنه به. وصحَّح إسناده المحدث أحمد شاكر في تحقيقه علي "المسند" (5/ 67 / 3187)، وحسَّن إسناده المحدث الألباني في "صحيح سنن أبي داود" رقم (3406). وفي هذا الحديث عدة أمور أولا –الظاهر منه أن علي رضي الله عنه لم يكن يقول بتكفير الخوارج و إلا لو كان يظن كفرهم فكيف يترك رضي الله عنه إقامة حد الردة عليهم هذا ما لا يظن به ثانيا –أن ابن عباس لم يكن يقول بتكفير الخوارج وهذا نص واضح في هذا الخبر حيث قال ((قلتُ: "وأما قولُكم: قاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ؛ أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُم عائشة؛ تَستَحِلُّون منها ما تستحِلُّون من غيرها وهي أمُّكم؟! )) فهذا نص واضح على اعتبارهم من المؤمنين لأن عائشة إنما هي أم المؤمنين [صفحة 77] ثالثا لم ينقل عن أحد من السلف و نقلة الأحاديث الذين نقلوا الحديث هذا قولهم بتكفير ابن عباس (العاذر ) لهؤلاء و في هذا إشارة واضحة أن عاذر المتأول ليس بكافر عند جمهورهم . رابعا فيه أن ابن عباس رضي الله عنه كان لا يرى التكفير بلازم القول إلا إذا التزمه القائل إذ قال لهم ((وأما قولُكم: قاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ؛ أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُم عائشة؛ تَستَحِلُّون منها ما تستحِلُّون من غيرها وهي أمُّكم؟! فإن قُلْتُم: إنا نَستَحِلُّ منها ما نستحِلُّ من غيرها؛ فقد كفرتُم. وإن قلتمُ: ليستْ بأُمِّنَا؛ فقد كفرتُم، لأن الله تعالى يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (3) فأنتم بين ضلالتين؛ فَأْتُوا منها بمخرج.)) قال القاضي عياض فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين * قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب البدع والأهواء المتأولين ممن قال قولا يؤديه مساقه إلى كفر ،وهو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه، وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك فمنهم من صوب التكفير الذى قال به الجمهور من السلف ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وقالوا هم فساق عصاة ضلال ونورثهم من المسلمين ونحكم لهم بأحكامهم ولهذا قال سحنون لا إعادة على من صلى خلفهم قال وهو قول جميع أصحاب مالك المغيرة [صفحة 78] وابن كنانة وأشهب قال لأنه مسلم وذنبه لم يخرجه من الإسلام واضطرب آخرون في ذلك ووقفوا عن القول بالتكفير أو ضده واختلاف قولى مالك في ذلك وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه وإلى نحو من هذا ذهب القاضى أبو بكر إمام أهل التحقيق والحق وقال إنها من المعوصات، إذ القوم لم يصرحوا باسم الكفر وإنما قالوا قولا يؤدى إليه، واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه مالك بن أنس حتى قاله في بعض كلامه إنهم على رأى من كفرهم بالتأويل لا تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا الصلاة على ميتهم ويختلف في موارثتهم على الخلاف في ميراث المرتد وقال أيضا نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ولا نورثهم من المسلمين وأكثر ميله إلى ترك التكفير بالمآل وكذلك اضطرب فيه قول شيخه أبى الحسن الأشعري وأكثر قوله ترك التكفير)). وقال ابن القيم رحمه الله، في زاد المعاد (فصل في الإشارة إلى ما في فتح مكة من الفقه): (وفيها أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه(اتهام عمر حاطب بالكفر) لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم وبدعهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه) أهـ (3/ 423) [صفحة 79] - وقال الحافظ في الفتح في كتاب الصلاة (1/ 523) في فوائد الحديث الذي فيه قول القائل عن مالك بن الدخشن إنه منافق يجادل عن المنافقين: (وان من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده، لا يكفر بذلك ولا يفسق بل يعذر بالتأويل) أهـ. قال ابن القيم وقال أيضاً فيه (3/ 117): (ولم يرتب {أي الشارع} تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علماً، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم به، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به، إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو قاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، هذه قاعدة شرعية وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته) أهـ - 610) ويقول ابن الوزير: (قوله تعالى في هذه الاية الكريمة ((ولكن من شرح بالكفر صدراً)) يؤيد أن المتأولين غير الكفار، لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعا أو ظناً، أو تجويزاً أو احتمالاً) اهـ. إيثار الحق على الخلق ص (437) [صفحة 80] (التأويل الفاسد لا يقبل ) هذا ولا بد من التنبيه مرة أخرى عل أن التأويل المعذور صاحبه هو التأويل الذي له وجه من الدليل من اللغة أو الشرع أدت بهذا المتأول إل أن يخطئ في تأويله أماالتأويل الذي ليس له وجه من الشرع ولا اللغة مثل تأويلات الشيعة مثلا لقوله تعالى (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة )فقالوا المراد عائشة فهذا لا عذر فيه . وقد نقل القاضي عياض في الشفا قول العلماء: (إدعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل) أهـ (2/ 217) ونص عليه شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص (527) فمن عرفت واشتهرت زندقته وتلاعبه بأدلة الشرع، أو كان يتعاطى من أسباب الكفر ما هو صريح وواضح ولا يحتمل التأويل، لم تقبل منه دعوى التأويل فليس ثم إجتهاد وتأويل يسوغ تعاطي الكفر الصريح .. فإنه لا تخلو حجة كافر من الكافرين من تأويلات فاسدة يرقع بها كفره .. ولذا قال ابن حزم: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طريق ثابتة، وهو مسلم فتأول في خلافه إياه، أو ربما بلغه بنص آخر، فلم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة) أهـ الدرة (414) [صفحة 81] ويقول: (وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلاهية إنسان من الناس، أو بنبوة أحد من الناس، بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يعذرون بتأويل أصلاً، بل هم كفار مشركون على كل حال) أهـ الدرة فيما يجب اعتقاده ص (441). «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (3/ 141): «وَاحْتج بَعضهم(أي على عدم العذر بالتأويل مطلقا ) بِأَن قَالَ:قال الله تَعَالَى {قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا} قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَآخر هَذِه الْآيَة مُبْطل لتأويلهم لِأَن الله عز وَجل وصل قَوْله يحسنون صنعا بقوله {أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم ولقائه فحبطت أَعْمَالهم فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا ذَلِك جزاؤهم جَهَنَّم بِمَا كفرُوا وَاتَّخذُوا آياتي ورسلي هزوا} فَهَذَا يبين أَن أول الْآيَة فِي الْكفَّار الْمُخَالفين لديانة الْإِسْلَام جملَة ثمَّ نقُول لَهُم لَو نزلت هَذِه الْآيَة فِي المتأولين من جملَة أهل الْإِسْلَام كَمَا تَزْعُمُونَ لدخل فِي جُمْلَتهَا كل متأول مُخطئ فِي تَأْوِيل فِي فتيا، ولزمَه تَكْفِير جَمِيع الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لأَنهم قد اخْتلفُوا وبيقين نَدْرِي أَن كل امرء مِنْهُم فقد يُصِيب ويخطئ بل يلْزمه تَكْفِير جَمِيع الْأمة لأَنهم كلهم لَا بُد من ان يُصِيب كل امْرِئ مِنْهُم ويخطئ بل يلْزمه تَكْفِير نَفسه لِأَنَّهُ لَا بُد لكل من تكلم فِي شَيْء من الدّيانَة من أَن يرجع عَن قَول قَالَه إِلَى قَول آخر يتَبَيَّن أَنه أصح إِلَّا أَن [صفحة 82] يكون مُقَلدًا فَهَذِهِ أَسْوَأ لِأَن التَّقْلِيد خطأ كُله لَا يَصح وَمن بلغ إِلَى هَا هُنَا فقد لَاحَ غوامر قَوْله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد أقرّ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لم يفهم آيَة الْكَلَالَة فَمَا كفره بذلك وَلَا فسقه وَلَا أخبرهُ أَنه آثم بذلك لَكِن أغْلظ لَهُ فِي كَثْرَة تكراره السُّؤَال عَنْهَا فَقَط وَكَذَلِكَ أَخطَأ جمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْفتيا فَبَلغهُ عَلَيْهِ السَّلَام ذَلِك فَمَا كفر بذلك أحد مِنْهُم وَلَا فسقه وَلَا جعله بذلك إِثْمًا لِأَنَّهُ لم يعانده عَلَيْهِ السَّلَام أحد مِنْهُم وَهَذَا كفتيا أبي السنابل بن بعكك فِي آخر الْأَجَليْنِ وَالَّذين أفتوا أن على الزَّانِي غير الْمُحصن الرَّجْم وَقد تقصينا هَذَا فِي كتَابنَا المرسوم بِكِتَاب الْإحْكَام فِي أصُول الْأَحْكَام هَذَا وَأَيْضًا فَإِن الْآيَة الْمَذْكُورَة لَا تخرج على قَول أحد مِمَّن خَالَفنَا إِلَّا بِحَذْف وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ أَن الَّذين فِي قَوْله تَعَالَى {الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} هُوَ خَبرا ابْتِدَاء مُضْمر وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بِحَذْف الِابْتِدَاء كَأَنَّهُ قَالَ (هم الَّذين ...........) وَلَا يجوز لأحد أَن يَقُول فِي الْقُرْآن حذفا إِلَّا بِنَصّ أخر جلي يُوجب ذَلِك أَو إِجْمَاع على ذَلِك أَو ضَرُورَة حس فَبَطل قَوْلهم وَصَارَ دَعْوَى بِلَا دَلِيل وَأما نَحن فَإِن لَفْظَة( الذين) عندنَا على موضوعها دون حذف وَهُوَ نعت للأخسرين وَيكون خَبرا لابتداء قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا} وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء إِلَّا أَنهم هم الْكَاذِبُونَ} فَنعم هَذِه صفة الْقَوْم الَّذين وَصفهم الله تَعَالَى بِهَذَا فِي أول الْآيَة ورد الضَّمِير إِلَيْهِم وهم الْكفَّار بِنَصّ أول [صفحة 83] الْآيَة وَقَالَ قَائِلهمْ فَإِذا عذرتم للمجتهدين إِذا أخطأوا فأعذروا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَسَائِر الْملَل فَإِنَّهُم أَيْضا مجتهدون قاصدون الْخَيْر فجوابنا وَالله تَعَالَى التَّوْفِيق إننا لم نعذر من عذرنا بآرائنا وَلَا كفرنا من كفرنا بظننا ، وَهَذِه خطة لم يؤتها الله عز وَجل أحد دونه وَلَا يدْخل الْجنَّة وَالنَّار أحدٌ، بل الله تَعَالَى يدخلهَا من شَاءَ فَنحْن لَا نسمي بِالْإِيمَان إِلَّا من سَمَّاهُ الله تَعَالَى بِهِ كل ذَلِك على لِسَان رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الأَرْض لَا نقُول من الْمُسلمين بل من كل مِلَّة فِي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطع بالْكفْر على أهل كل مِلَّة غير الْإِسْلَام الَّذين تَبرأ أَهله من كل مِلَّة حاشى الَّتِي أَتَاهُم بهَا عَلَيْهِ السَّلَام فَقَط فوقفنا عِنْد ذَلِك وَلَا يخْتَلف أَيْضا اثْنَان فِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قطع باسم الْإِيمَان على كل من اتبعهُ وَصدق بِكُل مَا جَاءَ بِهِ وتبرأ من كل دين سوى ذَلِك فوقفنا أَيْضا عِنْد ذَلِك وَلَا مزِيد فَمن جَاءَ نَص فِي إِخْرَاجه عَن الْإِسْلَام بعد حُصُول اسْم الْإِسْلَام لَهُ أخرجناه مِنْهُ سَوَاء أجمع على خُرُوجه مِنْهُ أَو لم يجمع وَكَذَلِكَ من أجمع أهل الْإِسْلَام على خُرُوجه عَن الْإِسْلَام فَوَاجِب اتِّبَاع الْإِجْمَاع فِي ذَلِك وَأما من لَا نَص فِي خُرُوجه عَن الْإِسْلَام بعد حُصُول الْإِسْلَام لَهُ وَلَا إِجْمَاع فِي خُرُوجه أَيْضا عَنهُ فَلَا يجوز إِخْرَاجه عَمَّا قد صَحَّ يَقِينا حُصُوله فِيهِ وَقد نَص الله تَعَالَى على مَا قُلْنَا فَقَالَ {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين} وَقَالَ تَعَالَى {ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا [صفحة 84] أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا} وَقَالَ تَعَالَى {قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ} فَهَؤُلَاءِ كلهم كفار بِالنَّصِّ وَصَحَّ الْإِجْمَاع على أَن كل من جحد شَيْئا صَحَّ عندنَا بِالْإِجْمَاع أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بِهِ فقد كفر وَصَحَّ بِالنَّصِّ أَن كل من اسْتَهْزَأَ بِاللَّه تَعَالَى أَو بِملك من الْمَلَائِكَة أَو بِنَبِي من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام أَو بِآيَة من الْقُرْآن أَو بفريضة من فَرَائض الدّين فَهِيَ كلهَا آيَات الله تَعَالَى بعد بُلُوغ الْحجَّة إِلَيْهِ فَهُوَ كَافِر وَمن قَالَ بِنَبِي بعد النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَو جحد شَيْئا صَحَّ عِنْده بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ لم يحكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا شجر بَينه وَبَين خَصمه)) وقال ابن حجر في شرحه لحديث ((قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: «أَنْ لَا ‌تَلُدُّونِي» فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ ‌تَلُدُّونِي»، قُلْنَا كَرَاهِيَةَ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي البَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا العَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ» واللدود وضع دواء في جانب الفم أو وضعه بالإصبع في الفم و تحنيك الفم به((فتح الباري - ابن حجر - (8 / 147) قوله لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا انظر إلا العباس فأنه لم يشهدكم قيل فيه مشروعية القصاص في جميع ما يصاب به الإنسان عمدا وفيه نظر لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم [صفحة 85] امتثال نهيه عن ذلك أما من باشره فظاهر وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه وفيه نظر أيضا لأن الذي وقع في معارضة النهي قال بن العربي أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه فيقعوا في خطب عظيم وتعقب بأنه كان يمكن العفو لأنه كان لا ينتقم لنفسه والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا فكان ذلك تأديبا لا قصاصا ولا انتقاما))فنقل ابن حجر هنا قول من قال أن التأويل البعيد لا يعذر إذ أنهم عارضوا نهيه الصريح بعدم صب الدواء في جانب فمه بعلة مستنبطة بعيدة وهي ظنهم أنه لا ينهاهم إلا لأنه فقط كره الدواء وهذا تأويل بعيد فعاقبهم جميعا و الله أعلم . وقال شيخ الإسلام بعد ما ذكر حديث الرجل الذي أوصى بنيه عند موته بحرق جثمانه قال: (والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من المغفرة من مثل هذا) أهـ (3/ 148) قال ابن الوزير: (لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار) أهـ إيثار الحق على الخلق ص (415). [صفحة 86] ومن ذلك قطعاً أصل التوحيد، الذي يتضمن تجريد العبادة لله وحده بكافة أنواع العبادة، فنقض هذا الأصل بدعوى التأويل الذي يسوغ الإشراك بالله تعالى واتخاذ الأنداد معه من أوضح الباطل؛ الذي بعثت الرسل كافة بإبطاله وإنكاره .)) جاء في المحلى (0المحلى بالآثار (11/ 334) فَصَحَّ أَنَّ التَّأْوِيلَ يَخْتَلِفُ، فَأَيُّ طَائِفَةٍ تَأَوَّلَتْ فِي بُغْيَتِهَا طَمْسًا لِشَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ، كَمَنْ قَامَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ لِيُخْرِجَ الْأَمْرَ عَنْ قُرَيْشٍ، أَوْ لِيَرُدَّ النَّاسَ إلَى الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الرَّجْمِ، أَوْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الذُّنُوبِ، أَوْ اسْتِقْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قَتْلِ الْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِظْهَارِ الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ، أَوْ إبْطَالِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا حَتَّى يَكُونَ، أَوْ إلَى الْبَرَاءَةِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ إبْطَالِ الشَّفَاعَةِ، أَوْ إلَى إبْطَالِ الْعَمَلِ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَا إلَى الرَّدِّ إلَى مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الزَّكَاةِ، أَوْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى: فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْذَرُونَ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ تَامَّةٌ. وَأَمَّا مَنْ دَعَا إلَى تَأْوِيلٍ لَا يَحِلُّ بِهِ سُنَّةٌ، لَكِنْ مِثْلَ تَأْوِيلِ مُعَاوِيَةَ فِي أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ لِعَلِيٍّ: فَهَذَا يُعْذَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إحَالَةُ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ خَاصٌّ فِي قِصَّةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَتَعَدَّى. وَمِنْ قَامَ لِعَرَضِ دُنْيَا فَقَطْ، كَمَا فَعَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي الْقِيَامِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَمَا فَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي الْقِيَامِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَمَنْ قَامَ أَيْضًا عَنْ مَرْوَانَ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْذَرُونَ، لِأَنَّهُمْ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ أَصْلًا، وَهُوَ بَغْيٌ مُجَرَّدٌ. [صفحة 87] وَأَمَّا مَنْ دَعَا إلَى أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِظْهَارِ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ: فَلَيْسَ بَاغِيًا، بَلْ الْبَاغِي مَنْ خَالَفَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ)) فهنا ذكر ابن حزم امور الخوارج التي كفروا بها وخالفوا بها الاجماع المتيقن وذكر منها ابطال الرجم ولم يعذر من ذكر بتأويل جاء في التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص: 185) وَقَالَ حسان بن فروخ سَأَلَني عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ عَمَّا تَقول الْأزَارِقَة فَأَخْبَرته فَقَالَ مَا يَقُولُونَ فِي الرَّجْم فَقلت يكفرون بِهِ فَقَالَ الله أكبر كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله)) اه ، جاء في ((الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 144) وَقَالَت سَائِر الأزارفة وهم أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق بِإِبْطَال رجم من زنى وَهُوَ مُحصن وَقَطعُوا يَد السَّارِق من الْمنْكب وأوجبوا على الْحَائِض الصَّلَاة وَالصِّيَام فِي حَيْضهَا وَقَالَ بَعضهم لَا وَلَكِن تقضي الصَّلَاة إِذا طهرت كَمَا تَقْتَضِي الصّيام وأباحوا دم الْأَطْفَال مِمَّن لم يكن فِي عَسْكَرهمْ وَقتل النِّسَاء أَيْضا مِمَّن لَيْسَ فِي عَسْكَرهمْ وبرئت الْأزَارِقَة مِمَّن قعد عَن الْخُرُوج لضعف أَو غَيره وَكَفرُوا من خَالف هَذَا القَوْل بعد موت أول من قَالَ بِهِ مِنْهُم وَلم يكفروا من خَالفه فِيهِ فِي حَيَاته وَقَالُوا باستعراض كل من لقوه من غير أهل عَسْكَرهمْ ويقتلونه إِذا قَالَ أَنا مُسلم ويحرمون قتل من انْتَمَى إِلَى الْيَهُود والى النَّصَارَى أَو إِلَى الْمَجُوس وَبِهَذَا شهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمروق من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرميه إِذْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أَنهم يقتلُون أهل الْإِسْلَام ويتركون أهل الْأَوْثَان وَهَذَا من أَعْلَام نبوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ أنذر بذلك وَهُوَ من جزئيات الْغَيْب فَخرج نصا كَمَا قَالَ)) اه (نصوص السلف ومن دونهم في عذر المتأول ) [صفحة 88] قَالَ أَحْمَد بْن منيع (16) رحمه الله تعالى: من زعم أَن القرآن مَخْلُوق فَهُوَ جهمي، وَمن وقف فِيهِ ، فَإِن كَانَ مِمَّن لَا يعقل مثل البقالين وَالنِّسَاء وَالصبيان سكت عَنهُ وَعلم وَإِن كَانَ مِمَّن يفهم فَأَجره فِي وَادي الْجَهْمِية . وقال أبو حاتم الرازيّ رحمه الله تعالى: من زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر كفرا ينتقل به عن الملة ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر ومن كان جاهلاً علم فإن أذعن بالحق بتكفيره وإلا ألزم الكفر . / قال في رواية أبي طالب(17) : من قال : القرآن مخلوق ، فهو كافر ، ومَنْ لا يكفر من قال : القرآن مخلوق ، فلا نكفره . [ الروايتين والوجهين مسائل العقيدة (ص 111) والفروع (6/568) ] قال صاحب الفروع : وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ : الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ لَا تُوجِبُ الْكُفْرَ لَا يَفْسُقُ الْمُقَلِّدُ فِيهَا لِخِفَّتِهَا مِثْلُ مَنْ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَيَقِفُ عَنْ تَكْفِيرِ مَنْ كَفَّرْنَاهُ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ هَانِئٍ (18) الْمَذْكُورَةَ وَقَوْلَ الْمَرُّوذِيِّ (19) لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ قَوْمًا يُكَفِّرُونَ مَنْ لَا يُكَفِّرُ فَأَنْكَرَهُ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : مَنْ يَجْتَرِئُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ __________ (16) ` ()أَحْمد بن منيع بن عبد الرَّحْمَن، أَبُو جَعْفَر الْبَغَوِيّ، نزيل بَغْدَاد، الْأَصَم، ثِقَة، حَافظ التَّقْرِيب 1/ 27 (17) ` ()أبو طالب أحمد بن حميد المشكاني، صاحب أبي عبد الله أحمد بن حنبل والمتخصص في ذلك. روى عنه مسائل كثيرة، وكان أحمد يكرمه ويعظمه تاريخ بغداد (4/ 122) وطبقات الحنابلة (1/ 39 - 40) (18) ` ()أحمد بن محمد بن هانئ، الإِسْكَافِي الأثرم الطائي أحد الأعلام، ومصنف السنن وتلميذ الإمام أحمد قال أبو بكر الخلال : كان الأثرم جليل القدر، حافظا تذكرة الحفاظ (2/ 570 - 572) تهذيب الكمال (1/ 476 - 480) (19) ` ()أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي، صاحب الإمام أحمد كان إماماً في السنة شديد الإتباع، له جلالة عجيبة ببغداد، روى عن الإمام أحمد مسائل كنيرة سير أعلام النبلاء (13/ 175) . [صفحة 89] كَافِرٌ ؟ )) وهذا نص صريح من أحمد في عدم تكفير العاذر 2/ نقل المروذي في قوم بطرسوس يكفرون من لا يكفر ، فقال : ما سمعت في هذا شيئًا. [ الروايتين والوجهين مسائل العقيدة (ص111) والفروع (6/568) ] قالَ البخاريّ (20): نَظَرْتُ فِي كَلَامِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَمَا رَأَيْتُ أَضَلَّ فِي كُفْرِهِمْ مِنْهُمْ وَإِنِّي لَأَسْتَجْهِلُ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُمْ إِلَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ كُفْرَهُمْ(21) . قال أبو الشيخ الأصبهاني(22) : من شكّ فِي كفر من قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق بعد علمه وَبعد أَن سمع من الْعلمَاء المرضيين ذَلِك فَهُوَ مثله ) اهــــ . [ الحجة في بيان المحجة (1/240) ] __________ (20) ` ()محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، إمام الدنيا في زمانه، وطبيب المحدثين، كبير المحل، ولد في سنة (194هـ) توفي رحمه الله في سنة (256 هـ) وشهرته تغنى عن ترجمته. سير أعلام النبلاء" (10-277) (21) ` ()شرح السنة للبغوي (1/ 228) وخلق أفعال العباد (13) والفتاوى الكبرى (5/ 47). . (22) ` ()عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان المعروف بأبي الشيخ، قال فيه الخطيب البغدادي:"كان أبو الشيخ حافظاً ثبتاً متقناً"، توفي سنة (369هـ) سير أعلام النبلاء (16/277 - 279) . [صفحة 90] قال : وأخبرنا طلحة بن الحسين الصالحاني(23)، أنا جدي أبو ذر الصالحاني(24)، أنا أبو الشيخ قال: فذكره (25) كلام ابن أبي عاصم(26) (قال : ( والقرآن كلام الله تبارك وتعالى تكلم الله به ليس بمخلوق ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم ، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه (!!) ... (27) ) اهـــــ أقوال العلماء في جاهل الصفة غير المفتري على الله كذبا __________ (23) ` ()طلحة بن الحسين بن محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني من أهل أصبهان, قال السمعاني: كان شيخاً صالحاً كثير السماع، كف بصره في آخر عمره سمع جده الأعلى أبا ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني, توفي سنة خمس عشرة وخمسمئة. التحبير في المعجم الكبير (1/350-352) (24) ` ()ابو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني حدث عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الحافظ المعروف بأبي الشيخ روي عنه بعض كتبه مثل اخلاق النبي وشمائله والسنة الصغير والبر والصلة حدث عنه أبو بكر محمد بن عمر بن عزيزة قال يحيى بن منده مات سنة أربعين وأربعمائة قبل ابن ريذة بشهر إكمال الإكمال (2/644) التحبير في المعجم الكبير (1/350-352) (25) ` ()كلام أبي الشيخ ثابت عنه فطريق صاحب المحجة إليه صحيح (26) ` ()أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني الزاهد حافظ كبير، إمام بارع متبع للآثار كثير التصانيف قال أحمد بن محمد المديني البزاز: قدمت البصرة وأحمد بن حنبل حي، فسألت عن أفقههم، فقالوا: ليس بالبصرة أفقه من أحمد بن عمرو بن أبي عاصم. تذكرة الحفاظ (2/ 640 - 641) والسير (13/ 430 - 439). (27) ` ()كلام ابن أبي عاصم ثابت عنه في كتاب السنة له (2/645) [صفحة 91] قال ابن تيمية((وَالْمُرْتَدُّ مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَانَ مُبْغِضًا لِلرَّسُولِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ أَوْ تَرَكَ إنْكَارَ مُنْكَرٍ بِقَلْبِهِ أَوْ تَوَهَّمَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ تَابِعِيهِمْ قَاتَلَ مَعَ الْكُفَّارِ أَوْ أَجَازَ ذَلِكَ أَوْ أَنْكَرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَوْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ وَمَنْ شَكَّ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهَا فَمُرْتَدٌّ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُهَا فَلَيْسَ بِمُرْتَدٍّ، وَلِهَذَا لَمْ يُكَفِّرْ النَّبِيُّ الرَّجُلَ الشَّاكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَإِعَادَتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الرِّسَالَةِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: " مَهْمَا يَكْتُمْ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ "، قَالَ: نَعَمْ.)) وقال(( وَمَنْ شَكَّ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهَا فَمُرْتَدٌّ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُهَا فَلَيْسَ بِمُرْتَدٍّ، وَلِهَذَا لَمْ يُكَفِّرْ النَّبِيُّ الرَّجُلَ الشَّاكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَإِعَادَتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الرِّسَالَةِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: " مَهْمَا يَكْتُمْ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ")) و جاء في اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - (2 / 193) باب جماع توحيد الله عز و جل وصفاته وأسمائه وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باقي سياق ما يدل من كتاب الله عز و جل وما روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل .........فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله عز و جل وهذا مذهب أهل السنة والجماعة )) فهذا كلام واضح منه أن معرفة صفات الله إنما هي بالسمع لا بالعقل و نسبه لأهل السنة [صفحة 92] وجاء في اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - (1 / 176) أخبرنا محمد بن المظفر المقري(28) قال حدثنا الحسين بن محمد بن حبش المقري (29) قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن ابي حاتم(30) قال: سألت أبي (31) وابا زرعة (32) عن مذاهب أهل السنة في اصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك فقالا أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم،...... ........ ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر(33))(فيه صدوقان و بقية سنده ثقات.ولاحظ هنا تقييده بقولهم ممن يفهم __________ (28) ` ()محمد بن المظفر بن علي بن حرب أبو بكر المقرئ الدينوري , قال الخطيب : كتبنا عنه، وكان شيخا صالحا، فاضلا، صدوقا. تاريخ بغداد (4/30) (29) ` ()الحسين بن محمد بن حبش، أبو علي الدينوري المقرئ. متقدم في علم القراءة، مشهور بالإتقان، ثقة مأمون. تاريخ الإسلام (26/536) (30) ` ()عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران قال الخليلي : أثنى عليه جماعة بالزهد والورع التام والعلم والعمل الوافي بالوفيات. (18/135-136) (31) ` ()عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولى الرازي الحافظ أحد الأئمة الأعلام. قال أبو حاتم: لم يخلف بعده مثله علماً وفقهاً وصيانة وصدقاً وهذا ما لا يرتاب فيه، وقال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل. تهذيب الكمال (19/89) (32) ` ()محمد بن إدريس بن المنذر الإمام محمد بن إدريس الحنظلي كان بارع الحفظ واسع الرحلة في أوعية العلم. توفى سنة سبع وسبعين ومائتين رحمه الله. تهذيب الكمال (24/381) (33) ` ()إسناده صحيح إليهما وهذه العقيدة ثابتة لابن أبي حاتم [صفحة 93] و:قال ابن القيم (( ولا قيام إلا بالرسل فإذا كان العقل قد أدرك حسن بعض الأفعال وقبحها فمن أين له معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته والآية التي تعرف بها الله إلي عباده على ألسنة رسله ومن أين له معرفة تفاصيل شرعه ودينه الذي شرعه لعباده ومن أين له تفاصيل مواقع محبته ورضاه و سخطه وكراهته ومن أين له معرفة تفاصيل ثوابه وعقابه وما أعد لأوليائه وما أعد لأعدائه ومقادير الثواب والعقاب وكيفيتهما ودرجاتهما ومن أين له معرفة الغيب الذي لم يظهر الله عليه أحدا من خلقه إلا من ارتضاه من رسله إلي غير ذلك مما جاءت به الرسل وبلغته عن الله وليس في العقل طريق إلي معرفته فكيف يكون معرفة حسن بعض الأفعال وقبحها بالعقل مغنيا عما جاءت به الرسل فظهر أن ما ذكرتموه مجرد تهويل مشحون بالأباطيل والحمد لله( ). (According to the belief of Ahl as-Sunnah - Al-Lakai - (2/193)The chapter of twheed allah Almighty and his attributes and names And that he is capable, a hearable all knowing , a visionary, wise, remaining speaker The context of what is indicated by the Book of God Almighty and what was narrated from the Messenger of God, may God bless him and grant him peace, that The obligation of knowing God Almighty and his attributes is knowing with hearing (the evidences from quraan and sunna) , not with the intellict......... indicating that knowing God and the Apostles with hearing (the evidences from quraan and sunna)as God Almighty told This is the doctrine of the Sunnis and the community(ahl alsunnah wa algmaaa) [صفحة 94] و قال ابن تيمية ((فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها كما ثبت في الصحاح عن النبي ص في الرجل الذي قال إذا أنا مت فأحرقوني ثم استحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله على ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فقال الله له ما حملك على ما فعلت قال خشيتك فغفر له فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك وأنه لا يبعثه وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة لكنه كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالا من الرجل فيغفر الله خطأه أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحاك عن النبي ص قال لعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمنا بالكفر فهو كقتله. For absolute takfeer ( saing that whoever does this thing is disbeliver ) , like an absolute threatening, does not require the accusing of the appointed person of being kafer (disbeliver) until the proof is based on the one who denies it. As it was proven in the Sahih on the authority of the Prophet, peace be upon him, who said ((one man said that if I died, then burn me and then crush me, then shed me in the sea, if God is able to torture me, he will torture me with a torture he does not torture anyone from the worlds. Then God said to him: What makes you did what u did? he said Your fear, so he forgave him)) This man believed that God could not collect him if he did that. or doubted that, and that he did not resurect him and each of these two beliefs is a disbelief (kofr), a one will be disbeliever if the argument is based on him, but because he was ignorant of that and had no knowledge about that which can makes him away of his ignorance .and had faith in God and his command and forbidding and his promise and his threatening and feared his punishment so God forgave him because of His fear He whoever has erred in some matters of belief from the people of faith in God and His Messenger and on the other day and have righteous deed is not worse than this man then God will forgive his mistake. or torment him if he neglects to follow the truth according to the extent of his religion. As for saying that an appointed person who known that he is a believer is disbeliever simply because of bmaking a mistake , it is a great(sin). It was proven in Al-Sahih on the authority of Thabet Bin Al-Dahhak on the authority of the Prophet, PBUH. He said: The curse of the believer is like his murder, and whoever throws a believer in disbelief(saying that he is kafer) is like killing him(( [صفحة 95] وقد رد بعضهم الاستدلال بحديث الرجل الذي ذر نفسه و قالوا أنه تاب من ذلك واستدلوا برواية ضعيفة وقالوا قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن مصفى ، حدثنا بقية ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن عطية بن قيس في قوله : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) : نزلت في الذي قال : أحرقوني بالنار ، لعلي أضل الله ، قال : تاب يوما وليلة بعد أن تكلم بهذا ، فقبل الله منه وأدخله الجنة .)) ابن كثير – التفسير وفي هذا السند ((أبو بكر بن عبد الله بن أبى مريم الغسانى الشامى ،) قيل اسمه بكير ، و قيل عبد السلام ( و قد ينسب إلى جده ) الطبقة : 7 : من كبار أتباع التابعين رتبته عند ابن حجر : ضعيف و كان قد سرق بيته فاختلط رتبته عند الذهبي : ضعفوه ، له علم و ديانة وكذلك في السند (بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعى الحميرى الميتمى )، أبو يحمد الحمصى المولد : 110 هـ [صفحة 96] الطبقة : 8 : من الوسطى من أتباع التابعين الوفاة : 197 هـ ( البخاري تعليقا - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه ) رتبته عند ابن حجر : صدوق كثير التدليس عن الضعفاء. وفي سنده عطية بن قيس الكلابى ، و قيل الكلاعى ، أبو يحيى الشامى ، الحمصى و يقال الدمشقى المولد : 17 هـ الطبقة : 3 : من الوسطى من التابعين الوفاة : 121 هـ روى له ( البخاري تعليقا - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه ) رتبته عند ابن حجر : ثقة)) (مذاهب الصحابة والأدلة على عدم تكفير المتأول ) (أبو حنيفة والقول بخلق القران ) قال الشيخ عمرو بن عبدالمنعم المصري في كتابه : *أبو حنيفة ونسبته إلى القول بخلق القرآن وكتاب الحيل المنسوب إليه* جاء عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال : [صفحة 97] لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول بخلق القرآن إسنادها صحيح بل في غاية الصحة كما قال الشيخ عمرو المصري ثم إننا سنسلم جدلا لهؤلاء المبتدعة الجهمية أن أبا حنيفة كان يقول بخلق القرآن فقد روى ابن أبي حاتم في السنة له- فيما ذكره الإمام الذهبي في العلو : قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم حدثنا علي بن الحسن الكراعي قال: قال أبو يوسف : * ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر فاتفق رأينا على أن من قال القرآن مخلوق فهو كافر* إسناده حسن كما قال الشيخ عمرو المصري في كتابه أبو حنيفة ونسبته إلى القول بخلق القرآن وقد أخرج الإمام البيهقي رحمه الله في الأسماء والصفات وقال: [ رواته ثقات ] أن أبا يوسف صاحب الإمام ابو حنيفة رحمهما الله سئل هل كان ابو حنيفة يقول بقول جهم أي خلق القرآن فقال : معاذ الله ولا أنا أقوله)) (مذهب أحمد في تكفير المتأول )قال ابن تيمية الإيمان الأوسط - (1 / 56) وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ : عَلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ الْمُرْجِئَةِ . وَمَنْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَد أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَكْفِيرًا لِهَؤُلَاءِ ؛ أَوْ جَعَلَ [صفحة 98] هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُتَنَازَعِ فِي تَكْفِيرِهِمْ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا ؛ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَحْمَد وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ ؛ إنَّمَا هُوَ تَكْفِيرُ الجهمية الْمُشَبِّهَةِ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يُكَفِّرْ أَحْمَد " الْخَوَارِجَ " وَلَا " الْقَدَرِيَّةَ " إذَا أَقَرُّوا بِالْعِلْمِ ؛ وَأَنْكَرُوا خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَعُمُومَ الْمَشِيئَةِ ؛ لَكِنْ حُكِيَ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِهِمْ رِوَايَتَانِ . وَأَمَّا " الْمُرْجِئَةُ " فَلَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ تَكْفِيرِهِمْ ؛ مَعَ أَنَّ أَحْمَد لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الجهمية وَلَا كُلَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ جهمي كَفَّرَهُ وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَ الجهمية فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ ؛ بَلْ صَلَّى خَلْفَ الجهمية الَّذِينَ دَعَوْا إلَى قَوْلِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ وَعَاقَبُوا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحْمَد وَأَمْثَالُهُ ؛ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ إيمَانَهُمْ وَإِمَامَتَهُمْ ؛ وَيَدْعُو لَهُمْ ؛ وَيَرَى الِائْتِمَامَ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُمْ وَالْحَجَّ وَالْغَزْوَ مَعَهُمْ وَالْمَنْعَ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ مَا يَرَاهُ لِأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ . وَيُنْكِرُ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْقَوْلِ الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ عَظِيمٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا هُمْ أَنَّهُ كُفْرٌ ؛ وَكَانَ يُنْكِرُهُ وَيُجَاهِدُهُمْ عَلَى رَدِّهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ؛ فَيَجْمَعُ بَيْنَ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي إظْهَارِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ وَإِنْكَارِ بِدَعِ الجهمية الْمُلْحِدِينَ ؛ وَبَيْنَ رِعَايَةِ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَّةِ ؛ وَإِنْ كَانُوا جُهَّالًا مُبْتَدِعِينَ ؛ وَظَلَمَةً فَاسِقِينَ . وَهَؤُلَاءِ الْمَعْرُوفُونَ مِثْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ كَانُوا يَجْعَلُونَ قَوْلَ اللِّسَانِ ؛ وَاعْتِقَادَ الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَمْثَالِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَا نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ . لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَكَوْهُ عَنْ " الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ " ذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ : الْإِيمَانُ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ لِذَلِكَ )) [صفحة 99] وقال الحافظ ابن عبد البر في "التّمهيد" (18/ 46) : في قصة من ذر نفسه ( جهل هذا الرجل بصفة من صفات الله في علمه وقدره؛ فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين وجماعة من الصحابة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القدر. ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا حين سؤالهم عنه غير مؤمنين....إلى أن قال : فهؤلاء أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم وهم العلماء الفضلاء- سألوا عن القدر سؤال متعلم جاهل؛ لا سؤال متعنت معاند، فعلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جهلوا من ذلك، ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه، ولو كان لا يسعهم جهله وقتاً من الأوقات؟ لعلمهم ذلك مع الشهادة بالإيمان، وأخذ ذلك عليهم في حين إسلامهم، ولجعله عموداً سادساً للإسلام، فتدبر واستعن بالله )) ويظهر من كلام ابن عبد البر هنا ما قررناه سابقا أن على الناس إنما هو الإيمان المجمل دون إثبات شيء في الدين أو نفيه إلا ببرهان و مثل ما ذكره ابن عبد البر من جهل لبعض الصحابة مو ضوع القدر مثله حديث في «صحيح البخاري» (4/ 105): ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ»، قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالُوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ؟ قَالَ: «‌كَانَ ‌اللَّهُ ‌وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» فلم يكفرهم بجهلهم ما ذكر كذلك اعتقاد عائشة أن الله سيحاسب المؤمنين الصالحين يوم القيامة و هذه إثبات فعل لله جهلا تأولا وهو أمر اعتقادي جاء في «صحيح البخاري» (1/ 32): حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ [صفحة 100] حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] قَالَتْ: فَقَالَ: " إِنَّمَا ‌ذَلِكِ ‌العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ " كذلك جهل معاذ فعل من أفعال الله و هو مؤاخذة الله لنا بما نقول ‘ وهوأمر اعتقادي وهذا الحديث أراه من أعظم الحجج في عدم تكفير المتوقف في تكفير المتأول فمعاذ رضي الله عنه كان لا يعلم إذا كان الله سيؤاخذ الناس بما يتكلمون به أم لا ولا شك أن ما يتكلمون به داخل فيه قول الكفر الذي هو باللسان و لكن مع جهل معاذ بهذا الأمر عذره رسول الله صلى الله عليه وسلم و لم يكفره بل ما زاد على أن بين له جاء في الحديث قول معاذ (قال: وهل نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا؟ قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخذ معاذ، ثم قال: «يا معاذ، ثكلتك أمك -أو ما شاء الله أن يقول له من ذلك- وهل ‌يكب ‌الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به ألسنتهم؟ )) و لا أدري ما الفرق بين جاهل بصفة من صفات الله و جاهل بفعل من أفعال الله من يعرف الفرق فليسعفنا به بدليل واضح من الكتاب و السنة و إلا فلا فرق بين جاهل هذا و هذا . وأيضا الحديث التالي وهو وإن كان من رواية أبي الزبير(مسلم بن تادرس ) وأرى أنه ضعيف الحديث إلا أن الحديث في صحيح مسلم فيلزمهم إن كانوا يحسنون حديثه العمل عليه و قد جاء عند أحمد لكن بألفاظ مختلفة عن غير أبي الزبير و قال محققه شعيب صحيح و أسوق هنا الروايتين أولا رواية مسلم 2496) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، [صفحة 101] يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا» قَالَتْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ ‌إِلَّا ‌وَارِدُهَا} [مريم: 71] فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72] فهنا أنكرت حفصة صفة من صفات الله الفعلية و هي إنجائه أهل بدر و الحديبية بعد الورود و أثبتت له صفة فعلية و هي تعذيب هؤلاء أولا ولم يكفرها عليه السلام إن ثبت الحديث عنه وكلاهما من أمور الاعتقاد وجاء في «مسند أحمد» (44/ 590 ط الرسالة): «حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ، امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ ". قَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَيْسَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ ‌إِلَّا ‌وَارِدُهَا} [مريم: 71] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَمَهْ، {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} (2) [مريم: 72] قال شعيب صحيح و هذه الرواية أيضا صريحة في جهل حفصة هذه الصفات الفعلية لله فما كفرها صلى الله عليه و سلم بذلك وهذه المسألة أيضا من مسائل الاعتقادات [صفحة 102] )((قال النووي في الذي ذر نفسه وقالت طائفة: هذا الرجل جهل صفة من صفات الله -تعالى- وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة. قال القاضي: وممن كفره بذلك ابن جرير الطبري وقاله: أبو الحسن الأشعري أولاً. وقال آخرون: لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها وإليه رجع: أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق. قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلاً. وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة وإنما منعناه في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). وغير ذلك من الأدلة والله أعلم (1). ا. هـ. صحيح مسلم بشرح النووي جـ: 7 ص: 70: [صفحة 103] قال ابن حجر عن (جاهل الصفة )((وقال الحافظ قال الخطابي: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: إنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب. وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله. قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك)) قال الطبري ((في كتابه التبصير في معالم الدين _ بعد أن ذكر بعض نصوص الصفات _ قال: فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله بها نفسه، ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية، ولا يكفر بالجهل أحد إلا بعد انتهائها إليه. (1)" جاء في طبقات الحنابلة - (1 / 283) وقال الميموني سمعت أحمد بن حنبل يقول ستة أدعو لهم سحراً أحدهم الشافعي فلنذكر الآن معتقده. قرأت على المبارك قلت: له أخبرك محمد بن علي بن الفتح(العشاري) قال: أخبرنا علي بن مردك قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا يونس ابن عبد الأعلى المصري قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به فقال: لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه - [صفحة 104] صلى الله عليه وسلم - أمته لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة أن القرآن نزل به وصح عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه العدل فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو بالله كافر فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والفكر ونحو ذلك أخبار الله سبحانه وتعالى أتانا أنه سميع وأن له يدين بقوله " بل يداه مبسوطتان " وأن له يميناً بقوله " والسموات مطويات بيمينه " وأن له وجهاً بقوله " كل شيء هالك إلا وجهه " وقوله " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " وأن له قدماً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " حتى يضع الرب فيها قدمه " يعني جهنم وأنه يضحك من عبده المؤمن بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي قتل في سبيل الله " إنه لقي الله وهو يضحك " إليه وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وأنه ليس بأعور بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذ ذكر الدجال فقال: إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور " وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر وأن له إصبعاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل " فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لا يدرك حقيقته بالفكر والروية فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في [صفحة 105] السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كمن عاين وسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " قال (الجزائري ) شيخ هذه الطائفة ((نسبه الالوسي وابن حجر و ابن جماعه لابن ابي حاتم في كتابه المناقب ووهمهم وقال غير موجودة في المطبوعه منها.)) قلت(م) و هو كذلك لكن مذكورة في طبقات الحنابلة بالسند المذكور. قال الطبري في كتابه التبصير ((قال أبو جعفر: أما ما لا يصح عندنا عقد الإيمان لأحدٍ، ولا يزول حكم الكفر عنه إلا معرفته، فهو ما قدمنا ذكره.(وكان قد ذكر أنه الصانع المدبر ليس كمثله شيء قادر متكلم عالم) وذلك أن الذي ذكرنا قبل من صفاته لا يعذر بالجهل به أحدٌ بلغ حد التكليف كان ممن أتاه من الله تعالى ذكره رسولٌ أولم يأته رسولٌ، عاين من الخلق غيره أو لم يعاين أحداً سوى نفسه. ولله تعالى ذكره أسماءٌ وصفاتٌ جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به، وصح عنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما [صفحة 106] روي عنه به الخبر منه خلافه؛ فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه فمعذورٌ بالجهل به الجاهل. لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكرة. وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميعٌ بصيرٌ، وأن له يدين لقوله: {بل يداه مبسوطتان} . وأن له يميناً لقوله: {والسموات مطويات بيمينه} . وأن وله وجهاً لقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} ، وقوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . وأن له قدماً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حتى يضع الرب قدمه فيها)) . يعني جهنم. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل الله: ((إنه لقي الله عز وجل وهو يضحك إليه)) . أنه يهبط كل ليلةٍ وينزل إلى السماء الدنيا، لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنه ليس بأعور لقول النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الدجال فقال: ((إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور)) . وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غيايةٌ، وكما يرون القمر ليلة البدر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وأن له أصابع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن)) . [صفحة 107] فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها، مما وصف الله عز وجل بها نفسه، أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم مما لا تدرك حقيقة علمه بالفكر والروية. ولا نكفر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه. فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه)) فانظر كيف أن الطبري ينقل عقيدة الشافعي بالتمام و ينسبها إلى نفسه إلا أنه رحمه الله لا يعذر بالجهل في الصفات التي تعرف بالعقل أو الفطرة عنده وهي التي ذكرتها في أول كلامه .و من الملاحظات على هذا الفريق وهم القائلون بتكفير عاذر المتأول أنهم كثيرا ما يستدلون بكلام الطبري و هو أحد أعمدتهم في هذا الباب لكونه لا يعذر بالجهل في بعض الصفات التي ثبتت بالفطرة من وجهة نظره إلا أنهم هنا لما خالفهم الطبري في عدم تكفير منكر صفة السمع و البصر لأنهما عنده لا يثبتان بالعقل أو الفطرة بل يثبتان بالسمع لم يكفروه و هو هنا عاذر للمتأول و جاهل هذه الصفات التي هي عندهم أن جهلها كفر و عاذر جاهلها كافر إلا أنهم لم يكفروا الطبري هنا وهذا تناقض واضح.)) ((قال اللالكائي اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - (1 / 180) والقرآن- كلام الله- وعلمه واسماؤه وصفاته وأمره ونهيه ليس بمخلوق بجهة من الجهات من زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفرا ينقل عن الملة ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو [صفحة 108] كافر))ا.ه وهذا نقل اللالكائي واضحا في عذر العاذر و اشتراط توافر العلم و الفهم للحجة لتكفيره رحمه الله (تعامل علي رضي الله عنه مع الخوارج و عذره لهم بتأويلهم ) هذا مع نقل الأشعري نصاً (وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن)[مقالات الإسلاميين:108 و أنقل هنا هذا الكلام مع كوني أرى تكفير الخوارج لقوله عليه السلام فيهم ((هم شر الخلق والخليقة ،يخرجون من الدين ثم لا يعودون فيه ، كلاب النار ) لكن أسوق ما جاء عن علي هنا لبيان أنه عذر هؤلاء بتأويلهم فهذا دليل على أن مذهبه العذر بالتأويل و هو خليفة راشد من سادات السلف وكذلك ذكرنا عذر ابن عباس لهم بقوله لهم (أمكم عائشة ) فدل ذلك على اعتباره لهم مؤمنين لأن عائشة أم المؤمنين فأغنى عن إعادته هاهنا كذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة تكفيره لعليا في هذه المسألة فدل على أن مذهب كل من وصله فعل علي هذا برواية أو مباشرة هو عدم تكفير عاذر المتأول و هاك النصوص أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٣٢) عن طارق بن شهاب قال: كنت عند علي فسئل عن أهل (النهر) أهم مشركون؟ قال: من الشرك فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلّا قليلًا، قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا. وقال محققه إسناده حسن. والله تعالى أعلم. [صفحة 109] و أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٣٢٧) عن كثير بن نمير قال: بينا أنا في الجمعة وعلي بن أبي طالب على المنبر إذ جاء رجل فقال: لا حكم إلا لله ثم قام آخر فقال: لا حكم إلا لله ثم قاموا من نواحي المسجد يحكمون الله، فأشار عليهم بيده: اجلسوا نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يُبتغى بها باطل، حكم الله ينتظر فيكم، الآن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا، لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئًا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا، ثم أخذ في خطبته. و قال محققه إسناده حسن والحديث أخرجه الطبري (٥/ ٧٣) من طريق أبي مخنف. وأخرج الطبري (٥/ ٧٣) ، وابن أبي شيبة (١٥/ ٣١٢) عن أبي رزين قال: لما كانت الحكومة بصفين وباين الخوارج عليًّا رجعوا مباينين له وعلي في عسكره حتى دخل علي الكوفة مع الناس بعسكره، ومضوا هم إلى حروراء في عسكرهم، فبعث علي إليهم ابن عباس فكلمهم فلم يقع منهم موقعًا، فخرج علي إليهم فكلمهم حتى أجمعوا هم وعلي على الرضا. فرجعوا حتى دخلوا الكوفة على الرضا منه ومنهم، فأقاموا يومين أو نحوًا من ذلك قال: فدخل الأشعث بن قيس وكان يدخل على علي فقال: إن الناس يتحدثون أنك رجعت لهم عن كفرك، فلما أن كان الغد الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فخطب فذكرهم ومباينتهم [صفحة 110] الناس وأمرهم الذي فارقوه فيه، فعابهم وعاب أمرهم قال: فلما نزل علي عن المنبر تنادوا من نواحي المسجد لا حكم إلا لله فقال علي: حكم الله أنتظر فيكم، ثم قال بيده هكذا يسكتهم بالإشارة وهو على المنبر حتى أتى رجل منهم واضعًا أصبعيه في أذنيه وهو يقول: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وفي الطبري بزيادة [قال علي: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}]، وإسناده حسن. (موقف أبي بكر من عمر في حادثة مانعي الزكاة ) نقل عن من يكفرون العاذر للمتأول أنهم يقولون بكفر مانعي الزكاة و أن أبا بكر لم يعذرهم بالتأويل فقالوا ((إجماع الصحابة على تكفير مانعي الزكاة كما حكاه الإمام أبو عبيد ، وأبو بكر الجصاص، والقاضي أبو يعلي ، والحافظ ابن عبد البر، وأبو الفرج المقدسي، وشيخ الإسلام ابن تيمية ولم يعذروهم بالتأويل والجهل.ولا يستريب مطلع في أنهم كانوا جاهلين متأولين مع حداثة العهد بالإسلام والدين.)) أ.ه لكن لو صح قولهم هذا وهو إن مانعي الزكاة كانوا كفارا ،و كانوا متأولين ـولم يعذرهم أبو بكر بتأويلهم فما موقفكم من عمر (عاذر المتأولين ) هنا؟، فعمر عذر مانعي الزكاة و استنكر قتالهم في أول الأمر و جاء إنكاره في صحيح البخاري ((أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [صفحة 111] وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ‌كَيْفَ ‌تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ "))فالسؤال هنا إذا كان مذهب أبي بكر تكفير مانعي الزكاة و عدم عذرهم بالتأويل فمذهبه أيضا هو عذر (عاذر المتأولين ) وهو عمر هنا من نص الحديث في أول الأمر فلم يكفر عمر رأساً. ومن قولكم أن أقوال السلف حجة فأبو بكر سيد السلف من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومن الخلفاء الراشدين الذين قيل فيهم (عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين ) فيلزمكم اتباعه هنا و عذر (عاذر المتأول) و إلا فيلزمكم تكفير عمر و تكفيرأبي بكر أيضا إذ لم يعتبر عمر منع الزكاة _وهو الناقض الكفري عندهم _كفرا و استنكر قتال _مجرد قتال_ المتلبسين به على زعمكم بل و اعتبرهم مسلمين موحدين . و نسألهم هل ظل عمر كافرا هذه الفترة من الدهر فإن قالوا نعم فقد أتوا بفرية عظيمة و حصلول في تكفير أشرف السلف بعد الصديق و إن قالوا لا لم يكفر فنقول لهم فاعذروا العاذر الذي سمى من هم مشركون في نظركم مسلمين لتأويل وقع عنده فما زاد فعل هذا العاذر عن فعل عمر شيئا وهذا كله مع التنزل لهم أن الصحابة قد أجمعوا على كفر مانعي الزكاة فقط . [صفحة 112] (كلام الحازمي نفسه عن المتأول والعاذر ) قال الحازمي ((وإنما المراد أنه يقول قولاً فاحشًا كما عبَّر بعضهم ، يكون بعيدًا عن الحق ، حينئذٍ نقول : هذا يُعتبر ماذا ؟ يعتبر من الزلات ، وهذا نمثل له بالعصر الحادث الآن من يقول بأن تحكيم غير شرع الله عز وجل كفرٌ دون كفرٍ ، وهذه زلة عظيمة قد قال بها بعض أهل العلم الكبار ، لكن لا يقلَّدون في ذلك وتحفظ مكانتهم لكن لا يُتبع ، ويُبين أن هذه زلة ، ويُبين أن هذا في أصله قوله كفر لكنه لا يكفر كل من قال الكفر في مثل هذه المسائل لكن نقول : هذه زلة ، وهذا قولٌ قبيح فاحش ، لكن إذا ظهر أنه من أهل العلم وقصده حسن لا يُكَفَّر ، وإذا علمنا أنه صاحب هوى وهذا هو الكثير الغالب فهم كفار يلحقون بماذا ؟ بتحكيم الطواغيت ونحو ذلك ، لأن هذا يُعتبر من المعلوم من الدين بالضرورة وكذلك مسألة العذر بالجهل إذا أعذر هؤلاء المشركون إذا كان من أهل العلم ، حينئذٍ كالمسألة السابقة ، وإلا في الأصل أنه يكفر ، لأنه ما كفر من كفره الله تعالى ورسوله . ثانيًا : يجب عليك أن لا تتبع هذا العالم في زلته ، فإن اتبعته لهوى حينئذٍ قد لا يكفر هو ، لكن تكفر أنت ، صحيح ؟ ليس بلازم كما بعض الناس هكذا إذا أراد أن يُلزمك يقول إذًا يلزمك إذا قلت بأن التحكيم بغير الشريعة كفر أن تكفر فلان وفلان نقول : لا ، لا يلزم ، أكفرُكَ أنت وذاك لا أكفره ، لا يلزم ليس بلازم ، لماذا ؟ لأننا علمنا أن قد تكون ثَمَّ شبهة عند العالم وقد يكون حسن القصد حينئذٍ يكون ذلك عذر ، و أهل العلم جروا على ذلك ، لكن أنت ما ظهر منك ذلك ، وليست من أهل العلم أصلاً ، من أجاز لك أن تقلِّد ، لا بد من الرجوع إلى الكتاب والسنة ، فإذا كان كذلك ليس بلازم أنك إذا كفَّرت شخصًا ماذا ؟ أن تكفَّر من قلده . قل : ليس بلازم البتة ، فإنه إتباع للخطأ على عمدٍ ، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه وكلاهما مفرّط ، يعني حتى لو لم يعرف أنها زلة فاتبعه ، هذا يعتبر مفرطًا ، لأنه ما رجع إلى الأصل ، الأصل ما هو ؟ الكتاب والسنة ، وأن يبحث في الكتاب والسنة لا أن يبحث في أقوال فلانٍ وفلان من الرجال)) [صفحة 113] (أقوال العلماء و آثار السلف التي نقلوها في عدم العذر للمتأولين ) قول حرب الكرماني (34) : قال -رحمه الله-: من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي خبيث مبتدع ، ومن لم يكفر هؤلاء القوم ولا الجهمية كلهم فهو مثلهم . [ مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص360) ] قول زياد بن أيوب الطوسي دلويه (35) : قال -رحمه الله-: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر لا شك فيه ، قيل له : فمن لم يكفرهم يسمع منه ؟ قال : لا ، ولا كرامة. قيل له : فإن لي منهم قرابات أبرهم وأسلم عليهم ؟ قال : لا ، ولا تشهد جنائزهم ولا تعدهم .(ضعيف) [ أخرجه القاضي أبو يعلي في طبقات الحنابلة (1 / 422) ] قال: أنبأنا خال __________ (34) ` ()حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وكان فقيهاً حافظاً من أصحاب الإمام أحمد، روى عنه مسائل. قال الذهبي: ((مسائل حرب من أنفس كتب الحنابلة وهو كبير في مجلدين)) ينظر: طبقات الحنابلة (1/ 145 - 146) سير أعلام النبلاء (13/244-245) (35) ` ()زياد بن أيوب بن زياد الطوسي ويلقب أيضا: دلويه , وقال أبو حاتم: صدوق الجرح والتعديل (3/525) [صفحة 114] أمي(36) عن ابن بطة(37) حدثنا أبو بكر محمد بن محمود السراج(38) حدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب الطوسي دلويه فذكره(39)(ضعيف ) قول زهير بن حرب (خطأ) الصواب مصعب بن سعيد المصيصي (40) : وقال رحمه الله : "من زعم أن القرآن كلام الله مخلوق ، فهو كافر ، ومن شك في كفره فهو كافر . [ شرح أصول الاعتقاد (430) ] قول يزيد بن هارون(41) : جاء في الابانة لابن بطة (257) عن يَزِيد بْنِ هَارُونَ يَقُولُ : مَنْ قَالَ : الْقُرْآنُ __________ (36) ` ()علي بن أحمد بن محمد بن علي بن البسري البغدادي، البندار روي عن ابن بطة وعنه ابن أبي يعلي, قال الخطيب: كتبت عنه وكان صدوقا. وقال أبو سعد السمعاني: كان شيخا صالحا عالما ثقة, سنة أربع وسبعين وأربع مائة. تاريخ بغداد (11/335) سير أعلام النبلاء (18/402) (37) ` ()عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي، ابن بطة، مصنف كتاب (الإبانة الكبرى, وصفه الذهبي بالإمام، القدوة، العابد، الفقيه، المحدث، شيخ العراق, ثم قال : لابن بطة مع فضله أوهام وغلط . السير (16/529-530) (38) ` ()محمد بن محمود بن محمد بن المنذر بن ثمامة أبو بكر السراج ذكره يوسف بن عمر القواس، في جملة شيوخه الثقات , وقال أبو القاسم الآبندوني: لا بأس به تاريخ بغداد (4/25) (39) ` ()فالإسناد ثابت عن ابن دلويه ورجال ا|لإسناد ثقات كما تقدم (40) ` ()ملحوظة هامة : أبو خيثمة المذكور في سند اللالكائي ليس هو زهير بن حرب بن شداد إنما هو : مصعب بن سعيد المصيصي وسيأتي الأثر فيما بعد علي الصواب (41) ` ()يزيد بن هارون أَبُو خالد الواسطي قال أحمد بْن حنبل: كَانَ حافظا متقنا للحديث، صحيح الحديث تهذيب الكمال (32/266) [صفحة 115] مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ ." قول أحمد بن حنبل : قال الإمام أحمد رحمه الله : من قال : القرآن مخلوق فهو كافر ، ومن شك في كفره فهو كافر. [ طبقات الحنابلة (1/461) ] وقال أيضا : والقرآن كلام الله تكلم به ، ليس بمخلوق ومن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر ، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأول ، ومن زعم أنّ ألفاظنا به ، وتلاوتنا له مخلوقة ، والقرآن كلام الله فهو جهمي ، ومن لم يكفر هؤلاء القوم فهو مثلهم ) . (ضعيف ) [ أصول السنة برواية عبدوس العطار(42) ، المطبوع مع العقيدة برواية أبي بكر الخلاّل ص 79 ط. دار قتيبة / دمشق سنة 1408هـ - 1988م ] __________ (42) ` ()هو عبدوس بن مالك العطار أبو محمد ذكره أبو بكر الخلال فقال كانت له عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل منزلة في هدايا وغير ذلك وله به انس شديد وكان يقدمه وقد روى عن أبي عبد الله مسائل لم يروها غيره ولم تقع إلينا كلها مات ولم تخرج عنه. طبقات الحنابلة لأبن أبي يعلى (338) [صفحة 116] جاء في السنة لعبد الله بن أحمد - (1 / 112) حدثني غياث بن جعفر (43) قال سمعت سفيان بن عيينة (44) يقول القرآن كلام الله عزوجل من قال مخلوق فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر // (ضعيف) جاء في تاريخ بغداد - (7 / 365) __________ (43) هو مستملي سفيان بن ` () غياث بن جَعْفَر الشامي الرحبي ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب الثقات وَقَال الدَّارَقُطنِيّ: عُيَيْنَة، روى عن ابْن عُيَيْنَة حديثا كثيرا. تهذيب الكمال (23/126) (44) ` ()سُفْيَان بن عُيَيْنَة بن أَبي عِمْران من رجال الجماعة قَال أَحْمَد بْن عَبد اللَّهِ العجلي: سُفْيَان بْن عُيَيْنَة كوفي ثقة، ثبت فِي الحديث، وكان بعض أهل الحديث يَقُولُ: هو اثبت الناس فِي حديث الزُّهْرِيّ، وكان حسن الحديث، وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث، وكان حديثه نحوا من سبعة آلاف، ولم تكن لَهُ كتب. . تهذيب الكمال (11/189) [صفحة 117] أخبرنا أبو بكر البرقاني(45) قال قرأت على بشر بن أحمد الإسفراييني(46) قال لكم أبو سليمان داود بن الحسين البيهقي(47) بلغني أن الحلواني الحسن بن علي(48) قال إني لا أكفر من وقف في القرآن فتركوا علمه قال أبو سليمان سألت أبا سلمة بن شبيب عن علم الحلواني قال يرمى في الحش ثم قال أبو سلمة من لن يشهد بكفر الكافر فهو كافر(49)(ضعيف) بلاغ جاء في طبقات الحنابلة - (1 / 172) __________ (45) ` ()الإمام، العلامة، الفقيه، الحافظ، الثبت، شيخ الفقهاء والمحدثين، أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي، ثم البرقاني، الشافعي، صاحب التصانيف قال الخطيب:كان البرقاني ثقة ورعا ثبتا فهما، لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه، له حظ من علم العربية، كثير الحديث، تاريخ بغداد " 4 / 374. (46) ` ()الإمام، المحدث، الثقة، الجوال، مسند وقته، أبو سهل بشر بن أحمد بن بشر بن محمود الإسفراييني كبير إسفرايين، وأحد الموصوفين بالشهامة والشجاعة. سير أعلام النبلاء (16/228-229) (47) ` ()داود بن الحسين بن عقيل أبو سليمان البيهقي المحدث، الإمام، الثقة، مسند نيسابور. سير أعلام النبلاء (13/579) (48) ` ()الْحَسَن بن علي بن محمد الحلواني قَال يَعْقُوب بْن شَيْبَة كَانَ ثقة، ثبتا، متقنا. قَال أَبُو داود: كَانَ لا ينتقد الرجال. وَقَال أيضا: كَانَ عالما بالرجال، وكان لا يستعمل علمه وَقَال النَّسَائي: ثقة , وَقَال الذهبي: ثبت حجة"، وَقَال ابن حجر: ثقة حافظ. وقد غمزه الإمام أحمد لأجل التوقف في تكفير من قال لفظى بالقرآن مخلوق تهذيب الكمال (6/262-263) سير أعلام النبلاء: 11 / 398 (49) ` ()وسنده صحيح إلي داود بن الحسين لكن لم يذكر من بلغه هذا الخبر فالواسطة مجهولة , وقد خرج الخطيب في تاريخ بغداد (7/365) عنه أنه قال : القرآن كلام الله غير مخلوق، ما نعرف غير هذا. [صفحة 118] وأنبأنا أبو الحسين بن المهتدي بالله(50) عن أبي الحسين بن أخي ميمي (51)) قال: أخبرنا علي بن محمد الموصلي(52) حدثنا موسى بن محمد الغساني (53) حدثنا شاهين بن السميذع(54) قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول الحسين الكرابيسي (55) عندنا كافر(56).(موضوع) (1/173) وقال سمعت أبا عبد الله يقول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر وقال سمعت أبا عبد الله يقول من قال: القرآن مخلوق فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر(57). (موضوع )وفيه مجهول جاء في اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - (2 / 249) __________ (50) ` ()محمد بن علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله أبو الحسين ابن المهتدي بالله , قال الخطيب: كان ثقة نبيلا. تاريخ بغداد (11/108-109) (51) ` ()محمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن هارون أبو الحسين الدقاق المعروف بابن أخي ميمي , قال الخطيب : وكان ثقة مأمونا دينا فاضلا. تاريخ بغداد (3/88-89) (52) ` ()علي بن محمد بن سعيد أبو الحسن الموصلي نزيل بغداد. قال أبو نعيم : هو كذاب. وقال ابن الفرات: مخلط غير محمود. تاريخ بغداد (12/82) تاريخ الإسلام (26/194) (53) ` ()لم أقف له علي ترجمة وقد ذكر الخطيب في ترجمة علي بن محمد الموصلى أنه روي عن جماعة لا يعرفون فلعله أحدهم. تاريخ بغداد (12/82) (54) ` ()شاهين بن السميذع أبو سلمة العبدي قال ابن أبى يعلي : نقل عن إمامنا أشياء. ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً فهو شبه المجهول طبقات الحنابلة (1/172) (55) ` ()الْحُسَيْن بن عَلِيّ بن يزيد أَبُو عَلِيّ الكرابيسي. قال الخطيب: كان فهما عالما فقيها، وله تصانيف كثيرة فِي الفقه وفي الأصول تدل عَلَى حسن فهمه، وغزارة علمه. وحديث الكرابيسي يعز جدا وذلك أن أَحْمَد بن حنبل كَانَ يتكلم فيه بسبب مسألة اللفظ، وكان هو أيضا يتكلم فِي أَحْمَد، فتجنب الناس الأخذ عنه لهذا السبب. تاريخ بغداد (8/63) (56) ` ()وهذا الإسناد في سنده مجهولان وكذاب فارم به (57) ` ()هو تكملة لكلام الإمام أحمد بالإسناد السابق وفي سنده مجهولان وكذاب فارم به [صفحة 119] وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن الخضر المقري(58) قال حدثنا أحمد بن سليمان(59) قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن صهيب(60) قال حدثنا عباس بن الأزهر(61) قال حدثنا أبو محمد يحيى بن خلف المقري(62) .......ثم قدمت الكوفة فلقيت ابا بكر بن عياش فقلت له ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق وحكيت له كلام الرجل فقال كافر ومن لم يقل إنه كافر فهو كافر(63) ) (ضعيف) اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - (2 / 256) أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن مسلم (64) قال حدثنا أحمد بن الحسن(65) قال حدثنا أبو الليث يعني يزيد بن جهور (66) قال سمعت أبا خيثمة يعني مصعب بن __________ (58) ` ()أحمد بن عبد الله بن الخضر بن مسرور, قال الخطيب: كان ثقة دينا، حسن الاعتقاد، شديدا في السنة. تاريخ بغداد 4/ 237 (59) ` ()أحمد بن سليمان بن الحسن الفقه الحافظ قال الخطيب: وكان صدوقا عارفا، صنف كتابا كبيرا في السنن. تاريخ بغداد 4/ 189- 192 (60) ` ()لم أجد له ترجمة (61) ` ()لم أجد له ترجمة (62) ` ()يحيى بن خلف أبو محمد الطرسوسي: قال الذهبى: مجهول. حكى عن مالك قولاً منكراً، وهو أنه سأله سائل: ما تقول في القرآن فيمن قال هو مخلوق؟ فقال: زنديق. خذوه فاقتلوه. قال: إنما أحكي ما قيل. قال: ما سمعته إلا منك. ومعاذ الله أن يأمر مالك بقتل حاكي الكفر أو يحكم بزندقته. وقال الذهبى أيضاً : ليس بثقة أتى عن مالك بما لا يحتمل. ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين (533) المغنى في الضعفاء (6957) ميزان الإعتدال (4/372) (63) ` ()لا يثبت عن الإمام مالك واتهم الذهبي يحيي بن خلف الطرسوسي به كما سبق (64) ` ()أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي مسلم قال الخطيب : قد أدركته حيا في سنة اثنتي عشرة وأربع مائة وكان صدوقا. تاريخ بغداد (5/135) (65) ` ()هو أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد وقد تقدم قال الخطيب صدوق (66) ` ()يزيد بن جهور أبو الليث الطرسوسي قال الحاكم: قال الدَّارَقُطْنِيّ: يزيد بن جهور أبو الليث، كان بالثغر، لا بأس به.. سؤالات الحاكم للدارقطنى (242) [صفحة 120] سعيد المصيصي(67) قال سمعت ابن المبارك (68)وموسى بن أعين(69) يقولان من قال القرآن مخلوق فهو كافر أكفر من هرمز (70)(ضعيف) 430 - وقال أبو خيثمة(71) من زعم أن القرآن كلام الله مخلوق فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر. )) (أبو خيثمة هذا ضعيف) جاء في طبقات الحنابلة - (1 / 156) وأنبأنا خال أمي(72) عن ابن بطة(73) حدثنا أبو بكر محمد بن محمود السراج(74) حدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب الطوسي دلويه (75) حدثنا أبو نميلة يحيى بن __________ (67) ` ()مصعب بن سعيد أبو خيثمة المكفوف المصيصي قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف عليهم. الكامل في الضعفاء (8/89) ميزان الإعتدال (4/119) (68) ` ()عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي ، مولاهم التركي، ثم المروزي الحافظ، فريد الزمان وشيخ الإسلام. تهذيب الكمال (16/5-25) (69) ` ()مُوسَى بن أعين الجزري , قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. الجرح والتعديل (8/136-137) (70) ` ()سنده ضعيف وقد ضعف ابن عدي مصعب بن سعيد كما سبق (71) ` ()هو مصعب بن سعيد أبو خيثمة ضعفه ابن عدي وسبق الكلام عليه (72) ` ()تقدمت ترجمته (73) ` ()تقدمت ترجمته (74) ` ()تقدمت ترجمته (75) ` ()تقدمت ترجمته [صفحة 121] واضح(76) أخبرنا موسى بن عبيدة (77) عن أيوب بن خالد بن صفوان(78) عن ابن عمر قال: " من صلى بعد المغرب أربع ركعات كان كالمعقب غزوة بعد غزوة (79)" (ضعيف). وقال زياد بن أيوب من قال: القرآن مخلوق فهو كافر لا شك فيه قيل له فمن لم يكفرهم يسمع منه قال: لا ولا كرامة قيل له فإن لي منهم قرابات أبرهم وأسلم عليهم قال: لا ولا تشهد جنائزهم ولا تعدهم(80))) جاء في اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - (1 / 176) أخبرنا محمد بن المظفر المقري(81) قال حدثنا الحسين بن محمد بن حبش المقري (82) قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن ابي حاتم(83) قال: __________ (76) ` ()يحيى بن واضح الأنصاري من رجال الجماعة قال ابن معين والنسائى وابن حبان: ثقة تهذيب الكمال (32/22-25) (77) ` ()موسى بن عبيدة بن نشيط بن عمرو بن الحارث الربذي, قال أحمد: منكر الحديث , وقال أيضاً : لا يشتغل به , وقال أبو حاتم: منكر الحديث تهذيب الكمال (29/104-114) (78) ` ()أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس بن جابر بن قرط بن قيس الأنصاري النجاري المدني, قال الأزدي : ليس حديثه بذاك تكلم فيه أهل العلم بالحديث" وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه. ينظر : تهذيب التهذيب (1/401) (79) ` ()إسناده ضعيف جداً , وموسي بن عبيدة وأيوب بن خالد ضعيفان (80) ` ()الإسناد إلي زياد بن أيوب قوي وقد تقدم (81) ` ()محمد بن المظفر بن علي بن حرب أبو بكر المقرئ الدينوري , قال الخطيب : كتبنا عنه، وكان شيخا صالحا، فاضلا، صدوقا. تاريخ بغداد (4/30) (82) ` ()الحسين بن محمد بن حبش، أبو علي الدينوري المقرئ. متقدم في علم القراءة، مشهور بالإتقان، ثقة مأمون. تاريخ الإسلام (26/536) (83) ` ()عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران قال الخليلي : أثنى عليه جماعة بالزهد والورع التام والعلم والعمل الوافي بالوفيات. (18/135-136) [صفحة 122] سألت أبي (84) وابا زرعة (85) عن مذاهب أهل السنة في اصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك فقالا أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم ........ ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر(86))(فيه صدوقان و بقية سنده ثقات ) و هذا ليس فيه أن هذا كافر على التعيين أبدا كذلك أنظر إلى تقييده تكفير من شك في كفره بمن يفهم فدل على عذر العاذر حتى تقوم عليه الحجة و يفهمها جاء في السنة لعبد الله بن أحمد - (1 / 112) حدثني غياث بن جعفر(87) قال سمعت سفيان بن عيينة(88) يقول القرآن كلام الله عزوجل من قال مخلوق فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر // إسناده حسن __________ (84) ` ()عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولى الرازي الحافظ أحد الأئمة الأعلام. قال أبو حاتم: لم يخلف بعده مثله علماً وفقهاً وصيانة وصدقاً وهذا ما لا يرتاب فيه، وقال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل. تهذيب الكمال (19/89) (85) ` ()محمد بن إدريس بن المنذر الإمام محمد بن إدريس الحنظلي كان بارع الحفظ واسع الرحلة في أوعية العلم. توفى سنة سبع وسبعين ومائتين رحمه الله. تهذيب الكمال (24/381) (86) ` ()إسناده صحيح إليهما وهذه العقيدة ثابتة لابن أبي حاتم (87) ` ()غياث بن جَعْفَر الشامي الرحبي ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب الثقات وَقَال الدَّارَقُطنِيّ: عُيَيْنَة، روى عن ابْن عُيَيْنَة حديثا كثيرا. (88) ` ()تقدمت ترجمته [صفحة 123] فانظر رحمك الله كيف لم يثبت لهم عن احد من السلف قولا يشبه قولهم إلا قول سفيان بن عيينه أما النقل عن أحمد بن حنبل فإن صح فقد سبق أن أحمد لا يعد من السلف لكونه لم يندرج تحت طبقة تابعي التابعين كذلك احتمالية كون هذا الكلام من الكلام المطلق في الكلام عن النوع لا عن العين إذ أنه من المشهور عنه رحمه الله عدم تكفيره لحكام عصره القائلين بخلق القران على الأعيان كما سبق النقل عنه فيحمل كلامه هذا على الإطلاق. (مذهب أحمد في العذر بالتأويل )قال ابن تيمية الإيمان الأوسط - (1 / 56) وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ : عَلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ الْمُرْجِئَةِ . وَمَنْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَد أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَكْفِيرًا لِهَؤُلَاءِ ؛ أَوْ جَعَلَ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُتَنَازَعِ فِي تَكْفِيرِهِمْ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا ؛ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَحْمَد وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ ؛ إنَّمَا هُوَ تَكْفِيرُ الجهمية الْمُشَبِّهَةِ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يُكَفِّرْ أَحْمَد " الْخَوَارِجَ " وَلَا " الْقَدَرِيَّةَ " إذَا أَقَرُّوا بِالْعِلْمِ ؛ وَأَنْكَرُوا خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَعُمُومَ الْمَشِيئَةِ ؛ لَكِنْ حُكِيَ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِهِمْ رِوَايَتَانِ . وَأَمَّا " الْمُرْجِئَةُ " فَلَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ تَكْفِيرِهِمْ ؛ مَعَ أَنَّ أَحْمَد لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الجهمية وَلَا كُلَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ جهمي كَفَّرَهُ وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَ الجهمية فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ ؛ بَلْ صَلَّى خَلْفَ الجهمية الَّذِينَ دَعَوْا إلَى قَوْلِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ وَعَاقَبُوا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحْمَد وَأَمْثَالُهُ ؛ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ إيمَانَهُمْ وَإِمَامَتَهُمْ ؛ وَيَدْعُو لَهُمْ ؛ وَيَرَى الِائْتِمَامَ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُمْ وَالْحَجَّ وَالْغَزْوَ مَعَهُمْ وَالْمَنْعَ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ مَا يَرَاهُ لِأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ . وَيُنْكِرُ مَا أَحْدَثُوا مِنْ [صفحة 124] الْقَوْلِ الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ عَظِيمٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا هُمْ أَنَّهُ كُفْرٌ ؛ وَكَانَ يُنْكِرُهُ وَيُجَاهِدُهُمْ عَلَى رَدِّهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ؛ فَيَجْمَعُ بَيْنَ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي إظْهَارِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ وَإِنْكَارِ بِدَعِ الجهمية الْمُلْحِدِينَ ؛ وَبَيْنَ رِعَايَةِ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَّةِ ؛ وَإِنْ كَانُوا جُهَّالًا مُبْتَدِعِينَ ؛ وَظَلَمَةً فَاسِقِينَ . وَهَؤُلَاءِ الْمَعْرُوفُونَ مِثْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ كَانُوا يَجْعَلُونَ قَوْلَ اللِّسَانِ ؛ وَاعْتِقَادَ الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَمْثَالِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَا نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ . لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَكَوْهُ عَنْ " الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ " ذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ : الْإِيمَانُ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ لِذَلِكَ حَتَّى أَطْلَقَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ)) و بعد ذكر ما سبق يتبين التالي أولا أنهم لم يثبت لهم عن السلف الا القليل النادر و هو مع ذلك محتمل أن يكون الكلام في النوع لا العين هذا و لا بد من التفرقة هنا بين مسألتين المسألة الأولى هو حكم المعرض عن التعلم المفتري على الله كذبا بشرك أو بغيره وهو المتأول تأويلا فاسدا الذي سبق بيانه و كذلك كل من لم يدخل الإسلام فهذا ترجح لي عدم عذره الثاني رجل دخل الإسلام و امن الإيمان المجمل ثم بذل وسعه في مسألة اعتقادية و أخطأ فيها متأولا فهنا يترجح العذر و ذلك مثل مسائل الصفات و غيرها و هذا للرد على الذين يكفرون الأشاعرة و الماتريدية على الأعيان و تعميمهم التكفير لجاهل الصفة أو المتأول فيها فيقال لهم هناك فرق بين مسألتين المسألة الأولى رجل جهل الصفة فسكت و قال الله أعلم إني أؤمن الإيمان المجمل فهذا لا شك في عدم كفره إذ ليس بواجب على كل [صفحة 125] أحد معرفة أسماء الله و ما أخبر به عن نفسه على التفصيل و سأذكر أدلة ذلك مفصله فيما بعد من جهل بعض الصحابة رؤية الله وأنه يعلم ما نكتم وانه يؤاخذنا بحصائد السنتنا و انه قدر لنا اعمالنا سلفا وغير ذلك كذلك سؤال الحواريين و الرجل الذي ذر نفسه – فلا يشترط الايمان المفصل بالعلم بكل الجزئيات حتى يكون مؤمنا وقد سبق قبول النبي صلى الله عليه و سلم ايمان قومه بدون ذلك . ويدخل في هذا من عرف صفة لله لكنه قال بتأويلها الى شيئ صحيح لغة و له وجه ، مستدلا بقوله تعالى( ليس كمثله شيء )و كذلك من امن بأنه لا حكم إلا لله لكنه أيد أحد المترشحين ليس ليحكم بغير ما أنزل الله بل نيته تقليل الشر على المسلمين قال عليه السلام (إنما الأعمال بالنيات ) هذا مع كونه سالما من تحسين المنكر من الحكم بغير ما أنزل الله بقول أو بفعل كارها له و لا معينا بذلك على انتهاك حرمة مسلم بقتل أو زنى أو لواط أو غير ذلك إذ أن هذه الأشياء أعني تحسين المنكر و الافتراء على الله و تغيير الدين و انتهاك حرمة المسلم لا يبيحه الإكراه كما بينا من قبل في غير هذا المبحث فهذا تأول الترخص في فعل كفر لرفع البلاء عن المسلمين مستدلا بترخص محمد بن مسلمة و استئذانه للنبي صلى الله عليه و سلم أن يقع فيه بالقول لتخليص المسلمين من شر كعب بن الأشرف و مثله سواء بسواء قصة الحجاج بن علاط عندما أراد تخليص ماله من المشركين فهذا نوع تأول بالشروط السابقة و الله أعلم . [صفحة 126] (لماذا العذر بالتأويل ) العذر بالتأويل لأن المتأول قد بذل وسعه لمعرفة حكم الله و ليس هو كالمعرض فصح كون المتأول مخطئا و المخطئ معذور وقد لا يعذر من العقوبة بل يعذر من التكفير فقط قال ابن تيمية: "وهذا الذي ذكرته فيما تركه المسلم من واجب، أو فعله من محرم بتأويل اجتهاد أو تقليد؛ واضح عندي، وحاله فيه أحسن من حال الكافر المتأول. وهذا لا يمنع أن أقاتل الباغي المتأول، وأجلد الشارب المتأول، ونحو ذلك؛ فإن التأويل لا يرفع عقوبة الدنيا مطلقاً؛ إذ الغرض بالعقوبة دفع فساد الاعتداء"اهـ (مجموع الفتاوى 22/14) وقال: "ليس في هؤلاء أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا فيهم؛ إلا من هو مجروح من المسلمين ببدعة، وإن كان متأولاً فيها، ومغفوراً له خطأه"اهـ (بيان تلبيس الجهمية 2/358) وقال: "قد يكون كل من المتنازعين مبتدعاً، وكلاهما جاهل متأول"اهـ (مجموع الفتاوى 23/356) الخطأ في التأوّل: والتأول هو وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهاد أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النصّ. فيقدم المكلف على فعل الكفر وهو لايراه كفراً محتجاً بدليل أخطأ في فهم معناه، فينتفي بهذا الخطأ شرط العمد، ويكون الخطأ في التأوّل مانعا من تكفيره، فإذا أقيمت عليه الحجة وبُيِّن له خطؤه فأصرّ على فعله كفر حينئذ. ودليل هذا: حادثة قدامة بن مظعون - وقد ذكرتها في التنبيه الهام المذكور بتعليقي على العقيدة الطحاوية - وفيها استحل قدامة شرب الخمر - واستحلال شربها كُفر - مستدلا بقوله تعالى (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [صفحة 127] وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) المائدة: 93، واحتج بهذه الآية على عمر لما أراد أ يقيم عليه الحد، فبيّن له عمر خطأه وأقام عليه الحد. وفي هذا قال ابن تيمية(( أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يُستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصرّوا كفروا حينئذ ٍ، ولايُحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل )) [(1).(المتأول ) وقد دلت هذه الحادثة على أن الخطأ في التأول مانع من التكفير بإجماع الصحابة، كما أنه داخل في عموم قوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ) الأحزاب: 5. ومع ذلك فإنه ليس كل خطأ في التأول يعتبر عذراً مقبولاً ومانعاً من التكفير: فالخطأ في التأول الذي يُعذر به هو مانشأ عن النظر في دليل شرعي فأخطأ في فهمه. والخطأ في التأول الذي لايُعذر به هو مانشأ عن محض الرأي والهوى دون استناد إلى دليل شرعي. كامتناع إبليس عن السجود لآدم محتجاً بأنه (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) الأعراف: 12 فهذا محض الرأي، وكتأويلات الباطنية التي أسقطوا بها الواجبات الشرعية فإنها محض الهوى. [صفحة 128] (المتأول )قال القاضي عياض((فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية أو جحدها مستبصرا في ذلك كقوله: ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها وعلى هذا حمل قول سحنون من قال ليس لله كلام فهو كافر وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا فكفره بعضهم وحكى ذلك عن أبى جعفر الطبري وغيره وقال به أبو الحسن الأشعري مرة وذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان وإليه رجع الأشعري قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق واحتج هؤلاء بحديث السوداء وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طلب منها التوحيد لا غير وبحديث القائل لئن قدر الله على وفى رواية فيه لعلى أضل الله ثم قال: فغفر الله له قالوا ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل، وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه منها أن قدر بمعنى قدر ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه بل في نفس البعث الذى لا يعلم إلا بشرع ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه فيكون الشك فيه حينئذ كفرا فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول أو يكون قدر بمعنى ضيق ويكون ما فعله بنفسه إزراء عليها وغضبا لعصيانها وقيل: إنما قال ما [صفحة 129] قاله وهو غير عاقل لكلامه ولا ضابط للفظه مما استولى عليه من الجزع والخشية التى أذهبت لبه فلم يؤاخذ به وقيل كان هذا في زمن الفترة وحيث ينفع مجرد التوحيد وقيل بل هذا من مجاز كلام العرب الذى صورته الشك ومعناه التحقيق وهو يسمى تجاهل العارف وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى (لعله يتذكر أو يخشى) وقوله (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال أقول عالم ولكن لا علم له ومتكلم ولكن لا كلام له وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفره لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبم لم ير إكفارهم قال لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا لا نقول ليس بعالم ونحن ننتفى من القول بالمآل الذى ألزمتموه لنا ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر بل نقول إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلواة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب [صفحة 130] وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم فقد كان(مذهب الصحابة في تكفير المتأول ) /م نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأى الخوارج والاعتزال فما أزاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفى والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر(قلت راجع هنا حديث علي مع الخوارج) (التأويل الفاسد لا يقبل ) نقل القاضي عياض في الشفا قول العلماء: (إدعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل) أهـ (2/ 217) ونص عليه شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص (527) فمن عرفت واشتهرت زندقته وتلاعبه بأدلة الشرع، أو كان يتعاطى من أسباب الكفر ما هو صريح وواضح ولا يحتمل التأويل، لم تقبل منه دعوى التأويل فليس ثم إجتهاد وتأويل يسوغ تعاطي الكفر الصريح .. فإنه لا تخلو حجة كافر من الكافرين من تأويلات فاسدة يرقع بها كفره .. ولذا قال ابن حزم: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طريق ثابتة، وهو مسلم فتأول في خلافه إياه، أو ربما بلغه بنص آخر، فلم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما [صفحة 131] أخذ فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة) أهـ الدرة (414) ويقول: (وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلاهية إنسان من الناس، أو بنبوة أحد من الناس، بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يعذرون بتأويل أصلاً، بل هم كفار مشركون على كل حال) أهـ الدرة فيما يجب اعتقاده ص (441). جاء في«الفصل في الملل والأهواء والنحل» (3/ 139): «قَالَ أَبُو مُحَمَّد وأماما لم تقم الْحجَّة على الْمُخَالف للحق فِي أَي شَيْء كَانَ فَلَا يكون كَافِرًا إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بتكفيره فَيُوقف عِنْده كمن بلغه وَهُوَ فِي أقاصي الزنج ذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَط فَيمسك عَن الْبَحْث عَن خَبره فَإِنَّهُ كَافِر» 16 وفي «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (3/ 142): «وَقَالَ قَائِلهمْ فَإِذا عذرتم للمجتهدين إِذا أخطأوا فأعذروا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَسَائِر الْملَل فَإِنَّهُم أَيْضا مجتهدون قاصدون الْخَيْر فجوابنا وَالله تَعَالَى التَّوْفِيق إننا لم نعذر من عذرنا بآرائنا وَلَا كفرنا من كفرنا بظننا وَهُوَ أَنا وَهَذِه خطة لم يؤتها الله عز وَجل أحد دونه وَلَا يدْخل الْجنَّة وَالنَّار أحدا بل الله تَعَالَى يدخلهَا من شَاءَ فَنحْن لَا نسمي بِالْإِيمَان إِلَّا من سَمَّاهُ الله تَعَالَى بِهِ كل ذَلِك على لِسَان رَسُوله صلى الله [صفحة 132] عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الأَرْض لَا نقُول من الْمُسلمين بل من كل مِلَّة فِي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطع بالْكفْر على أهل كل مِلَّة غير الْإِسْلَام الَّذين تَبرأ أَهله من كل مِلَّة حاشى الَّتِي أَتَاهُم بهَا عَلَيْهِ السَّلَام فَقَط فوقفنا عِنْد ذَلِك وَلَا يخْتَلف أَيْضا اثْنَان فِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قطع باسم الْإِيمَان على كل من اتبعهُ وَصدق بِكُل مَا جَاءَ بِهِ وتبرأ من كل دين سوى ذَلِك فوقفنا أَيْضا عِنْد ذَلِك وَلَا مزِيد فَمن جَاءَ نَص فِي إِخْرَاجه عَن الْإِسْلَام بعد حُصُول اسْم الْإِسْلَام لَهُ أخرجناه مِنْهُ سَوَاء أجمع على خُرُوجه مِنْهُ أَو لم يجمع وَكَذَلِكَ من أجمع أهل الْإِسْلَام على خُرُوجه عَن الْإِسْلَام فَوَاجِب اتِّبَاع الْإِجْمَاع فِي ذَلِك وَأما من لَا نَص فِي خُرُوجه عَن الْإِسْلَام بعد حُصُول الْإِسْلَام لَهُ وَلَا إِجْمَاع فِي خُرُوجه أَيْضا عَنهُ فَلَا يجوز إِخْرَاجه عَمَّا قد صَحَّ يَقِينا حُصُوله فِيهِ وَقد نَص الله تَعَالَى على مَا قُلْنَا فَقَالَ {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين} وَقَالَ تَعَالَى {ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا} وَقَالَ تَعَالَى {قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ} فَهَؤُلَاءِ كلهم كفار بِالنَّصِّ وَصَحَّ الْإِجْمَاع على أَن كل من جحد شَيْئا صَحَّ عندنَا بِالْإِجْمَاع أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بِهِ فقد كفر وَصَحَّ بِالنَّصِّ أَن كل من اسْتَهْزَأَ بِاللَّه تَعَالَى أَو بِملك من الْمَلَائِكَة أَو بِنَبِي من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام أَو بِآيَة من الْقُرْآن أَو بفريضة من فَرَائض الدّين [صفحة 133] فَهِيَ كلهَا آيَات الله تَعَالَى بعد بُلُوغ الْحجَّة إِلَيْهِ فَهُوَ كَافِر وَمن قَالَ بِنَبِي بعد النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَو جحد شَيْئا صَحَّ عِنْده بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ لم يحكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا شجر بَينه وَبَين خَصمه» كذلك قول ابن حجر((فتح الباري - ابن حجر - (8 / 147) قوله لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا انظر إلا العباس فأنه لم يشهدكم قيل فيه مشروعية القصاص في جميع ما يصاب به الإنسان عمدا وفيه نظر لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك أما من باشره فظاهر وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه وفيه نظر أيضا لأن الذي وقع في معارضة النهي قال بن العربي أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه فيقعوا في خطب عظيم وتعقب بأنه كان يمكن العفو لأنه كان لا ينتقم لنفسه والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا فكان ذلك تأديبا لا قصاصا ولا انتقاما)) قال شيخ الإسلام بعد ما ذكر حديث الرجل الذي أوصى بنيه عند موته بحرق جثمانه قال: (والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من المغفرة من مثل هذا) أهـ (3/ 148) [صفحة 134] قال ابن الوزير: (لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم؛ بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار) أهـ إيثار الحق على الخلق ص (415). ومن ذلك قطعاً أصل التوحيد، الذي يتضمن تجريد العبادة لله وحده بكافة أنواع العبادة، فنقض هذا الأصل بدعوى التأويل الذي يسوغ الإشراك بالله تعالى واتخاذ الأنداد معه من أوضح الباطل؛ الذي بعثت الرسل كافة بإبطاله وإنكاره .. (الخلاف في تكفير المتأول واراء العلماء في تكفير المتأول ) قال ابن تيمية ((والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء، وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك قولان كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع، وفي تخليدهم، حتى التزم تخليد كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وفي هذا من الخطأ ما لا يحصى، وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر أحد من أهل الأهواء، وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد. والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفراً كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن لله لا يتكلم، ولا يُرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض [صفحة 135] الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: (من قال؛ القرآن مخلوق فهو كافر) (ومن قال، إن الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر) ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة ... ) أهـ مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (7/ 375 - 377). قول الشوكاني في السيل الجرار (4/ 373) تعليقاً على قول صاحب حدائق الأزهار؛ "والقتل حدّ الحربي والمرتد بأي وجه كفر"، قال رحمه الله: (وأما قوله "بأي وجه كفر" فقد أراد المصنف إدخال كفار التأويل اصطلاحاً في مسمى الردة، وهذه زلة قدم يقال عندها لليدين وللفم، وعثرة لا تقال، وهفوة لا تغتفر، ولو صح هذا، لكان غالب من على ظهر البسيطة من المسلمين مرتدين، لأن أهل المذاهب الأربعة أشعرية وماتريدية، وهم يكفرون المعتزلة ومن تابعهم، والمعتزلة يكفرونهم، وكل ذلك نزغة من نزغات الشيطان الرجيم، ونبضة من نبضات التعصب البالغ والتعسف العظيم) أهـ. وقال الشوكاني تعليقا على قوله " والمتأول كالمرتد ": (أقول: ها هنا تُسكب العبرات، ويُنَاح على الإسلام وأهله بما جَنَاه التَّعصّب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا لِسنَّة، ولا لِقُرآن، ولا لبيان من الله، ولا لبرهان، بل لَمَّا غَلَتْ مَرَاجل العصبية في الدين، وتمكَّن الشيطان الرجيم من تَفْريق كَلِمَة المسلمين لَقَّنَهم إِلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء، والسّراب بقيعة، فيالله وللمسلمين من هذه [صفحة 136] الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين والرزية التي ما رُزئ بمثلها سبيل المؤمنين، وأنت إن بقي فيك نصيب من عقل، وبقية من مراقبة الله عز وجل، وحصّة من الغيرة الإسلامية قد علمت وعلم كل من له علم بهذا الدين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن الإسلام قال في بيان حقيقته، وإيضاح مفهومه: (إنه إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وشهادة أن لا إله إلا الله)، والأحاديث بهذا المعنى متواترة، فمن جاء بهذه الأركان الخمسة، وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبَى ذلك كائنا من كان، فمن جاءك بما يُخالف هذا من ساقط القول، وزائف العلم، بل الجهل فاضرب به في وجهه، وقل له: قد تقدم هَذَيانك هذا برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. أو ليس الواجب أن نتنبه إلى أن حال وواقع الثلاثة الذين هجرهم النبي صلى الله عيه وسلم في دار الإسلام ليست كحال شباب المسلمين اليوم في دار الكفر وواقع الاستضعاف، وأن إيمان أولئك الصحابة ليس كإيمان سائر الناس، ولذلك لم يهجر غيرهم من ضعاف الإيمان الذين كانوا يعتذرون له عن التخلف فيعذرهم (2) (التاويل ومذهب أحمد والفرق )قال ابن تيمية الإيمان الأوسط - (1 / 56) وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ : عَلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ الْمُرْجِئَةِ . وَمَنْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَد أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَكْفِيرًا لِهَؤُلَاءِ ؛ أَوْ جَعَلَ [صفحة 137] هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُتَنَازَعِ فِي تَكْفِيرِهِمْ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا ؛ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَحْمَد وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ ؛ إنَّمَا هُوَ تَكْفِيرُ الجهمية الْمُشَبِّهَةِ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يُكَفِّرْ أَحْمَد " الْخَوَارِجَ " وَلَا " الْقَدَرِيَّةَ " إذَا أَقَرُّوا بِالْعِلْمِ ؛ وَأَنْكَرُوا خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَعُمُومَ الْمَشِيئَةِ ؛ لَكِنْ حُكِيَ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِهِمْ رِوَايَتَانِ . وَأَمَّا " الْمُرْجِئَةُ " فَلَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ تَكْفِيرِهِمْ ؛ مَعَ أَنَّ أَحْمَد لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الجهمية وَلَا كُلَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ جهمي كَفَّرَهُ وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَ الجهمية فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ ؛ بَلْ صَلَّى خَلْفَ الجهمية الَّذِينَ دَعَوْا إلَى قَوْلِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ وَعَاقَبُوا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحْمَد وَأَمْثَالُهُ ؛ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ إيمَانَهُمْ وَإِمَامَتَهُمْ ؛ وَيَدْعُو لَهُمْ ؛ وَيَرَى الِائْتِمَامَ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُمْ وَالْحَجَّ وَالْغَزْوَ مَعَهُمْ وَالْمَنْعَ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ مَا يَرَاهُ لِأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ . وَيُنْكِرُ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْقَوْلِ الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ عَظِيمٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا هُمْ أَنَّهُ كُفْرٌ ؛ وَكَانَ يُنْكِرُهُ وَيُجَاهِدُهُمْ عَلَى رَدِّهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ؛ فَيَجْمَعُ بَيْنَ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي إظْهَارِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ وَإِنْكَارِ بِدَعِ الجهمية الْمُلْحِدِينَ ؛ وَبَيْنَ رِعَايَةِ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَّةِ ؛ وَإِنْ كَانُوا جُهَّالًا مُبْتَدِعِينَ ؛ وَظَلَمَةً فَاسِقِينَ . وَهَؤُلَاءِ الْمَعْرُوفُونَ مِثْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ كَانُوا يَجْعَلُونَ قَوْلَ اللِّسَانِ ؛ وَاعْتِقَادَ الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَمْثَالِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَا نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ . لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَكَوْهُ عَنْ " الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ " ذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ : الْإِيمَانُ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ لِذَلِكَ حَتَّى أَطْلَقَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ)) وقال مجموع الفتاوى - (15 / 29) [صفحة 138] وقال ابن تيمية رحمه الله (12/189) : "وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطأه، ومن تبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فشاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر)) جاء في «سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني في الجرح والتعديل» (ص35): «والمانعون للرواية مطلقا (أي عن المبتدعة أهل الأهواء من الفرق ) ذهبوا إلى أن المبتدعة كفار على رأي من ذهب إلى تكفير المتأولين، أو فساق على رأي من لم يحكم بكفرهم، على أن بعضهم إنما عمد إلى ترك الرواية عنهم من باب العقوبة والإهانة، أو لأنه لا يؤمن جانب هؤلاء من الكذب. وعلى الرأي الأخير يستثنى من هؤلاء ما قاله أبو داود - رحمه الله -: "لَيْسَ فِي أَهْلِ الأَهْوَاءِ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنَ الْخَوَارِجِ"ثُمَّ ذَكَرَ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ وَأَبَا حَسَّانٍ الأعرج5»(أبو داود لا يكفر الخوارج ) قال ابن العربي «القبس في شرح موطأ مالك بن أنس» (ص404): «وقد اختلف الناس في ‌تكفير ‌المتأوِّلين، وهم الذين لا يقصدون الكفر وإنما يطلبون الإيمان فيخرجون إلى الكفر والعلم فيؤوّل بهم إلى الجهل، وهي مسألة عظيمة تتعارض فيها الأدلة، ولقد نظرتُ فيها مرة فتارة أكفر وتارة أتوقف إلا فيمن يقول إن القرآن مخلوق، أو أن مع الله خالقاً سواه، فلا يدركني فيه ريب ولا أبقي له شيئاً من الإيمان (6)» (قاعدة مهمة جدا في التأويل ) لا فرق في التأويل بين ما أسموه أموراً اعتقادية و أمور عمليه هذا لأنهم وقع عندهم تناقض فقالوا إذا كان التأويل في أمور عملية يعنون بها أمور [صفحة 139] الفقه كفقه الوضوء و الصلاة و البيوع فهذا التأويل مغتفر و صاحبه لا يكفر أما إن كان هذا التأويل في أمر اعتقادي مثل صفات الله فهذا يكفر و تفريقهم هذا ليس عليه دليل لا من الكتاب و لا من السنة ولا من قول صاحب فإذا قيل لهم: لم عذرتم المتأول في الأمور العملية؟ أخذوا يستدلون باية (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) و غير ذلك من الايات و الأحاديث التي فيها عذر المخطئ المتأول فيقال لهم ما الفرق بين الأمور العلمية و الأمور العملية في دخولها تحت هذه العمومات ومن أين خصصتم هذا العموم بالأمور الاعتقادية فقط ثانيا أن كل أمر عملي يستلزم أمرا اعتقاديا فمثلا رجل ذهب إلى وجوب الوتر مثلا فهنا هذا الفعل يستلزم عدة أمور اعتقادية منها اعتقاد أن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ وهذا أمر اعتقادي واعتقاد أن الله قال لهذا الأمر كن فكان و هذه صفة فعلية لله سبحانه و تعالى كذلك اعتقاد أنه تعالى أمر جبريل بتبليغ ذلك للنبي صل الله عليه و سلم و هذه صفة فعلية لله تعالى كذلك فهو ينفي باللزوم صفة أن الله تعالى أباح ترك ذلك ،و كذلك لم يكتب إباحة ترك في اللوح المحفوظ كذلك نفى أن الله أمر جبريل بإباحة ترك ذلك و كل ذلك أمور اعتقادية كما ترى لا ينفك منها أي أمر من الأمور التي سموها عملية و ليت شعري ما الفرق بين شخص نفى صفة فعل لله سبحانه وتعالى متعلق بها عمل من كونه أوجب كذا متأولا مخطئا مثل من نفى أن الله أوجب المضمضة و الاستنشاق في الوضوء مثلا و بين من نفى صفة فعلية لله ليس متعلق [صفحة 140] بها عمل مثل من نفى النزول الفعلي إلى السماء الدنيا متأولا مخطئا فهل مجرد اقتران الاعتقاد بعمل يجعله غير معذورا . ثم من الأولى بالعذر رجل اعتقد اعتقادا خاطئا متأولا فقط أم رجل اعتقد اعتقادا خاطئا متأولا ترتب عليه عمل غير صحيح تقرب به إلى الله مخطئا مضيفا إلى دين الله ما ليس منه ببدعة إن كان متعمدا ؟؟؟؟؟؟ فعذروا من ارتكب فعلين مبتدعين الاعتقاد و العمل و لم يعذروا من ارتكب فعلا واحدا فقط وهو الاعتقاد فقط . قال ابن تيمية ((وقال في مختصر الفتاوى المصريّة : ( وتقسيم الْمسَائِل إِلَى مسَائِل أصُول يكفر بإنكارها ومسائل فروع لَا يكفر بإنكارها لَيْسَ لَهُ أصل لَا عَن الصَّحَابَة وَلَا عَن التَّابِعين وَلَا عَن ائمة الاسلام وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ عَن الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من أَئِمَّة الْبِدْعَة وهم متناقضون فَإِذا قيل لَهُم مَا حد أصُول الدّين فَإِن قيل مسَائِل الِاعْتِقَاد يُقَال لَهُم قد تنَازع النَّاس فِي أَن مُحَمَّدًا هَل رأى ربه وَفِي أَن عُثْمَان أفضل أم عَليّ وَفِي كثير من مَعَاني الْقُرْآن وَتَصْحِيح بعض الْأَحَادِيث وَهِي اعتقادات وَلَا كفر فِيهَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين . وَوُجُوب الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَتَحْرِيم الْفَوَاحِش وَالْخمر هِيَ مسَائِل عمليه وَالْمُنكر لَهَا يكفر اتِّفَاقًا ... وَإِن قيل الْأُصُول هِيَ القطعية فَيُقَال كثير من مسَائِل النّظر لَيست قَطْعِيَّة وَكَون الْمَسْأَلَة قَطْعِيَّة أَو ظنية هِيَ أُمُور تخْتَلف باخْتلَاف النَّاس فقد يكون قَاطعا عِنْد هَذَا مَا لَيْسَ قَاطعا عِنْد هَذَا كمن سمع لفظ النَّص [صفحة 141] وتيقن مُرَاده وَلَا يبلغ قُوَّة النَّص الآخر عِنْده فَلَا يكون عِنْده ظنيا فضلا عَن كَونه قَطْعِيا ... وَالْمَقْصُود أَن مَذَاهِب الْأَئِمَّة الْفرق بَين النَّوْع وَالْعين وَمن حكى الْخلاف لم يفهم غور قَوْلهم ... فطائفة تحكي عَن أَحْمد فِي تَكْفِير أهل الْبدع مُطلقًا رِوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ هَذَا مذهبا لِأَحْمَد وَلَا لغيره من الْأَئِمَّة وَكَذَلِكَ تَكْفِير الشَّافِعِي لحفص الْفَرد حِين قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي كفرت أَي قَوْلك كفر وَلِهَذَا لم يسع فِي قَتله وَلَو كَانَ عِنْده كَافِر لسعي فِي قَتله)) جاء في«مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم » (ص594): «وَلَيْسَ الْغَرَضُ اسْتِقْصَاءَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَلِ الْمَقْصُودُ أَنَّ الْخَطَأَ يَقَعُ فِيمَا سَمَّوْهُ فُرُوعًا كَمَا يَقَعُ فِيمَا جَعَلُوهُ أُصُولًا فَنُطَالِبُهُمْ بِفَرْقٍ صَحِيحٍ بَيْنَ مَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مِنَ الدِّينِ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجِدُونَ إِلَى الْفَرْقِ سَبِيلًا إِلَّا بِدَعَاوٍ بَاطِلَةٍ ثُمَّ نُطَالِبُهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ، ثُمَّ نُطَالِبُهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَأْثَمُ جَاحِدُهُ أَهْوَ إِثْمُ كُفْرٍ أَوْ فَسُوقٍ وَمَا لَا يَأْثَمُ جَاحِدُهُ، وَنُطَالِبُهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْقَطْعُ الْيَقِينِيُّ، وَمَا يُكْتَفَى فِيهِ الظَّنُّ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى تَقْرِيرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. [صفحة 142] قَالَ الْجُوَيْنِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَقَالُوا: الْأَصْلُ مَا فِيهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ وَالْفَرْعُ بِخِلَافِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: لَا تَثْبُتُ الْأُصُولُ إِلَّا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ ثُمَّ قِيلَ: وَالْأَصْلُ مَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ كَانَ ذَلِكَ دَوْرًا ظَاهِرًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ بَلْ أَكْثَرُهَا عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالِاحْتِلَامِ، وَهَكَذَا أَكْثَرُ الشَّرِيعَةِ أَدِلَّتُهَا قَطْعِيَّةٌ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُمْ أُصُولٌ أَدِلَّتُهَا ظَنِّيَّةٌ. وَهَكَذَا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، كَالْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ وَالْقِيَاسِ، وَتَقَدُّمِهِمَا عَلَى الْعُمُومِ وَالْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ وَمَسْأَلَةِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَالِاحْتِجَاجِ بِالْمَرَاسِيلِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَأَضْعَافِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ أُصُولُ الدِّينِ كَمَسْأَلَةِ الْحَالِ وَبَقَاءِ الرَّبِّ تَعَالَى وَقِدَمِهِ هَلْ هِيَ بَقَاءٌ وَقِدَمٌ زَائِدَيْنِ عَلَى الذَّاتِ، وَالْوُجُودِ الْوَاجِبِ هَلْ مِنْ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ أَوْ زَائِدٌ عَلَيْهَا، وَإِثْبَاتِ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ تَكُونُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ وَنَحْوُهَا فَرْعِيَّةً وَتِلْكَ الْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ أُصُولِيَّةً. قَالَ: وَقِيلَ: الْأَصْلُ مَا لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ فِيهِ إِلَّا بِأَمْرٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَالْفَرْعُ بِخِلَافِهِ. [صفحة 143] قُلْتُ: وَهَذَا الْفَرْقُ أَفْسَدُ مِنَ الْأَوَّلِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُرُوعِ لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ فِيهَا إِلَّا بِالْمَشْرُوعِ عَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيٍّ، فَلَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالسُّجُودِ لِلْأَصْنَامِ وَإِبَاحَةِ الْفَوَاحِشِ وَقَتْلِ النُّفُوسِ وَالظُّلْمِ فِي الْأَمْوَالِ، وَانْتِهَاكِ الْأَعْرَاضِ وَشَهَادَاتِ الزُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ نُفَاةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يُجَوِّزُونَ التَّعَبُّدَ بِذَلِكَ، وَيَقُولُونَ يَجُوزُ أَنْ تَأْتِيَ الشَّرَائِعُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُمْ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَهُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ وَجْهًا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ. قَالَ: وَقِيلَ: الْأَصْلُ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ وُرُودِ الشَّرْعِ وَالْفَرْعِ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا أُصُولًا لَمْ تُعْلَمْ إِلَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ، كَاقْتِضَاءِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَالنَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ، وَكَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً وَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، بَلْ أَكْثَرُ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ لَمْ تُعْلَمْ إِلَّا بِالسَّمْعِ، فَجَوَازُ رُؤْيَةِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَى عَرْشِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ عُلُوِّهِ فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ بِالذَّاتِ فَإِنَّهَا فِطْرِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَأَكْثَرُ مَسَائِلِ الْمَعَادِ وَتَفْصِيلِهِ لَا يُعْلَمُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَمَسَائِلُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيُّ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ يَحْرُمُ الْخِلَافُ فِيهَا مَعَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ وَيَكُونُ مُعْتَقِدُ خِلَافِهَا جَاهِلًا، فَهِيَ مِنَ الْأُصُولِ، عَقْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ شَرْعِيَّةً، وَالْفَرْعُ مَا لَا يَحْرُمُ الْخِلَافُ فِيهِ أَوْ مَا لَا يَأْثَمُ الْمُخْطِئُ فِيهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِمَّا قَبْلَهُ بَاطِلٌ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ [صفحة 144] مَسَائِلِ الْفُرُوعِ قَطْعِيًّا وَإِنْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَأْثَمُ الْمُخْطِئُ فِيهَا لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا فَلَا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْقَطْعِيَّاتِ، وَقَدْ سَلَّمَ الْقَاضِي ذَلِكَ فِيمَا إِذَا خَفِيَ عَلَيْهِ النَّصُّ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فَرْقًا آخَرَ فَقَالَ:((( الْأُصُولِيَّاتُ هِيَ الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّاتُ، وَالْفُرُوعِيَّاتُ هِيَ الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا أَمْرَانِ: الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ،)). وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ أَيْضًا، وَهُوَ حُبُّ الْقَلْبِ وَبُغْضُهُ وَحُبُّهُ لِلْحَقِّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ وَتَضَمَّنَتْهُ، وَبُغْضُهُ الْبَاطِلَ الَّذِي يُخَالِفُهَا، فَلَيْسَ الْعَمَلُ مَقْصُورًا عَلَى عَمَلِ الْجَوَارِحِ، بَلْ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ أَصْلٌ لِعَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَأَعْمَالُ الْجَوَارِحِ تَبَعٌ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهَا إِيمَانُ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ وَحُبُّهُ وَذَلِكَ عَمَلٌ بَلْ هُوَ أَصْلُ الْعَمَلِ، وَهَذَا مِمَّا غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ، حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ دُونَ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْغَلَطِ وَأَعْظَمِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْكُفَّارِ كَانُوا جَازِمِينَ بِصِدْقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ شَاكِّينَ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ التَّصْدِيقِ عَمَلُ الْقَلْبِ مِنْ حُبِّ مَا جَاءَ بِهِ وَالرِّضَا بِهِ وَإِرَادَتِهِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ عَلَيْهِ. فَلَا تُهْمِلْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ جِدًّا، بِهِ تُعْرَفُ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ. فَالْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ عَمَلِيَّةٌ وَالْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ عِلْمِيَّةٌ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَكْتَفِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْعَمَلِيَّاتِ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ، وَلَا فِي الْعِلْمِيَّاتِ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ دُونَ الْعَمَلِ. [صفحة 145] وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ بِأَنَّ مَسَائِلَ الْأُصُولِ هِيَ الَّتِي يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، كَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالْمَعَادِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، وَمَسَائِلِ الْفُرُوعِ مَا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، كَوُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاشْتِرَاطِ الطُّمَأْنِينَةِ وَوُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ فِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، وَكَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَأَيْضًا فَالتَّكْفِيرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَالْكَافِرُ مَنْ كَفَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْكُفْرُ جَحْدُ مَا عُلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُسَمُّونَهَا عِلْمِيَّةً أَوْ عَمَلِيَّةً، فَمَنْ جَحَدَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ فِي دِقِّ الدِّينِ وَجِلِّهِ. وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ بِأَنَّ الْأُصُولَ مَا تَتَعَلَّقُ بِالْخَبَرِ، وَالْفُرُوعَ مَا تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَبِ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنِ الْفُرُوقِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ بِالتَّصْدِيقِ بِهَذَا وَهَذَا، عِلْمًا وَإِيمَانًا وَعَمَلًا وَحُبًّا وَرِضًا، وَمُوَالَاةً عَلَيْهِ وَمُعَادَاةً كَمَا تَقَدَّمَ. وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَسَائِلَ الْأُصُولِ هِيَ مَا لَا يَسُوغُ التَّقْلِيدُ فِيهَا، وَمَسَائِلُ الْفُرُوعِ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: مَا الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّقْلِيدُ؟ فَيَقُولُونَ: مَسَائِلُ الْفُرُوعِ، وَالَّذِي لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ مَسَائِلُ الْأُصُولِ، وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ طَرْدًا وَعَكْسًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالرِّبَا وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ [صفحة 146] الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِذَلِكَ وَشَكَّ فِيهِ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ رَسُولٌ، كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ جَاءَ بِالتَّوْحِيدِ وَتَصْدِيقِ الْمُرْسَلِينَ وَإِثْبَاتِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ وَالْكَلَامِ، لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُرْسَلًا فَكَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الطَّلَبِيَّةِ يَجُوزُ فِيهَا التَّقْلِيدُ لِلْعَاجِزِ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّقْلِيدُ. فَتَقْسِيمُ الدِّينِ إِلَى مَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ تَقْسِيمٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وَلَا مُنْعَكِسٍ وَلَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ. وَأَيْضًا فَالتَّقْلِيدُ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَمَنْ قَبِلَ قَوْلَ غَيْرِهِ فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَاءَ بِهِ خَبَرًا أَوْ طَلَبًا، فَإِنَّمَا قَبِلَ قَوْلَهُ لَمَّا أَسْنَدَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ حُجَّةٌ لَكِنَّ تَقْدِيرَ مُقَدِّمَاتِهَا وَدَفْعَ الشُّبَهِ الْمُعَارِضَةِ لَهَا قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، فَمَا كُلُّ مَنْ عَرَفَ الشَّيْءَ بِدَلِيلِهِ أَمْكَنَهُ تَقْرِيرُهُ بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ وَلَا دَفْعُ الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ عَنْهُ تَقْلِيدًا كَانَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ مُقَلِّدِينَ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ الرِّسَالَةِ وَالْمَعَادِ، وَإِنْ لم يَكُنِ الْعَجْزُ عَنْهُ تَقْلِيدًا لَمْ يَكُونُوا مُقَلِّدِينَ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ الرِّسَالَةِ وَالْمَعَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَجْزُ عَنْهُ تَقْلِيدًا لَمْ يَكُونُوا مُقَلِّدِينَ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْأُمَّةِ مَبْنَى تَعَبُّدَاتِهَا وَتَحْرِيمِهَا وَتَحْلِيلِهَا عَلَى مَا عَلِمَتْهُ مِنْ نَبِيِّهَا بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِهِ، وَلَوْ سُئِلَتْ عَنْ تَقْرِيرِهِ لَعَجِزَ عَنْهُ أَكْثَرُهُمْ كَمَا يَجْزِمُ بِالتَّوْحِيدِ، وَأَنَّ [صفحة 147] اللَّهَ فَوْقَ خَلْقِهِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُهُ، وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَلَوْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَعَجِزَ عَنْهُ أَكْثَرُهُمْ. وَأَمَّا الْمَقَامُ السَّادِسُ: وَهُوَ أَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى زَعْمِهِمْ أَقْوَى مِنَ الْجَزْمِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى تِلْكَ الْقَضَايَا الْوَهْمِيَّةِ، فَهَذَا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ هَذَا وَهَذَا، وَمَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْأَمْرَيْنِ يَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ لِقَضَايَاهُمُ الْبَاطِلَةِ: قَوَاطِعُ عَقْلِيَّةٌ وَبَرَاهِينُ يَقِينِيَّةٌ، وَيَقُولُونَ لِنُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: ظَوَاهِرُ سَمْعِيَّةٌ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، قَدْ يَقَعُ لَهُ صِحَّةُ قَوْلِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ وَإِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَاسْتِنَادًا إِلَى بَعْضِ الشُّبَهِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا وَأَمَّا الْمُسْتَبْصِرُ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيمَا عِنْدَ الْقَوْمِ فَإِنَّهُ يَجْزِمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَضَايَاهُمُ الَّتِي خَالَفُوا فِيهَا النُّصُوصَ لَا تُفِيدُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا الْبَتَّةَ، بَلْ يَقُولُونَ: صَرِيحُ الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ تَشْهَدُ بِكَذِبِهَا وَبُطْلَانِهَا، وَإِنِ اتَّفَقَ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ، فَأَكْثَرُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبَاطِلِ جَمِيعُهُمْ تَجِدُ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَالْمُتَكَلِّمُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَشْهَدُ عَلَى مُخَالِفِيهَا بِأَنَّهُمْ خَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَالْفِطْرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِمَّا خَالَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ وَالْفَلَاسِفَةُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ فِيهِ. وَالْعَجَبُ أَنَّكَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَقْطَعُ بِالْقَوْلِ وَيُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَهُ ثُمَّ يَقْطَعُ هُوَ بِخِلَافِهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِيهِمْ جِدًّا. [صفحة 148] قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ يَدَّعُونَ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ مُلْتَزِمُونَ فِي الظَّاهِرِ شِعَارَهَا يَرَوْنَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقُّ غَيْرَ أَنَّ الطُّرُقَ تَفَرَّقَتْ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَحْدَثُوا فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُتَمَسِّكُ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ وَيَنْتَحِلُهُ. غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَى أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ وَالْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ إِلَّا مَعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا دِينَهُمْ وَعَقَائِدَهُمْ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَقَرْنًا عَنْ قَرْنٍ إِلَى أَنِ انْتَهَوْا إِلَى التَّابِعِينَ وَأَخَذَهُ التَّابِعُونَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ الصَّحَابَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ مِنَ الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِ وَالصِّرَاطِ الْقَوِيمِ إِلَّا هَذَا الطَّرِيقُ الَّذِي سَلَكَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا سَائِرُ الْفِرَقِ فَطَلَبُوا الدِّينَ بِغَيْرِ طَرِيقِهِ لِأَنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى مَعْقُولِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ وَآرَائِهِمْ، فَإِذَا سَمِعُوا شَيْئًا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرَضُوهُ عَلَى مِعْيَارِ عُقُولِهِمْ، فَإِنِ اسْتَقَامَ لَهُمْ قَبِلُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ فِي مِيزَانِ عُقُولِهِمْ رَدُّوهُ، فَإِنِ اضْطُرُّوا إِلَى قَبُولِهِ حَرَّفُوهُ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ وَالْمَعَانِي الْمُسْتَكْرَهَةِ فَحَادُوا عَنِ الْحَقِّ وَزَاغُوا عَنْهُ وَنَبَذُوا الدِّينَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَعَلَوُا السُّنَّةَ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ. [صفحة 149] وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَجَعَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَمَامَهُمْ، وَطَلَبُوا الدِّينَ مِنْ قِبَلِهَا وَمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ مَعْقُولِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ وَآرَائِهِمْ عَرَضُوهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ وَجَدُوهُ مُوَافِقًا لَهُمَا قَبِلُوهُ وَشَكَرُوا اللَّهَ حَيْثُ أَرَاهُمْ ذَلِكَ وَوَفَّقَهُمْ لَهُ، وَإِنْ وَجَدُوهُ مُخَالِفًا لَهُمَا تَرَكُوا مَا وَقَعَ لَهُمْ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَرَجَعُوا بِالتُّهْمَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَا يَهْدِيَانِ إِلَّا إِلَى الْحَقِّ، وَرَأْيُ الْإِنْسَانِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا وَقَدْ يَكُونُ بَاطِلًا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ وَهُوَ أَوْحَدُ أَهْلِ زَمَانِهِ قَالَ: مَا حَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِشَيْءٍ إِلَّا طَلَبْتُ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ أُتِيَ بِهِمَا وَإِلَّا رَدَدْتُهُ. (قَالَ) : وَمِمَّا يَدُلُّ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى الْحَقِّ أَنَّكَ لَوْ طَلَعْتَ جَمِيعَ كُتُبِهِمُ الْمُصَنَّفَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا، وَجَدْتَهَا مَعَ اخْتِلَافِ بُلْدَانِهِمْ وَزَمَانِهِمْ وَتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمْ فِي الدِّيَارِ، وَسُكُونِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قُطْرًا مِنَ الْأَقْطَارِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَنَمَطٍ وَاحِدٍ، يَجْرُونَ فِيهِ عَلَى طَرِيقَةٍ لَا يَحِيدُونَ عَنْهُ وَلَا يَمِيلُونَ عَنْهَا، قُلُوبُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَنَقْلُهُمْ لَا تَرَى فِيهِ اخْتِلَافًا وَلَا تَفَرُّقًا فِي شَيْءٍ مَا، وَإِنْ قَلَّ، بَلْ لَوْ جَمَعْتَ جَمِيعَ مَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَنَقَلُوهُ عَنْ سَلَفِهِمْ وَجَدْتَهُ كَأَنَّهُ جَاءَ عَنْ قَلْبٍ وَاحِدٍ وَجَرَى عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ، وَهَلْ عَلَى الْحَقِّ دَلِيلٌ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ [صفحة 150] أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: ١٠٣] . وَأَمَّا إِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ رَأَيْتَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ مُخْتَلِفِينَ شِيَعًا وَأَحْزَابًا، وَلَا تَكَادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الِاعْتِقَادِ، يُبَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بَلْ يَرْتَقُونَ إِلَى التَّكْفِيرِ، يُكَفِّرُ الِابْنُ أَبَاهُ، وَالْأَخُ أَخَاهُ، وَالْجَارُ جَارَهُ، وَتَرَاهُمْ أَبَدًا فِي تَنَازُعٍ وَتَبَاغُضٍ وَاخْتِلَافٍ تَنْقَضِي أَعْمَارُهُمْ وَلَمْ تَتَّفِقْ كَلِمَاتُهُمْ {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: ١٤] أَوَمَا سَمِعْتَ بِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ فِي هَذَا اللَّوْنِ يُكَفِّرُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْهُمُ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْبَصْرِيُّونَ الْبَغْدَادِيِّينَ وَيُكَفِّرُ أَصْحَابُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ أَبَا هَاشِمٍ وَأَصْحَابَهُ، وَأَصْحَابُ أَبِي هَاشِمٍ يُكَفِّرُونَ أَبَا عَلِيٍّ وَأَصْحَابَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ رُءُوسِهِمْ وَأَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ مِنْهُمْ إِذَا تَدَبَّرْتَ أَقْوَالَهُمْ رَأَيْتَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَالرَّافِضَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَسَائِرُ الْمُبْتَدَعَةِ كَذَلِكَ، وَهَلْ عَلَى الْبَاطِلِ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: ١٥٩] فَبَرَّأَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ أَهْلِ هَذَا التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ. (قَالَ) : وَكَانَ السَّبَبُ فِي اتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ أَخَذُوا الدِّينَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَطَرِيقِ النَّقْلِ، فَأَوْرَثَهُمُ الِاتِّفَاقَ وَالِائْتِلَافَ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ أَخَذُوا الدِّينَ مِنْ عُقُولِهِمْ فَأَوْرَثَهُمُ التَّفَرُّقَ وَالِاخْتِلَافَ، فَإِنَّ النَّقْلَ وَالرِّوَايَةَ مِنَ الثِّقَاتِ وَالْمُتْقِنِينَ قَلَّمَا تَخْتَلِفُ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي لَفْظِهِ أَوْ [صفحة 151] كَلِمِهِ فَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ لَا يَضُرُّ الدِّينَ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَأَمَّا الْمَعْقُولَاتُ وَالْخَوَاطِرُ، وَالْأَرَاءُ فَقَلَّمَا تَتَّفِقُ، بَلْ عَقْلُ كُلِّ وَاحِدٍ وَرَأْيُهُ وَخَاطِرُهُ يُرِي صَاحِبَهُ غَيْرَ مَا يُرِي الْآخَرَ. قَالَ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُفَارَقَةُ الِاخْتِلَافِ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ اخْتِلَافَ الْعَقَائِدِ فِي الْأُصُولِ، فَإِنَّا وَجَدْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ اخْتَلَفُوا بَعْدَهُ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ، فَلَمْ يَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يَكُونُوا شِيَعًا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا الدِّينَ، وَنَظَرُوا فِيمَا أُذِنَ لَهُمْ فَاخْتَلَفَ أَقْوَالُهُمْ وَآرَاؤُهُمْ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ كَمَسْأَلَةِ الْجَدِّ وَالْمُشْرِكَةِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَصَارُوا بِاخْتِلَافٍ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَحْمُودِينَ، وَكَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاخْتِلَافِ رَحْمَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ أَيَّدَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالْيَقِينِ، ثُمَّ وَسَّعَ عَلَى الْعُلَمَاءِ النَّظَرَ فِيمَا لَمْ يَجِدُوا حُكْمَهُ فِي التَّنْزِيلِ وَالسُّنَّةِ، وَكَانُوا مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَهْلَ مَوَدَّةٍ وَنُصْحٍ، وَبَقِيَتْ بَيْنَهُمْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُمْ نِظَامُ الْأُلْفَةِ، فَلَمَّا حَدَثَتْ هَذِهِ الْأَهْوَاءُ الْمُرْدِيَةُ الدَّاعِيَةُ أَصْحَابَهَا إِلَى النَّارِ وَصَارُوا أَحْزَابًا انْقَطَعَتِ الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ وَسَقَطَتِ الْأُلْفَةُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنَائِيَ، وَالْفُرْقَةَ إِنَّمَا حَدَثَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي ابْتَدَعَهَا الشَّيْطَانُ أَلْقَاهَا عَلَى أَفْوَاهِ أَوْلِيَائِهِ لِيَخْتَلِفُوا وَيَرْمِيَ بَعْضُهَا بَعْضًا بِالْكُفْرِ، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَخَاضَ فِيهَا النَّاسُ وَاخْتَلَفُوا، وَلَمْ يُورِثْ هَذَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً وَلَا نَقْصًا وَلَا تَفَرُّقًا، بَلْ بَقِيَتْ بَيْنَهُمُ الْأُلْفَةُ وَالنَّصِيحَةُ وَالْمَوَدَّةُ، وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ، [صفحة 152] عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهَا، وَالْآخَرُ يَقُولُ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ مَا لَا يُوجِبُ تَبْدِيعًا وَلَا تَكْفِيرًا كَمَا ظَهَرَ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَعَ بَقَاءِ الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَأَوْرَثَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ التَّوَلِّيَ وَالْإِعْرَاضَ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ، وَرُبَّمَا ارْتَقَى إِلَى التَّكْفِيرِ، عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي عَقْلٍ أَنْ يَجْتَنِبَهَا وَيُعْرِضَ عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا. إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى شَرْطًا فِي تَمَسُّكِنَا بِالْإِسْلَامِ أَنْ نُصْبِحَ فِي ذَلِكَ إِخْوَانًا، فَقَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: ١٠٣] . قَالَ: (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ) : الْخَوْضُ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالصِّفَاتِ وَالْإِيمَانِ يُورِثُ التَّقَاطُعَ وَالتَّدَابُرَ، فَيَجِبُ طَرْحُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا عَلَى مَا قَرَّرْتُمْ. (فَالْجَوَابُ) : إِنَّمَا قُلْنَا هَذَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَةِ، فَأَمَّا هَذِهِ الْمَسَائِلُ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهَا عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَا يَجُورُ لَنَا الْإِعْرَاضُ عَنْ نَقْلِهَا وَرِوَايَتِهَا وَبَيَانِهَا كَمَا فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَالدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِظْهَارِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ مَعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْحَقَّ فِيمَا رَوَوْهُ وَنَقَلُوهُ.)) [صفحة 153] (هام )جاء في«مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» (ص590): «فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ بَابِ الطَّلَبِ وَبَابِ الْخَبَرِ بِحَيْثُ يَحْتَجُّ بِهَا فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الْخَبَرِيَّاتِ الْعِلْمِيَّاتِ كَمَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي الطَّلَبِيَّاتِ الْعَمَلِيَّاتِ، وَلَا سِيَّمَا وَالْأَحْكَامُ الْعَمَلِيَّةُ تَتَضَمَّنُ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ شَرَعَ كَذَا وَأَوْجَبَهُ وَرَضِيَهُ دِينًا، بِشَرْعِهِ وَدِينِهِ رَاجِعٌ إِلَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَمْ تَزَلِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ جَوَّزَ الِاحْتِجَاجَ بِهَا فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ دُونَ الْإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. فَأَيْنَ السَّلَفُ وَالْمُفَرِّقِينَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، نَعَمْ سَلَفُهُمْ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ لَا عِنَايَةَ لَهُمْ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ يَصُدُّونَ الْقُلُوبَ عَنِ الِاهْتِدَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَيُحِيلُونَ عَلَى آرَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقَوَاعِدِ الْمُتَكَلِّفِينَ، فَهُمُ الَّذِينَ يُعْرَفُ عَنْهُمْ تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا الدِّينَ إِلَى مَسَائِلَ عِلْمِيَّةٍ وَعَمَلِيَّةٍ وَسَمَّوْهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا وَقَالُوا: الْحَقُّ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَاحِدٌ، وَمَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، وَأَمَّا مَسَائِلُ الْفُرُوعِ فَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا حُكْمٌ مُعَيَّنٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا الْخَطَأُ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ حُكْمُهُ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَوْرَجَعَ إِلَى مُجَرَّدِ الِاصْطِلَاحِ لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ [صفحة 154] مَا سَمَّوْهُ أُصُولًا مِمَّا سَمَّوْهُ فُرُوعًا، فَكَيْفَ وَقَدْ وَضَعُوا عَلَيْهِ أَحْكَامًا وَضَعُوهَا بِعُقُولِهِمْ وَآرَائِهِمْ (مِنْهَا) التَّكْفِيرُ بِالْخَطَأِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ دُونَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (وَمِنْهَا) إِثْبَاتُ الْفُرُوعِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ دُونَ الْأُصُولِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكُلُّ تَقْسِيمٍ لَا يَشْهَدُ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأُصُولُ الشَّرْعِ بِالِاعْتِبَارِ فَهُوَ تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ يَجِبُ إِلْغَاؤُهُ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ ضَلَالِ الْقَوْمِ فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا سَمَّوْهُ أُصُولًا وَمَا سَمَّوْهُ فُرُوعًا، وَسَلَبُوا الْفُرُوعَ حُكْمَ اللَّهِ الْمُعَيَّنَ فِيهَا، بَلْ حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ آرَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَجَعَلُوا مَا سَمَّوْهُ أُصُولًا مَنْ أَخْطَأَ فِيهِ عِنْدَهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، وَادَّعَوُا الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا التَّفْرِيقِ، وَلَا يُحْفَظُ مَا جَعَلُوهُ إِجْمَاعًا عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهَذَا عَادَةُ أَهْلِ الْكَلَامِ يحكونَ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ، أَمَّا هَذِهِ دَعْوَى الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَأَمْثَالِهِمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُبْطِلُوا سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَدَّعُونَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ نَصًّا أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُتَنَازِعِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَيْسُوا كُلُّهُمْ سَوَاءً، بَلْ فِيهِمُ الْمُصِيبُ وَالْمُخْطِئُ، فَالْكَلَامُ فِيمَا سَمَّوْهُ أُصُولًا وَفِيمَا سَمَّوْهُ فُرُوعًا، يَنْقَسِمُ إِلَى مُطَابِقٍ لِلْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَغَيْرِ مُطَابِقٍ، فَانْقِسَامُ الِاعْتِقَادِ فِي الْحُكْمِ إِلَى الْمُطَابِقِ وَغَيْرِ مُطَابِقٍ كَانْقِسَامِ [صفحة 155] الِاعْتِقَادِ فِي بَابِ الْخَمْرِ إِلَى مُطَابِقٍ وَغَيْرِ مُطَابِقٍ، فَالْقَائِلُ فِي الشَّيْءِ حَلَالٌ وَالْقَائِلُ حَرَامٌ فِي إِصَابَةِ أَحَدِهِمَا وَخَطَأِ الْآخَرِ كَالْقَائِلِ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُرَى وَالْقَائِلِ أَنَّهُ لَا يُرَى فِي إِصَابَةِ أَحَدِهِمَا وَخَطَأِ الْآخَرِ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى خَطَأٌ أَوْ عَمْدٌ فِي هَذَا كَالْكَذِبِ عَلَيْهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فِي الْآخَرِ، فَإِنَّ الْمُخْبِرَ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِكَذَا وَأَبَاحَهُ، وَالْآخَرُ يُخْبِرُ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَحَرَّمَهُ، فَأَحَدُهُمَا مُخْطِئٌ قَطْعًا. فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا بَلْ هُوَ حَلَالٌ فِي حَقِّ مَنِ اعْتَقَدَ حِلَّهُ، حَرَامٌ فِي حَقِّ مَنِ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ. قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْمِفْتَاحِ وَغَيْرِهِ (مِنْهَا) إِنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَخِلَافُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ )) وهذا الكلام السابق موجه لهؤلاء المكفرين بالتأويل لأنهم يقولون أنه تثبت العقيدة بأخبار الآحاد فالكلام لازم لهم . أما من يقول أن العقيدة لا تثبت بخبر الاحاد فيرد عليهم بالتالي أولا :قوله تعالى (إذا قضى الله و رسوله أمرا ) فأمر نكرة في سياق الشرط فشمل العلم و العمل ثانيا (وما آتاكم الرسول فخذوه ) ما لفظ عام ثالثا) ليتفقهوا في الدين ) و الدين يشمل العلم و العمل [صفحة 156] رابعا : القول بأن خبر الاحاد لا تثبت به عقيدة هو عقيدة فكيف اعتقدتم هذه العقيدة بقطع أم بظن ؟ فهي بظن على تقسيمهم لأن تفسير الاية (إن يتبعون إلا الظن ) هو ظني على ما اعتقدوا خامسا قال في النهاية الظن هو الشك يعرض لك فتحققه سادسا : «الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم» (1/ 120): «فإن وجدنا نحن برهانا على أن خبر الواحد المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الشريعة لا يجوز عليه الكذب ولا الوهم فقد صح قولنا وقولهم في أن خبر النبي صلى الله عليه وسلم في الشريعة لا يجوز عليه الكذب والوهم وإن لم نجد برهانا على ذلك فهو قولهم وقد صح البرهان بذلك ولله الحمد على ما نذكره إن شاء الله تعالى وقد علمنا أن في القرآن آيات منسوخة بلا شك لقوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن لله على كل شيء قدير} وقد اختلف العلماء فيها فطائفة قالت في آية إنها منسوخة وطائفة قالت ليست منسوخة بل هي محكمة فما قال مسلم قط لا ابن كيسان ولا غيره إن الواجب التوقف عن العمل بشيء من القرآن من أجل ذلك وخوفا أن يعمل بمنسوخ لا يحل العمل به الواجب العمل بكل آية منه حتى يصح النسخ فيها فيترك العمل بها { أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الشريعة يوجب العلم ولا يجوز فيه البتة الكذب ولا الوهم فنقول وبالله تعالى التوفيق قال الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم {وما [صفحة 157] ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} وقال تعالى آمرا لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول {قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ومآ أنا إلا نذير مبين} وقال تعالى {إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون} وقال تعالى {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} فصح أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شيء أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا وضمانه خائسا وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل فوجب أن الذي أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم محفوظ بتولي الله تعالى حفظه مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا قال تعالى {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} فإذ ذلك كذلك فبالضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين ولا سبيل البتة إلى أن [صفحة 158] يختلط به باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ ولكان قول الله تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} كذبا ووعدا مخلفا وهذا لا يقوله مسلم فإن قال قائل إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده فهو الذي ضمن تعالى حفظه لسائر الوحي الذي ليس قرآنا قلنا له وبالله تعالى التوفيق هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان وتخصيص للذكر بلا دليل وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فصح أن لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن وأيضا فإن الله تعالى يقول {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} فصح أنه عليه السلام مأمور ببيان القرآن للناس وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه لكن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها فما أخطأ فيه المخطىء أو تعمد فيه الكذب الكاذب ومعاذ الله من هذا وأيضا نقول لمن قال إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجب العلم وإنما يجوز فيه الكذب [صفحة 159] والوهم وأنه غير مضمون الحفظ أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة فجهلت حتى لا يعملها علم يقين أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين فإن قالوا لا يمكنان أبدا بل قد أمنا ذلك صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الديانة فإنه حق قد قاله عليه السلام كما هو وأنه يوجب العلم ونقطع بصحته ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم قط اختلاطا لا يتميز فيه الباطل من الحق أبدا وإن قالوا بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن الدين دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد أبدا وأنهم لا يدرون أبدا ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث والذي لا يغني من الحق شيئا وهذا انسلاخ من الإسلام وهدم للدين وتشكيك في [صفحة 160] الشرائع ثم نقول لهم أخبرونا إن كان ذلك كله ممكنا عندكم فهل أمركم الله تعالى بالعمل بما رواه الثقات مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يأمركم بالعمل به ولا بد من أحدهما فإن قالوا لم يأمرنا الله تعالى بذلك لحقوا بالمعتزلة وسيأتي جوابهم على هذا القول إن شاء الله تعالى وإن قالوا بل أمرنا الله تعالى بالعمل بذلك قلنا لهم فقد قلتم إن الله تعالى أمركم بالعمل في دينه بما لم يأمركم به مما وضعه الكذابون وأخطأ فيه الواهمون وأمركم بأن تنسبوا إليه تعالى وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم ما لم يأتكم به قط وما لم يقله الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا قطع بأنه عز وجل أمر بالكذب عليه وافترض العمل بالباطل وبما ليس من الدين وبما شرع الكذابون مما لم يأذن به الله تعالى وهذا عظيم جدا لا يستجيز القول به مسلم ثم نسألهم عما قالوا إنه ممكن من سقوط بعض ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحكم في الدين بإيجاب أو تحريم حتى لا يوجد عند أحد هل بقي علينا العمل به أم سقط عنا ولا بد من أحدهما فإن قالوا بل هو باق علينا قلنا لهم كيف يلزمنا العمل بما لا ندري وبما لم يبلغنا ولا يبلغنا أبدا وهذا هو تحميل الإصر والحرج والعسر الذي قد آمننا الله تعالى منه وإن قالوا بل سقط عنا العمل به قلنا لهم فقد أجزتم نسخ شرائع من شرائع الإسلام مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محكمة ثابتة لازمة فأخبرونا من الذي نسخها [صفحة 161] وأبطلها وقد مات صلى الله عليه وسلم وهي لازمة لنا غير منسوخة وهذا خلاف الإسلام والخروج منه جملة فإن قالوا لا يجوز أن يسقط حكم شريعة مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لازم لنا ولم ينسخ قلنا لهم فمن أين أجزتم هذا النوع من الحفظ في الشريعة ولم تجيزوا تمام الحفظ للشريعة في ألا يختلط بها باطل لم يأمر الله تعالى به قط اختلاطا لا يتميز معه الحق الذي أمر الله تعالى به من الباطل الذي لم يأمر به تعالى قط وهذا لا مخلص لهم منه ولا فرق بين من منع من سقوط شريعة حق وأجاز اختلاطها بالباطل وبين من منع من اختلاط الحق في الشريعة بالباطل وأجاز سقوط شريعة حق وكل هذا باطل لا يجوز البتة وممتنع قد أمنا كونه ولله الحمد وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد قد أمنا كونه ولله الحمد وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع به موجب للعمل والعلم معا وأيضا قال الله تعالى {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} وقد قال تعالى {يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} نسألهم هل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنزل الله إليه أو لم يبين وهل بلغ ما أنزل الله إليه أو لم يبلغ ولا بد من أحدهما فمن قولهم إنه عليه السلام قد بلغ ما أنزل الله إليه وبينه للناس وأقام به الحجة على من بلغه فنسألهم عن ذلك التبليغ وذلك البيان أهما باقيان [صفحة 162] عندنا وإلى يوم القيامة أم هما غير باقيين فإن قالوا بل هما باقيان وإلى يوم القيامة رجعوا إلى قولنا وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله تعالى في الدين مبين مما لم ينزله مبلغ إلينا وإلى يوم القيامة وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل عن مثله مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع على مبينه موجب للعلم والعمل وإن قالوا بل هما غير باقين دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيرا من الدين قد بطل وإن التبليغ قد سقط في كثير من الشرائع وأن تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثير من الدين قد ذهب ذهابا لا يوجد معه أبدا وهذا هو قول الروافض بل شر منه لأن الروافض ادعت أن حقيقة الدين موجودة عند إنسان مضمون كونه في العالم وهؤلاء أبطلوه من جميع العالم ونعوذ بالله من كلا القولين وأيضا فإن الله تعالى قال {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وقال تعالى {إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جآءهم من ربهم الهدى} وقال تعالى {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} وقال تعالى ذاما لقوم قالوا {وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} وقال تعالى {سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من [صفحة 163] شيء كذلك كذب لذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} وقد صح أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نقول أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وقال عليه السلام كذا وفعل عليه السلام كذا وحرم القول في دينه بالظن وحرم تعالى أن نقول عليه إلا بعلم فلو كان الخبر المذكور يجوز فيه الكذب أو الوهم لكنا قد أمرنا الله تعالى بأن نقول عليه ما لا نعلم ولكان تعالى قد أوجب علينا الحكم في الدين بالظن الذي لا نتيقنه والذي هو الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا والذي هو غير الهدى الذي جاءنا من عند الله تعالى وهذا هو الكذب والإفك والباطل الذي لا يحل القول به والذي حرم الله تعالى علينا أن نقول به وبالتخرص المحرم فصح يقينا أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه موجب للعلم والعمل معا وبالله تعالى التوفيق وصار كل من يقول بإيجاب العمل بخبر الواحد وأنه مع ذلك ظن لا يقطع بصحة غيبه ولا يوجب العلم قائلا بأن الله تعالى تعبدنا أن نقول عليه تعالى ما ليس لنا به علم وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم تعالى علينا أن نحكم به في الدين وهذا عظيم جدا وأيضا فإن الله تعالى يقول {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على [صفحة 164] النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} وقال تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال تعالى {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} وقال تعالى {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم} قال أبو محمد فنقول لمن جوز أن يكون ما أمر الله تعالى به نبيه عليه السلام من بيان شريعة الإسلام لنا غير محفوظ وإنه يجوز فيه التبديل وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطا لا يتميز أبدا أخبرونا عن إكمال الله دينا ورضاه الإسلام لنا دينا ومنعه تعالى من قبول كل دين حاشا الإسلام أكل ذلك باق علينا ولنا إلى يوم القيامة أم إنما كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم فقط أم لا للصحابة ولا لنا ولا بد من أحد هذه الوجوه فإن قالوا لا للصحابة ولا لنا كان قائل هذا القول كافرا لتكذيبه الله تعالى جهارا وهذا لا يقوله مسلم وأن قالوا بل كان كل ذلك باق لنا وعلينا إلى يوم القيامة صاروا إلى قولنا ضرورة وصح أن شرائع [صفحة 165] الإسلام كلها كاملة بلوغه إلينا وإلى يوم القيامة فإن قالوا بل هي له عليه السلام مع من شاهده خاصة لا في بلوغ الدين إلى من بعدهم قلنا لهم إذا جوزتم بطلان العصمة في تبليغ الدين بعد موته عليه السلام وجوزتم وجود الداخلة والفساد والبطلان والزيادة والنقصان والتحريف في الدين فمن أين وقع لكم الفرق بين ما جوزتم من ذلك بعده عليه السلام وبين ما منعتم من ذلك في حياته منه عليه السلام فإن قالوا لأنه كان يكون عليه السلام غير مبلغ ما أمر به ولا معصوم والله تعالى يقول {يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} قيل لهم نعم وهذا التبليغ المعترض عليه والذي هو فيه عليه السلام معصوم بإجماعكم معنا من الكذب والوهم هو إلينا كما هو إلى الصحابة رضي الله عنهم ولا فرق والدين لازم لنا كما هو لازم لهم سواء بسواء فالعصمة واجبة في التبليغ للديانة باقية مضمونة ولا بد إلى يوم القيامة كما كانت قائمة عن الصحابة رضي الله عنهم سواء بسواء ومن أنكر هذا فقد قطع بأن الحجة علينا في الدين غير قائمة والحجة لا تقوم بما لا يدرى أحق هو أم باطل كذب ثم نقول لهم وكذلك قال تعالى {إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون} …….فإن ادعوا إجماعا قلنا لهم من الكرامية من يقول إنه عليه السلام غير معصوم في تبليغ الشريعة فإن قالوا ليس هؤلاء ممن يعد في الإجماع قلنا صدقتم ولا يعد في الإجماع من قال إن الدين غير محفوظ وإن كثيرا من الشرائع التي أنزل الله تعالى قد [صفحة 166] بطلت واختلطت بالباطل الموضوع والموهوم فيه اختلاطا لا يتميز معه الرشد من الغي ولا الحق من الباطل ولا دين الله تعالى من دين إبليس أبدا فإن قالوا بل الفضيلة بعصمة ما أتى النبي صلى الله عليه وسلم به من الدين باقية إلى يوم القيامة صاروا إلى الحق الذي هو قولنا ولله تعالى الحمد فإن قالوا فإنه صفة كل مخبر وطبيعته أن خبره يجوز فيه الصدق والكذب والخطأ وقولكم بأن خبر الواحد العدل في الشريعة موجب للعلم إحالة لطبيعة الخبر وطبيعة المخبرين وخرق لصفات كل ذلك وللعادة فيه قلنا لهم لا ينكر من الله تعالى إحالة ما شاء من الطبائع إذا صح البرهان بأنه فعل الله تعالى والعجب من إنكاركم هذا مع قولكم به بعينه في إيجابكم عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب والوهم في تبليغه الشريعة وهذا هو الذي أنكرتم بعينه بل لم تقنعوا بالتناقض إذا أصبتم في ذلك وأخطأتم في منعكم من ذلك في خبر الواحد العدل حتى أتيتم بالباطل المحض إذ جوزتم على جميع الأمم موافقة الخطأ في إجماعها في رأيها وذلك طبيعة في الكل وصفة لهم ومنعتم من جواز الخطأ والوهم على ما ادعيتموه من إجماع الأمة من المسلمين خاصة في اجتهادها في القياس وحاشا لله أن تجمع الأمة على الباطل والقياس عين الباطل فخرقتم بذلك العادة وأحلتم الطبائع بلا برهان لا سيما إن كان المخالف لنا من المرجئة القاطعين بأنه لا يمكن أن يكون يهودي ولا نصراني يعرف بقلبه أن الله تعالى حق فإن هؤلاء أحالوا الطبائع بلا برهان ومنعوا من إحالتها إذا [صفحة 167] قام البرهان بإحالتها فإن قالوا فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار الشرعية التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم معصومون في نقلها وإن كل واحد منهم معصوم في نقله من تعمد الكذب ووقوع الوهم منه قلنا لهم نعم هكذا نقول وبهذا نقطع ونبت وكل عدل روى خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين أو فعله عليه السلام فذلك الراوي معصوم من تعمد الكذب مقطوع بذلك عند الله تعالى ومن جواز الوهم فيه عليه إلا ببيان وارد ولا بد من الله تعالى ببيان ما وهم فيه كما فعل تعالى بنبيه عليه السلام إذ سلم من ركعتين ومن ثلاث واهما لقيام البراهين التي قدمنا من حفظ جميع الشريعة وبيانها مما ليس منها وقد علمنا ضرورة أن كل من صدق في خبر ما فإنه معصوم في ذلك الخبر من الكذب والوهم بلا شك فأي نكرة في هذا فإن قالوا تعبدنا الله تعالى بحسن الظن به وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول أنا عند ظن عبدي بي قلنا ليس هذا من الحكم في الدين بالظن في شيء بل كله باب واحد لأنه تعالى حرم علينا أن نقول عليه ما لا نعلم ونحن لا نعلم أيغفر لنا أم يعذبنا فوجب علينا الوقوف في ذلك والرجاء والخوف وحرم علينا أن نقول عليه في الدين والتحريم والإباحة والإيجاب ما لا نعلم وبين لنا كل ما ألزمنا من ذلك فوجب القطع بكل ذلك كما وجب القطع بتخليد الكفار في النار أو تخليد المؤمنين في الجنة ولا فرق ولم يجز القول بالظن في شيء من ذلك كله فإن قالوا أنتم تقولون إن الله [صفحة 168] تعالى أمرنا بالحكم بما شهد به العدل مع يمين الطالب وبما شهد به العدلان فصاعدا وبما حلف عليه المدعى عليه إذا لم يقم المدعي بينة في إباحة الدماء المحرمة والفروج المحرمة والأبشار المحرمة والأموال المحرمة وكل ذلك بإقراركم ممكن أن يكون في باطن الأمر بخلاف ما شهد به الشاهد وما حلف عليه الحالف وهذا هو الحكم بالظن الذي أنكرتم علينا في قولنا في خبر الواحد ولا فرق قلنا لهم وبالله التوفيق بين الأمرين فروق واضحة كوضوح الشمس أحدهما أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله وتبينه من الغي ومما ليس منه ولم يتكفل تعالى قط بحفظ دمائنا ولا بحفظ فروجنا ولا بحفظ أبشارنا ولا بحفظ أموالنا في الدنيا بل قدر تعالى بأن كثيرا من كل ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا وقد نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وبقوله عليه السلام للمتلاعنين الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب أو كما قال عليه السلام في كل ذلك والفرق الثاني أن حكمنا بشهادة الشاهد وبيمين الحالف ليس حكما بالظن كما زعموا بل نحن نقطع ونبت بأن الله عز وجل افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع شهادة العدل وبيمين المدعى عليه إذا لم [صفحة 169] يقم بينة وبشهادة العدل والعدلين والعدول عندنا وإن كانوا في باطن أمرهم كذابين أو واهمين والحكم بكل ذلك حق عند الله تعالى وعندنا مقطوع على غيبه برهان ذلك أن حاكما لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي فلم يحكم للمدعى عليه باليمين أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما فإن ذلك الحاكم فاسق عاص لله عز وجل مجرح الشهادة ظالم سواء كان المدعى عليه مبطلا في إنكاره أو محقا أو كان الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين إذا لم يعلم باطن أمرهم ونحن مأمورون يقينا بأمر الله عز وجل لنا بأن نقتل هذا البريء المشهود عليه بالباطل وأن نبيح هذه البشرة المحرمة وهذا المال الحرام المشهود فيه بالباطل وحرم على المبطل أن يأخذ شيئا من ذلك وقضى ربنا بأننا إن لم نحكم بذلك فإننا في الدين فساق عصاة له تعالى ظلمه متوعدون بالنار على ذلك وما أمرنا تعالى قط بأن نحكم في الدين بخبر وضعه فاسق أو وهم فيه واهم وقال تعالى {يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء والله سميع عليم} فهذا فرق في غاية البيان وفرق ثالث وهو أن نقول إن الله تعالى افترض علينا أن نقول في جميع الشريعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرنا الله تعالى بكذا لأنه تعالى يقول {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا الرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه [صفحة 170] إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}........ففرض علينا أن نقول نهانا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن كذا وأمرنا بكذا ولم يأمرنا تعالى قط أن نقول شهد هذا بحق ولا حلف هذا الجانب على حق ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق له يقينا ولا قال تعالى ما قال هذا الشاهد لكن الله تعالى قال لنا احكموا بشهادة العدول وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم عليه بينة وهذا فرق لا خفاء به فلم نحكم بالظن في شيء من كل ذلك أصلا ولله الحمد بل بعلم قاطع ويقين ثابت أن كل ما حكمنا به مما نقله العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحق من عند الله تعالى أوحى به ربنا تعالى مضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محكي عنه أنه قال وكل ما حكمنا فيه بشهادة العدول عندنا فحق مقطوع به من عند الله تعالى لأنه أمرنا بالحكم به ولم يأمرنا بأن نقول فيما شهدوا به وما حلف به الحالف أنه من عند الله تعالى ولا أنه حق مقطوع به فإن قالوا إنما قال تعالى {يأيها لذين آمنوا جتنبوا كثيرا من لظن إن بعض لظن إثم )))ولم يقل كل الظن إثم قلنا قد بين الله تعالى الإثم من البر وهو أن القول عليه تعالى بما لا نعلم حرام فهذا من الظن الذي هو إثم بلا شك قال علي فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد للدلائل التي ذكرنا وظنوا أنهم تخلصوا بذلك ولم يتخلصوا بل كل ما لزم غيرهم مما ذكرنا هو ملازم لهم وذلك أننا نقول لهم وبالله تعالى التوفيق أخبرونا عن الأخبار التي رواها [صفحة 171] الآحاد أهي كلها حق إذا كانت من رواية الثقات خاصة أم كلها باطل أم فيها حق وباطل فإن قالوا فيها حق وباطل وهو قولهم قلنا لهم هل يجوز أن تبطل شريعة أوحى الله تعالى بها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ليبينها لعباده حتى يختلط بكذب وضعه فاسق ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو وهم فيها واهم فيختلط الحق المأمور به مع الباطل المختلق اختلاطا لا يتميز به الحق من الباطل أبدا لأحد من الناس وهل الشرائع الإسلامية كلها محفوظة لازمة لنا أو هي غير محفوظة ولا كلها لازم لنا بل قد سقط منها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير وهل قامت الحجة علينا لله تعالى فيما افترض من الشرائع بأنها بينة لنا متميزة مما لم يأمرنا به أو لم تقم لله تعالى علينا حجة في الدين لأن كثيرا منه مختلط بالكذب غير متميز منها أبدا فإن أجازوا اختلاط شرائع الدين التي أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما ليس في الدين وقالوا لم تقم لله تعالى علينا حجة فيما أمرنا به دخل عليهم في القول بفساد الشريعة وذهاب الإسلام وبطلان ضمان الله تعالى بحفظ الذكر كالذي دخل على غيرهم حرفا بحرف سواء بسواء ولزمهم أنهم تركوا كثيرا من الدين الصحيح كما لزم غيرهم سواء بسواء أنهم يعملون بما ليس من الدين وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بطل بيانه وأنه حجة الله تعالى بذلك لم تقم علينا سواء بسواء وفي هذا ما فيه فإن لجأوا إلى الاقتصار على خبر التواتر لم ينفكوا بذلك من أن كثيرا من الدين قد بطل لاختلاطه بالكذب الموضوع وبالموهوم فيه ومن جواز أن يكون [صفحة 172] كثير من شرائع الإسلام لم ينقل إلينا إذ قد بطل ضمان حفظ الله تعالى فيها وأيضا فإنه لا يعجز أحد أن يدعي في أي خبر شاء أنه منقول نقل التواتر بل أصحاب الإسناد أصح دعوى في ذلك لشهادة كثرة الرواة وتغير الأسانيد لهم بصحة قولهم في نقل التواتر وبالله تعالى التوفيق فإن لجأ لاجىء إلى أن يقول بأن كل خبر جاء من طريق الآحاد الثقات فإنه كذب موضوع ليس منه شيء قاله قط رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلنا وبالله تعالى التوفيق هذه مجاهرة ظاهرة ومدافعة لما نعلم بالضرورة خلافه وتكذيب لجميع الصحابة أولهم عن آخرهم ولجميع فضلاء التابعين ولكل إنسان من العلماء جيلا بعد جيل لأن كل ما ذكرنا رووا الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك من أحد واحتج بها بعضهم على بعض وعملوا بها وأفتوا بها في دين الله تعالى وهذا اطراح للإجماع المتيقن وباطل لا تختلف النفوس فيه أصلا لأنا بالضرورة ندري أنه لا يمكن البتة في البنية أن يكون كل من ذكرنا لم يصدق قط في كلمة رواها بل كلهم وضعوا كل ما رووا وأيضا ففيه إبطال الشرائع التي لا يشك مسلم ولا غير مسلم في أنها ليست في القرآن مبينة كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك وأنه إنما أخذ بيانها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا القطع بأن كل صاحب من الصحابة روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه هو الواضع والمخترع للكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ولا يشك أحد على وجه الأرض في أن كل [صفحة 173] صاحب من الصحابة قد حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أهله وجيرانه وفي هذا إثبات وضع الشرائع على جميعهم أولهم عن آخرهم وما بلغت الروافض والخوارج قط هذا المبلغ مع أنها دعوى بلا برهان وما كان كذلك فهو باطل بيقين في ثلاثة أقوال كما ترى لا رابع لها إما أن يكون كل خبر نقله العدل عن العدل مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا كلها أولها عن آخرها موضوعة بأسرها وهذا باطل بيقين كما بينا وإيجاب أن كل صاحب وتابع وعالم لا نحاشي أحدا قد اتفقوا على وضع الشرائع والكذب فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا انسلاخ عن الإسلام أو يكون فيها حق وفيها باطل إلا أنه لا سبيل إلى تمييز الحق منها من الباطل لأحد أبدا وهذا تكذيب لله تعالى في إخباره بحفظ الذكر المنزل وبإكماله الدين لنا وبأنه لا يقبل منا إلا دين الإسلام لا شيئا سواه وفيه أيضا فساد الدين واختلاطه بما لم يأمر به تعالى قط به وأنه لا سبيل لأحد في العالم إلى أن يعرف ما أمره الله تعالى به في دينه مما لم يأمره به أبدا وأن حقيقة الإسلام وشرائعه قد بطلت بيقين وهذا انسلاخ عن الإسلام أو أنها كلها حق مقطوع على غيبها عند الله تعالى موجبة كلها للعلم لإخبار الله تعالى بأنه حافظ لما أنزل من الذكر ولتحريمه تعالى الحكم في الدين بالظن والقول عليه بما لا علم لنا به ولإخباره تعالى بأنه قد بين الرشد من الغي وليس الرشد إلا ما أنزله الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي فعله وليس الغي إلا ما لم ينزله الله تعالى [صفحة 174] على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا قولنا والحمد لله رب العالمين قال علي فإذا قد صح هذا القول بيقين وبطل كل ما سواه فلنتكلم بعون الله تعالى على تقسيمه فنقول وبالله تعالى نتأيد إننا قد أمنا ولله الحمد أن تكون شريعة أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ندب إليها أو فعلها عليه السلام فتضيع ولم تبلغ إلى أحد من أمته إما بتواتر أو بنقل الثقة عن الثقة حتى تبلغ إليه صلى الله عليه وسلم وأمنا أيضا قطعا أن يكون الله تعالى يفرد بنقلها من لا تقوم الحجة بنقله من العدول وأمنا أيضا قطعا أن تكون شريعة يخطىء فيها راويها الثقة ولا يأتي بيان جلي واضح بصحة خطئه فيه وأمنا أيضا قطعا أو يطلق الله عز وجل من قد وجبت الحجة علينا بنقله على وضع حديث فيه شرع يسنده إلى من تجب الحجة بنقله حتى يبلغ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك نقطع ونثبت بأن كل خبر لم يأت قط إلا مرسلا أو لم يروه قط إلا مجهول أو مجرح ثابت الجرحة فإنه خبر باطل بلا شك موضوع لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لو جاز أن يكون حقا لكان ذلك شرعا صحيحا غير لازم لنا لعدم قيام الحجة علينا فيها قال علي وهذا الحكم الذي قدمنا إنما هو فيما نقله من اتفق على عدالته كالصحابة وثقات التابعين ثم كشعبة وسفيان وسفيان ومالك وغيرهم من الأئمة في عصرهم وبعدهم إلينا وإلى يوم القيامة وفي كل من ثبتت جرحته كالحسن بن عمارة وجابر الجعفي وسائر المجرحين الثابتة جرحتهم وأما من اختلف فيه فعدله قوم وجرحه آخرون فإن ثبتت عندنا [صفحة 175] عدالته قطعنا على صحة خبره وإن ثبتت عندنا جرحته قطعنا على بطلان خبره وإن لم يثبت عندنا شيء من ذلك وقفنا في ذلك وقطعنا ولا بد حتما على أن غيرنا لا بد أن يثبت عنده أحد الأمرين فيه وليس خطؤنا نحن إن أخطأنا وجهلنا إن جهلنا حجة على وجوب ضياع دين الله تعالى بل الحق ثابت معروف عند طائفة وإن جهلته أخرى والباطل كذلك أيضا كما يجهل قوم ما نعلمه نحن أيضا والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا يصح الخطأ في خبر الثقة إلا بأحد ثلاثة أوجه إما تثبت الراوي واعترافه بأنه أخطأ فيه وإما شهادة عدل على أنه سمع الخبر مع راويه فوهم فيه فلان وإما بأن توجب المشاهدة بأنه أخطأ قال علي وكذلك نقطع ونبت في كل خبرين صحيحين متعارضين وكل آيتين متعارضتين وكل آية وخبر صحيح متعارضين وكل اثنين متعارضين لم يأت نص بين بالتناسخ منهما فإن الحكم الزائد على الحكم المتقدم من معهود الأصل هو الناسخ وأن الموافق لمعهود الأصل المتقدم وهو المنسوخ قطعا يقينا للبراهين التي قدمنا من أن الدين محفوظ فلو جاز أن يخفى فيه ناسخ من منسوخ أو أن يوجد عموم لا يأتي نص صحيح بتخصيصه ويكون المراد به الخصوص لكان الدين غير محفوظ ولكانت الحجة غير قائمة على أحد في الشريعة ولكنا متعبدين بالظن الكاذب المحرم بل بالعمل بما لم يأمر الله تعالى قط به وهذا باطل مقطوع على بطلانه قال علي فإن وجد لنا يوما غير هذا فنحن تائبون إلى الله تعالى منه وهي وهلة نستغفر الله عز وجل منها وإنا لنرجو ألا يوجد لنا ذلك)) [صفحة 176] قال ابن حزم ((وبرهان آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رسولا إلى كل ‌ملك ‌من ‌ملوك ‌الأرض المجاورين لبلاد العرب وقد اعترض بعض من يخالفنا في ذلك بأن قال إن الرفاق والتجار وردوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتصر بذلك على الرسول وحده قال أبو محمد وهذا شغب وتمويه لا يجوز إلا على ضعيف ونحن لا نشك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر بالرسل المذكورين على الإخبار بظهوره ومعجزاته المنقولة بخير الرفاق والسفار بل أمرهم بتعليم من أسلم شرائع الإسلام ومسائل العبادات والأحكام ليس من شيء من ذلك منقولا على ألسنة الرفاق والسفار وبعثه هؤلاء الرسل مشهورة بلا خوف منقولة نقل الكواف فقد ألزم النبي صلى الله عليه وسلم كل ملك ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجه نحوهم من شرائع دينهم قال علي وكذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى الجند وجهات من اليمن وأبا موسى إلى جهة أخرى وهي زبيد وغيرها وأبا بكر على الموسم مقيما للناس حجهم وأبا عبيدة إلى نجران وعليا قاضيا إلى اليمن وكل من هؤلاء مضى إلى جهة ما معلما لهم شرائع الإسلام وكذلك بعث أميرا إلى كل جهة أسلمت بعدت منه أو قربت كأقصى اليمن والبحرين وسائر الجهات والأحياء والقبائل التي أسلمت بعث إلى كل طائفة رجلا معلما لهم دينهم ومعلما لهم القرآن ومفتيا لهم في أحكام دينهم وقاضيا فيما وقع بينهم وناقلا إليهم ما يلزمهم عن الله [صفحة 177] تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم مأمورون بقبول ما يخبرونهم به على نبيهم صلى الله عليه وسلم وبعثه هؤلاء المذكورين مشهورة بنقل التواتر من كافر ومؤمن لا يشك فيها أحد من العلماء ولا من المسلمين ولا في أن بعثهم إنما كانت لما ذكرنا من المحال الباطل الممتنع أن يبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا تقوم عليهم الحجة بتبليغه ومن لا يلزمهم قبول ما علموهم من القرآن وأحكام الدين وما أفتوهم به في الشريعة ومن لا يجب عليهم الانقياد لما أخبروهم به من كل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لو كان ذلك لكانت بعثته لهم فضولا ولكان عليه السلام قائلا للمسلمين بعثت إليكم من لا يجب عليكم أن تقبلوا منه ما بلغكم عني ومن حكمكم ألا تلتفتوا إلى ما نقل إليكم عني وألا تسمعوا منه ما أخبركم به عني ومن قال بهذا فقد فارق الإسلام وكذلك من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرىء واحد أو محدث واحد أو مفت واحد فنقول لمن خالفنا ماذا تقولون أيلزمه إذا قرأ القرآن على ذلك المقرىء أن يؤمن بما أقرأه وأن يصدق بأنه كلام الله تعالى ويثبت على ذلك أم عليه أن يشك ولا يصدق بأنه كلام الله عز وجل فإن قالوا يلزمه الإقرار بأنه كلام الله تعالى قلنا صدقتم فأي فرق بين نقلهم للقرآن وبين نقلهم لسائر السنن وكلاهما من عند الله تعالى وكلاهما فرض قبوله وإن قالوا عليه أن يشك فيه حتى يلقى الكواف أتوا بعظيمة في الدين ونسألهم حينئذ فيمن لقي من ذلك اثنين أو ثلاثة أو أربعة فلا بد لهم من حد [صفحة 178] يقفون عنده من العدد فيكون قولهم سخريا وباطلا ودعوى بلا برهان أو يحيلوا على معدوم فيما لا يصح على قولهم قبول القرآن والدين إلا به وفي هذا إبطال للدين والقرآن جملة والمنع من اعتمادهما ونعوذ بالله من هذا وهكذا القول في وجوب طاعة من أخذ عن أولئك الرسل قرآنا أو سنة وبلغ ذلك إلى غيره ولأنها بلاد واسعة لا سبيل لكل واحد من أولئك الرسل إلى لقاء جميعهم من رجل وامرأة لكن يبلغ ويبلغ من بلغه هو وهكذا أبدا لئلا يقول جاهل هذا خصوص لأولئك الرسل ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن مسلما ثقة لو دخل أرض الكفر فدعا قوما إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن وعلمهم الشرائع لكان لازما لهم قبوله ولكانت الحجة عليهم بذلك قائمة وكذلك لو بعث الخليفة أو الأمير رسولا إلى ملك من ملوك الكفر أو إلى أمة من أمم الكفر ويدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم القرآن وشرائع الدين ولا فرق وما قال قط مسلم إنه كان حكم أهل اليمن أن يقولوا لمعاذ ولمن بعثه عليه السلام إلى كل ناحية معلما ومفتيا ومقرئا نعم أنت رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقد الإيمان حق عندنا ولكن ما أفتيتنا به وعلمتنا من أحكام الصلاة ونوازل الزكاة وسائر الديانة عن النبي صلى الله عليه وسلم وما أقرأتنا من القرآن عنه عليه السلام فلا نقبله منك ولا نأخذه عنك لأن الكذب جائز عليك [صفحة 179] ومتوهم منك حتى يأتينا لكل ذلك كواف وتواتر بل لو قالوا ذلك لكانوا غير مسلمين وكذلك لا يختلف اثنان في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلوا إليهم عنه القرآن والسنن وشرائع الدين وأنه عليه السلام لم يبعثهم إليه ليشرعوا لهم دينا لم يأت هو به عن الله تعالى فصح بهذا كله أن كل ما نقله الثقة عن الثقة مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سنة ففرض قبوله والإقرار به والتصديق به واعتقاده والتدين به)) ثانيا :قولهم أنه قد يحدث خطأ من الناقل للسنة قلنا و سواء بسواء يحدث خطأ من الناقل للقران فقد يخطيء الشيخ القارئ ولا يمنع ذلك من كون القران يفيد العلم كذلك ثبتت بعض الاجتهادات من النبي صلى الله عليه و سلم مثل أخذ الفداء من أسرى بدر ولم يقر على ذلك و نزلت (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ... الاية )و كذلك قول الله تعالى (وتخشى الناس ) و قوله تعالى (عبس و تولى ) فهو صلى الله عليه و سلم لا يقر على ذلك و ينزل البيان بالتوجيه .كذلك ثبت بالسنة نسيانه صلى الله عليه و سلم ولكن تم تذكيره مع كونه صلى الله عليه وسلم قدوة وقال إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرني . ولم يمنع ذلك من كون كلامه عليه السلام حجة في الاعتقادات و الأعمال [صفحة 180] ثالثا : أنهم يقولون أخبار الاحاد تفيد العمل فقط لكن هناك أحاديث لا يستفاد العمل منها إلا بإثبات العلم مثال (لعن الواشمة و المستوشمة والواصلة والمتفلجات للحسن ) لعن من غير منار الأرض من لعب بالنرد فقد عصى الله )لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي فيها (لا يدخل الجنة ) مثل لا يدخل الجنة قتات ) و كذلك بعض المستحبات (أنا زعيم ببيت في وسط الجنة ) و كذلك (لا نكاح إلا بولي ) (لا صلاة إلا بأم القران ) وغير ذلك كثير لا يستفاد الوجوب ولا التحريم ولا الاستحباب من قوله افعل و لا تفعل أو ينبغي لك أن تفعل بل من أخبار علمية بدخول الجنة أو النار أو عدم دخولهما أو لعن صاحبها او الإخبار ببطلان الفعل وكل هذا أمور علمية لا بد من إثباتها أولا حتى بعد ذلك يستفاد منها العمل أي تحريم هذا الفعل أو و جوبه أو استحبابه إلا بعد اعتقاد الثواب و العقاب الموجود في الحديث فإن كان لا يثبت به اعتقاد فلا يثبت به عمل بالتالي رابعا: من قال أن خبر الواحد المحتف بالقرائن يفيد العلم «رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت» (ص284): [صفحة 181] «نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم فقال: (وأما القسم الثاني من الأخبار) فهو ‌ما ‌لا ‌يرويه ‌إلا ‌الواحد ‌العدل ونحوه ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملاً به أو تصديقا له … فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من الأولين والآخرين. أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع. وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل: السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية وابن خواز منداد وغيره من المالكية، ومثل أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية ومثل أبي إسحاق الاسفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل. انظر: مختصر الصواعق المرسلة 2/372-373» جاء في «مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» (ص553): «فَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ نُفَاةُ الْعِلْمِ عَنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ خَرَقُوا بِهِ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ وَإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَوَافَقُوا بِهِ الْمُعْتَزِلَةَ وَالْجَهْمِيَّةَ وَالرَّافِضَةَ وَالْخَوَارِجَ الَّذِينَ انْتَهَكُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ، وَتَبِعَهُمْ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَإِلَّا فَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ سَلَفٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِذَلِكَ بَلْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ. [صفحة 182] فَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ‌وَأَصْحَابُ ‌أَبِي ‌حَنِيفَةَ ‌وَدَاوُدُ ‌بْنُ ‌عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ وَالْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ. قَالَ ابْنُ خُوَازِ مِنْدَادَ فِي كِتَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ خَبَرَ الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانُ، وَيَقَعُ بِهَذَا الضَّرْبِ أَيْضًا الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: نَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ، وَنَقْطَعُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا، وَكَذَلِكَ رَوَى الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَاهُنَا اثْنَانِ يَقُولَانِ إِنَّ الْخَبَرَ يُوجِبُ عَمَلًا وَلَا يُوجِبُ عِلْمًا فَعَابَهُ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَقَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا إِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي أَوَّلِ الْمُخْبِرِ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ إِذَا صَحَّ سَنَدُهُ وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ فِيهِ وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَأَصْحَابُنَا يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ فِيهِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَإِنْ لَمْ تَتَلَقَّهُ بِالْقَبُولِ، قَالَ: وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا حَكَيْتُ لَا غَيْرُ. فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ يُحَتَّمُ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِيهِ حُكْمٌ أَوْ فَرْضٌ عَمِلْتُ بِهِ وَدِنْتُ اللَّهَ بِهِ، وَلَا أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [صفحة 183] وَقَالَ ابْنُ أَبِي يُونُسَ فِي أَوَّلِ الْإِرْشَادِ: وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا، وَنَصَّ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْكِفَايَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كُتُبِهِ الْأُصُولِ كَالتَّبْصِرَةِ وَشَرْحِ اللُّمَعِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا لَفْظُهُ فِي الشَّرْحِ: وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ سَوَاءٌ عَمِلَ بِهِ الْكُلُّ أَوِ الْبَعْضُ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَصَرَّحَتِ الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُسْتَفِيضَ يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» " قَالُوا: مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، قَالُوا: وَنَحْوُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ، قَالُوا: وَنَحْوُهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي إِعْطَاءِ الْجَدَّةِ السُّدُسَ، قَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى اسْتِعْمَالِ حُكْمِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ حِينَ سَمِعُوهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِهَا وَسَلَامَتِهَا، وَإِنْ قَدْ خَالَفَ فِيهَا قَوْمٌ فَإِنَّهَا عِنْدَنَا شُذُوذٌ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ. قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ مُخْبِرِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّا إِذَا وَجَدْنَا السَّلَفَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ خَبَرٍ هَذَا وَصْفُهُ مِنْ غَيْرِ تَثْبِيتٍ فِيهِ وَلَا مُعَارَضَةٍ بِالْأُصُولِ أَوْ يُخْبَرُ مِثْلُهُ مَعَ عِلْمِنَا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ وَالنَّظَرِ فِيهَا وَعَرْضِهَا عَلَى الْأُصُولِ، دَلَّنَا [صفحة 184] ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَصِيرُوا إِلَى حُكْمِهِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ وَاسْتِقَامَتُهُ، فَأَوْجَبَ لَنَا الْعِلْمَ بِصِحَّتِهِ، هَذَا لَفْظُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ فِي كِتَابِهِ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ وَعَقْلٍ مُسْتَقِيمٍ اسْتِفَاضَةُ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَالنِّدَاءِ وَالنُّزُولِ وَالتَّكْلِيمِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهَا بِالْقَبُولِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنِ اسْتِفَاضَةِ حَدِيثِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَحَدِيثِ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَحَدِيثِ فَرْضِ الْجَدَّةِ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَ اسْتِفَاضَةِ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَاسْتِفَاضَةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَهَلْ يَسُوغُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ هَذِهِ تُوجِبُ الْعِلْمَ وَتِلْكَ لَا تُوجِبُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاهِتًا. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا, فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ مَالِكٍ، وَنَصَرَهُ فِي الرِّسَالَةِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الَّذِي يُوجِبُهُ نَصُّ الْكِتَابِ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ لَفْظَهُ فِي الْكِتَابَيْنِ. قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ سُنَّةٍ مِنْ خَبَرِ الْخَاصَّةِ الَّذِي قَدْ يَخْتَلِفُ الْخَبَرُ فِيهِ فَيَكُونُ الْخَبَرُ مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ، وَجَاءَ الْخَبَرُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الِانْفِرَادِ، فَالْحُجَّةُ فِيهِ عِنْدِي أَنْ يَلْزَمَ الْعَالِمِينَ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ رَدُّ مَا كَانَ مَنْصُوصًا مِنْهُ كَمَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا شَهَادَةَ الْعُدُولِ لَا أَنَّ ذَلِكَ إِحَاطَةٌ كَمَا يَكُونُ نَصُّ الْكِتَابِ وَخَبَرُ الْعَامَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ شَكَّ فِي هَذَا شَاكٌّ لَمْ نَقُلْ لَهُ تُبْ، وَقُلْنَا لَيْسَ لَكَ إِنْ كُنْتَ عَالِمًا أَنْ تَشُكَّ كَمَا لَيْسَ لَكَ إِلَّا أَنْ تَقْضِيَ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ وَإِنْ [صفحة 185] أَمْكَنَ فِيهِمُ الْغَلَطُ، وَلَكِنْ تَقْضِي بِذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ صِدْقِهِمْ، وَاللَّهُ وَلِيُّ مَا غَابَ عَنْكَ مِنْ ذَلِكَ. اه. فَهَذَا نَصُّهُ فِي خَبَرٍ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَهَذَا لَا تَنَازُعَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَكَلَامُنَا فِي أَخْبَارٍ تُلُقِّيَتْ بِالْقَبُولِ وَاشْتَهَرَتْ فِي الْأُمَّةِ وَصَرَّحَ بِهَا الْوَاحِدُ بِحَضْرَةِ الْجَمْعِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ، بَلْ قَبِلَهُ السَّامِعُ وَأَثْبَتَ بِهِ صِفَةَ الرَّبِّ تَعَالَى، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ نَفَاهَا، كَمَا أَنْكَرَ جَمِيعُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَنْ نَفَى صِفَاتِ الرَّبِّ الْخَبَرِيَّةَ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْبِدْعَةِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْأَخِيرِ فَقَالَ: فَقُلْتُ لَهُ يَعْنِي مَنْ يُنَاظِرُهُ أَرَأَيْتَ إِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ: أَتَّهِمُ جَمِيعَ مَا رَوَيْتَ عَمَّنْ رَوَيْتَهُ عَنْهُ، فَإِنِّي أَخَافُ غَلَطَ كُلِّ مُحَدِّثٍ عَنْهُمْ عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ إِذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّهَمَ حَدِيثُ أَهْلِ الثِّقَةِ، قُلْتُ: فَهَلْ رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: وَمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنَّمَا عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ بِصِدْقِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَنَا وَعَلِمْنَا أَنَّ مَنْ سَمَّيْنَا قَوْلَهُ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَعِلْمُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ عِلْمُنَا بِأَنَّ مَنْ سَمَّيْنَاهُ قَالَهُ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ فَإِذَا اسْتَوَى الْعِلْمَانِ مِنْ خَبَرِ الصَّادِقِ فَأَوْلَى بِنَا أَنْ نُصَيِّرَ إِلَيْهِ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَأْخُذَ بِهِ أَوِ الْخَبَرِ عَمَّنْ دُونَهُ، قَالَ: بَلِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ ثَبَتَ، قُلْتُ: ثُبُوتُهُمَا [صفحة 186] وَاحِدٌ، قَالَ: فَالْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِنَا أَنْ نَصِيرَ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَدْخَلْتُمْ عَلَى الْمُخْبِرِينَ عَنْهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِمُ الْغَلَطُ دَخَلَ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ رُوِيَ مُخَالِفَ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنْ قُلْتَ: نُثْبِتُ بِخَبَرِ الصَّادِقِينَ) فَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى عِنْدَنَا أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ, فَقَدْ نَصَّ كَمَا تَرَى بِأَنَّهُ إِذَا رَوَاهُ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ يُصَدَّقُ الرَّاوِي عِنْدَنَا وَلَا يُنَاقَضُ، هَذَا نَصُّهُ فِي الرِّسَالَةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا نَفَى هُنَاكَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَلِّمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ مُسَاوِيًا لِلْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّ الْعِلْمَ يَتَفَاوَتُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ: نُؤْمِنُ بِهَا وَنَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ، قَالَ: فَقَطَعَ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا، وَذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالُوا: خَبَرُ الْوَاحِدِ إِنْ كَانَ شَرْعِيًّا أَوْجَبَ الْعِلْمَ، قَالَ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ لَا مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ. وَالِاسْتِدْلَالُ يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِقَبُولٍ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ، وَإِنَّ قَبُولَ الْأُمَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ عِنْدَهُمْ بِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ لَا تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ قَوْمٌ وَيَرُدُّهُ قَوْمٌ، الثَّانِي: خَبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى [صفحة 187] اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاحِدٌ فَيَقْطَعُ بِصِدْقِهِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى عِصْمَتِهِ، الثَّالِثُ: أَنْ يُخْبِرَ الْوَاحِدُ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُنْكِرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقِرُّ عَلَى الْكَذِبِ. الرَّابِعُ: أَنْ يُخْبِرَ الْوَاحِدُ وَيَدَّعِيَ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، فَلَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صِدْقٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَمْ تَتَّفِقْ دَوَاعِيهِمْ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ تَكْذِيبِهِ، وَالْعِلْمُ الْوَاقِعُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مُكْتَسَبٌ، لِأَنَّهُ وَاقِعٌ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ. . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قُلْتُ حَصْرُهُ لِأَخْبَارِ الْآحَادِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ لَيْسَ بِجَامِعٍ؛ لِأَنَّ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ مَا تَلَقَّاهُ الرَّسُولُ أَيْضًا بِالْقَبُولِ، كَأَخْبَارِهِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُصَدِّقًا لَهُ فِيهِ، وَمِنْهَا إِخْبَارُ شَخْصَيْنِ عَنْ قِصَّةٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَيْهَا وَيَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا وَالْخَطَأِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَخْبَارُ الْآحَادِ الْمُوجِبَةُ لِلْعِلْمِ وَلَا تَنْحَصِرُ، بَلْ يَجِدُ الْمُخْبَرُ عِلْمًا لَا يَشُكُّ فِيهِ بِكَثِيرٍ مِنْهَا، كَمَا إِذَا أَخْبَرَهُ مَنْ لَمْ يُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبًا قَطُّ أَنَّهُ شَاهَدَهُ، فَإِذًا يَجْزِمُ بِهِ جَزْمًا ضَرُورِيًّا أَوْ يُقَارِبُ الضَّرُورَةَ، وَكَمَا إِذَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ ضَرَرٌ، فَأَخْبَرَ بِهِ تَدَيُّنًا وَخَشْيَةً لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا إِذَا أَتَى بِنَفْسِهِ اخْتِيَارًا وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِحَدٍّ ارْتَكَبَهُ يَطْلُبُ تَطْهِيرَهُ مِنْهُ بِالْحَدِّ، أَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِحَقٍّ ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ وَلَا يَمِينَ يُطْلَبُ مِنْهُ، وَلَامَخَافَةَ تَلْحَقُهُ فِي الْإِنْكَارِ، أَوْ أَخْبَرَ الْمُفْتِيَ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ [صفحة 188] الْمَخْرَجُ مِنْهُ، أَوْ أَخْبَرَ الطَّبِيبَ بِأَلَمٍ يَجِدُهُ، يَطْلُبُ زَوَالَهُ إِلَى أَضْعَافِ أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَقْطَعُ السَّامِعُ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ بِهَا، فَكَيْفَ يَنْشَرِحُ صَدْرًا وَيَنْطَلِقُ لِسَانًا بِأَنَّ خَبَرَ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِذَا قَالُوا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا أَنَّهَا لَا تُفِيدُ عِلْمًا الْبَتَّةَ، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِخَبَرٍ جُزِمَ بِصِدْقِهِمْ، وَنَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَخْبَرُوا سِوَاهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ جَزَمَ بِصِدْقِهِمْ، بَلْ نَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ سَالِمًا وَنَافِعًا وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَمْثَالَهُمْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، بَلْ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَنَحْوُهُمْ كَذَلِكَ، فَلَا يَقَعُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ مَنْ عَرَفَ الْقَوْمَ الِاحْتِمَالُ فِيمَا يَقُولُ فِيهِ مَالِكٌ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ، وَنَحْنُ قَاطِعُونَ بِخَطَأِ مُنَازِعِينَا فِي ذَلِكَ. وَقَدْ ذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِذَا انْعَقَدَ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ صَارَ كَالْمُتَوَاتِرِ، حَكَى ذَلِكَ ابْنُ بُرْهَانَ وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ كَالْمُتَوَاتِرِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا ادَّعَى عَلَى جَمَاعَةٍ بِحَضْرَتِهِمْ صِدْقَهُ فَسَكَتُوا صَارَ خَبَرُهُ كَالْمُتَوَاتِرِ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ يَجْحَدُ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، وَالتَّكْفِيرُ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَإِنَّمَا أُتِيَ مُنْكِرُ إِفَادَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِلْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُ قَاسَ الْمُخْبِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى [صفحة 189] اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرْعٍ عَامٍّ لِلْأُمَّةِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى خَبَرِ الشَّاهِدِ عَلَى قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْمُخْبِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَذَبَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَمْ يَظْهَرْ مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ لَزِمَ عَلَى ذَلِكَ إِضْلَالُ الْخَلْقِ، إِذِ الْكَلَامُ فِي الْخَبَرِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَعَمِلَتْ بِمُوجَبِهِ وَأَثْبَتَتْ بِهِ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَفْعَالِهِ، فَإِنَّ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ شَرْعًا مِنَ الْأَخْبَارِ لَا يَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَبِلَتْهُ الْأُمَّةُ كُلُّهُمْ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ دَلِيلٍ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ شَرْعًا لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. هَذَا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ شَرْعِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ فَهَذِهِ قَدْ لَا يَكُونُ مُقْتَضَاهَا ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِوَحَرَّفَ مَسْأَلَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الَّذِي تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ الْأُمَّةَ وَتَعَرَّفَ بِهِ إِلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِثْبَاتِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ كِذِبًا وَبَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَحُجَجُ اللَّهِ لَا تَكُونُ كَذِبًا وَبَاطِلًا، بَلْ لَا تَكُونُ إِلَّا حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَكَافَأَ أَدِلَّةُ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ وَشَرْعِهِ وَدِينِهِ مُشْتَبِهًا لِلْوَحْيِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَتَعَبَّدَ بِهِ خَلْقَهُ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ هَذَا مِنْ هَذَا فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَوَحْيِ الشَّيْطَانِ وَوَحْيِ الْمَلَكِ عَنِ اللَّهِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَشْتَبِهَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، أَلَا وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَى الْحَقِّ نُورًا [صفحة 190] كَنُورِ الشَّمْسِ يَظْهَرُ لِلْبَصَائِرِ الْمُسْتَنِيرَةِ، وَأَلْبَسَ الْبَاطِلَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَشْتَبِهَ الْبَاطِلُ بِالنَّهَارِ عَلَى أَعْمَى الْبَصَرِ، كَمَا يَشْتَبِهُ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ عَلَى أَعْمَى الْبَصِيرَةِ. قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي قَضِيَّتِهِ، تَلَقَّ الْحَقَّ مِمَّنْ قَالَهُ، فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا، وَلَكِنْ لَمَّا أَظْلَمَتِ الْقُلُوبُ وَعَمِيَتِ الْبَصَائِرُ بِالْإِعْرَاضِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَازْدَادَتِ الظُّلْمَةُ بِاكْتِفَائِهَا بِآرَاءِ الرِّجَالِ، الْتَبَسَ عَلَيْهَا الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، فَجَوَّزَتْ عَلَى أَحَادِيثِهِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي رَوَاهَا أَعْدَلُ الْأُمَّةِ وَأَصْدَقُهَا أَنْ تَكُونَ كَذِبًا، وَجَوَّزَتْ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ الْمَكْذُوبَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي تُوَافِقُ أَهْوَاءَهَا أَنْ تَكُونَ صِدْقًا فَاحْتَجَبَ بِهَا. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ خَبَرَ الْعُدُولِ الثِّقَاتِ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَمَلَ بِهِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبًا وَخَطَأً وَلَا يَنْصِبُ اللَّهُ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ يَقُولُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَلْ مَتَى وُجِدَتِ الشُّرُوطُ الْمُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ بِهِ وَجَبَ ثُبُوتُ مُخْبِرِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعَلَى هَذَا تَنَازَعُوا فِي كُفْرِ تَارِكِهِ لِكَوْنِهِ مِنَ الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي كُفْرِ جَاحِدِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ رَدَّ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ اعْتِقَادًا لِغَلَطِ النَّاقِلِ أَوْ كَذِبِهِ أَوْ لِاعْتِقَادِ الرَّادِّ أَنَّ الْمَعْصُومَ لَا يَقُولُ هَذَا، أَوْ لِاعْتِقَادِ نَسْخِهِ وَنَحْوِهِ، فَرَدَّهُ اجْتِهَادًا وَحِرْصًا عَلَى نَصْرِ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسُقُ فَقَدْ رَدَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْضَ أَخْبَارِ الْآحَادِ الصَّحِيحَةِ، كَمَا رَدَّ عُمَرُ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي إِسْقَاطِ [صفحة 191] نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَكَمَا رَدَّتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَصْلٌ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَثْرَمِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَبَرِ وَيَعْمَلُ بِهِ، فَهَذِهِ رِوَايَةٌ انْفَرَدَ بِهَا الْأَثْرَمُ، وَلَيْسَتْ فِي مَسَائِلِهِ، وَلَا فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا حَكَاهَا الْقَاضِي أَنَّهُ وَجَدَهَا فِي كِتَابِ مَعَانِي الْحَدِيثِ، وَالْأَثْرَمُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ بَلْ لَعَلَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ مِنْ وَاهِمٍ وُهِمَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ، فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ، بَلِ الْمَرْوِيُّ الصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ جَزَمَ عَلَى الشَّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ، وَالْخَبَرُ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَلَعَلَّ تَوَقُّفَهُ عَنِ الشَّهَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ، فَكَانَ يَجْزِمُ بِتَحْرِيمِ أَشْيَاءَ، وَيَتَوَقَّفُ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ تَحْرِيمٍ عَلَيْهَا، وَيَجْزِمُ بِتَحْرِيمِ أَشْيَاءَ وَيَتَوَقَّفُ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا تَوَرُّعًا، بَلْ يَقُولُ: أَكْرَهُ كَذَا وَأَسْتَحِبُّ كَذَا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَجْوِبَتِهِ. وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ: وَلَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنَّهُ فِي النَّارِ لِذَنْبٍ عَمِلَهُ وَلَا لِكَبِيرَةٍ أَتَاهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ فَنُصَدِّقَهُ وَنَعْلَمَ أَنَّهُ كَمَا جَاءَ وَلَا نَنُصَّ الشَّهَادَةَ، وَلَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ لِصَالِحٍ عَمِلَهُ وَلِخَيْرٍ أَتَاهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فَنَقْبَلَهُ كَمَا جَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ وَلَا نَنُصَّ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَا نَنُصُّ الشَّهَادَةَ، مَعْنَاهُ عِنْدِي وَلَا نَقْطَعَ عَلَى ذَلِكَ. [صفحة 192] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَفْظُ " نَنُصَّ " هُوَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ لَا نَشْهَدُ عَلَى الْمُعَيَّنِ، وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ: نَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا جَاءَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ، وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَشْهَدُ وَأَعْلَمُ وَاحِدٌ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمُوجَبِ خَبَرِ وَاحِدٍ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ يَقُولُونَ: أَخْبَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُفِيدُ الْعِلْمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3] . وَقَالَ تَعَالَى آمِرًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] قَالُوا: فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] فَالْكِتَابُ الْقُرْآنُ، وَالْحِكْمَةُ السُّنَّةُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» " فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِإِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَقَالُوا: فَلَوْ جَازَ عَلَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنْ تَكُونَ كَذِبًا لَمْ تَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَا كَانَتْ مِمَّا أَنْزَلَهُ [صفحة 193] اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَآتَاهُ إِيَّاهُ تَفْسِيرًا لِكِتَابِهِ وَتَبْيِينًا لَهُ، وَكَيْفَ تَقُومُ حُجَّتُهُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ تُجْرَى مَجْرَى تَفْسِيرِ الْكِتَابِ وَبَيَانِ الْمُرَادِ، فَهِيَ الَّتِي تُعَرِّفُنَا مُرَادَ اللَّهِ مِنْ كِتَابِهِ، فَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ كَذِبًا وَغَلَطًا لَبَطَلَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَلَقَالَ كُلُّ مَنِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِسُنَّةٍ تُبَيِّنُ الْقُرْآنَ وَتُفَسِّرُهُ: هَذَا فِي خَبَرِ وَاحِدٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَلَا تَقُومُ عَلَيَّ حُجَّةٌ بِمَا لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَهَذَا طَرْدُ هَذَا الْمَذْهَبِ الْفَاسِدِ، وَأَطْرَدُ النَّاسِ لَهُ أَبْعَدُهُمْ عَنِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. وَالَّذِي جَاءَ يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبَ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى الْخَيَالَاتِ الذِّهْنِيَّةِ وَالشُّبُهَاتِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَلَقَّوْهَا عَنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالتَّجَهُّمِ وَالِاعْتِزَالِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا بَرَاهِينُ عَقْلِيَّةٌ ونقل ابن القيم عن ابن حزم ((الدَّلِيلُ الْحَادِيَ عَشَرَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ لِإِفَادَةِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِلْمَ يَشْهَدُونَ شَهَادَةً جَازِمَةً قَاطِعَةً عَلَى أَئِمَّتِهِمْ بِمَذَاهِبِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا، وَلَوْ قِيلَ إِنَّهَا لَمْ تَصِحَّ عَنْهُمْ لَأَنْكَرُوا ذَلِكَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَهْلِ قَائِلِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الْمَذَاهِبَ لَمْ يَرْوِهَا عَنْهُمْ إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَنَحْوُهُمْ، وَلَمْ يَرْوِهَا عَنْهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ يَقِينًا. فَكَيْفَ يَحْصُلُ لَهُمُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ وَالْمُقَارِبُ لِلضَّرُورِيِّ بِأَنَّ أَئِمَّتَهُمْ وَمَنْ قَلَّدُوهُمْ دِينَهُمْ أَفْتَوْا بِكَذَا وَذَهَبُوا إِلَى كَذَا، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [صفحة 194] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِمَا رَوَاهُ عَنْهُمُ التَّابِعُونَ وَشَاعَ فِي الْأُمَّةِ وَذَاعَ، وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَتَنَوَّعَتْ، وَكَانَ حِرْصُهُ عَلَيْهِ أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِنْ حِرْصِ أُولَئِكَ عَلَى أَقْوَالِ مَتْبُوعِيهِمْ؟ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ الْعُجَابُ)) مما سبق يتبين أن أحاديث الآحاد تفيد العلم (أدلة عدم الكفر بالتأويل أو الجهل مع الإيمان المجمل و عدم الافتراء على الله نفيا أو إثباتا ) و اعني بهذا العنوان أن من تاول متبعا دليلا قاده الى عمل خاطيء او اعتقاد خاطئ وهو مع ذلك لا يريد إلا حكم الله في المسألة ولا يقول على الله كذبا ولا ينفي عنه شيئا بمجرد الظن دون برهان فهذا معذور ،كذلك من جهل شيئا من الشريعه لا يجب عليه علمه مع تسليمه و ايمانه الإيمان المجمل دون ان يفتري على الله كذبا باثبات شيء او نفيه عنه فهو معذور ايضا ويدل على عذر المسلم بالجهل في مسائل العقيدة جملة من الأدلة الشرعية ، وهي : الأول : النصوص الشرعية الدالة على إعذار المخطئ ، كقوله تعالى : ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )البقرة/ 286 . وقد قال الله تعالى : ( قَدْ فَعَلْتُ ) ، كما في "صحيح مسلم" (126). وقوله تعالى : (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الأحزاب/ 5 . [صفحة 195] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه (2043) ، وحسنه الألباني . فهذه النصوص تدل على أن كل من خالف ما كُلف به ، ناسياً أو جاهلاً فإنه معفو عنه ؛ فالمخطئ يشمل الجاهل ؛ لأن المخطئ هو كل من خالف الحق بلا قصد .طالما لم يقصر في طلب العلم و لم يفتر على الله كذبا بلا برهان كما سيأتي إن شاء الله . الثاني : النصوص الدالة على أن حجة الله على العباد لا تقوم إلا بعد العلم : كقوله تعالى : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) الإسراء /15. وقوله: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء/165 . وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) التوبة/115 ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان فطالما لم يعرض الشخص عن الحق و يهمل طلب العلم و بذل وسعه ثم تأول فأخطأ فلا إثم عليه قصة ذات أنواط . عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: " خَرَجَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ حُنَيْنٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ ، فَقُلْنَا : يَا نَبِيَّ اللهِ ، اجْعَلْ لَنَا هَذِهِ ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ ، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا . [صفحة 196] فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللهُ أَكْبَرُ ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى : (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً) إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ " رواه الترمذي (2180) وصححه ، ورواه الإمام أحمد (21900) واللفظ له ، وصححه الشيخ الألباني. فقد طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما هو شرك أكبر ، وهو أن يشرع لهم التعلق بالشجر كما كان يفعل المشركون ، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم قولهم مثل قول بني إسرائيل لموسى . قال محمد رشيد رضا : " إن الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما ذُكر ، كانوا حديثي عهد بالشرك ، فظنوا أن ما يجعله لهم النبي من ذلك يكون مشروعا ، لا ينافي الإسلام " قول الرسول صلى الله عليه و سلم ((إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ ‌فَلهُ ‌أجر)) يقول ابن حزم فَإِن بلغه(أي حكم الرسول صلى الله عليه و سلم ) وَصَحَّ عِنْده فَإِن خَالفه مُجْتَهدا فِيمَا لم يبين لَهُ وَجه الْحق فِي ذَلِك فَهُوَ مُخطئ مَعْذُور مأجور مرّة وَاحِدَة كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ ‌فَلهُ ‌أجر وكل مُعْتَقد أَو قَائِل أَو عَامل فَهُوَ حَاكم فِي ذَلِك الشَّيْء وَإِن خَالفه بِعَمَلِهِ معانداً للحق مُعْتَقدًا بِخِلَاف مَا عمل بِهِ فَهُوَ مُؤمن فَاسق وَإِن خَالفه معانداً بقوله أَو قلبه فَهُوَ كَافِر مُشْرك سَوَاء [صفحة 197] ذَلِك فِي المعتقدات والفتيا للنصوص الَّتِي أوردنا وَهُوَ قَول إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَغَيره وَبِه نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق)) وهذا معنى الحاكم في اللغة فكل من أثبت أمرا لشيء أو نفاه عنه فقد حكم على هذا الشيئ فمن قال الوضوء واجب فقد أثبت أن الوضوء واجب و من قال إن الله يُرى في الاخره فقد حكم في هذه المسألة بهذا الحكم (تنبيه هام جدا جدا جدا ) هذا و قد استدل البعض بالأـدلة السابقة على أن الحجة لا تقام على أحد حتى يبلغه العلم و إن قال ما قال أو اعتقد ما اعتقد أو فرط ما فرط في طلب العلم طالما الحجة لم تبلغه وهذا القول أراه خطأ لعدة أمور أولا أن الشخص المفرط في طلب العلم لا يسمى مخطئا حتى تنطبق عليه الايات السابقة و الأحاديث فلو ربط أحدهم عينيه وقاد سيارته بأقصى سرعة فقتل من قتل أيسمى هذا مخطئا ؟؟ كذلك هذا يسمى معرضا عن طلب الحق و لا يسمى هذا مجتهدا أصلا ليدخل تحت الحديث إذا اجتهد الحاكم . كذلك لا يخلو كون الجاهل أحد رجلين بعد إيمانه المجمل بالله و برسوله الأول رجل سئل عن مسألة في الدين فقال لا أعلم أنا مؤمن بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا معذور لأنه لم يفتر على الله كذبا و لم يرتكب شركا و لم ينسب لله ما لم يثبته لنفسه أو ينفي عنه ما أثبته لنفسه وعلى هذا تجد معظم الأحاديث المستدل بها في هذه المسألة محموله على هذا فذات أنواط هم لم يرتكبوا الشرك بل سألوا تشريع صوره من صوره في شرعنا من [صفحة 198] رسول المشرع نفسه و صور الشرك ليست هي مسألة عقلية حتى تعرف بالعقل في صور كثيرة فالسجود لم يكن صورة من صور الشرك في شرع من قبلنا و أصبح كذلك فالحاصل أنهم طلبوا تشريع حكم فلم يفتروا على الله كذبا باتخاذهم هذه الشجرة و لا نسبوا ذلك التشريع إلى الله تعالى فلم يحصل منهم شركا أصلا . كذلك حديث الذي ذر نفسه لم يقل هو أن الله غير قادر على بعثي بل قال (لئن قدر) و الرواية الأخرى (لعلي أضل الله ) و فيها حملد بن سلمة وقد اختلط .كلتا الروايتين يدلان على جهل الرجل هذه الصفة الإلاهية وليس فيهما أي دلاله على إثباته عكسها و افترائه الكذب بذلك .كذلك قول عائشة : مهما يكتم الناس يعلمه الله ؟ وقول عمران بن حصين : أعلم أهل الجنة من أهل النار ؟ و قول عائشة أليس الله يقول (فسوف يحاسب حسابا يسيرا ؟وغيرها مما سيأتي إن شاء الله ليس فيها إلا أنهم امنوا الإيمان المجمل وجهلوا جزئيات فسألوا عنها ولم يفتروا على الله الكذب ولم ينسبوا إليه ما لم ينسبه لنفسه إلا ما تأولوا إثباته من أدلة أخرى أو باستصحاب أصل الحل فقصة معاذ مثلا كان مشهورا التحية بالسجود للملوك والرؤساء كما كان ذلك مشروعا في شرع من قبلنا فاستصحب معاذ هذا الأصل من الأمور العادية في المعاملات فعامل به النبي صلى الله عليه وسلم فكان له وجه تأويل هنا عذر بسببه . والرجل الثاني رجل جهل حكم الله في المسألة فلم يطلبها على وجهها وبدأ في القول على الله بلا علم فهذا لا يسمى مخطئا إذ [صفحة 199] جمع إلى جهله هنا شيئا اخر فعله متعمدا وهو القول على الله بلا علم و بلا برهان فوقع في الشرك بسبب ذلك و القائل على الله بلا علم هذا ليس مخطئا قطعا بل هو خاطئ فلا يدخل تحت الايات السابقة لكن من جهل شيئا و بذل وسعه وقال على الله شيئا غيرصحيح فأخطأ متأولا فهذا معذور طالما كان يؤمن الإيمان المجمل بالله و رسوله وهذا الفرق بين هذه الأصناف الثلاثة و الله أعلم وسيأتي إن شاء الله في مبحث كيف تقام الحجة بيان لماذا الجاهل المعرض القائل على الله بلا علم غير معذور. ( ومن أدلة العذر بالتأويل ) قول الصحابه بطل عمل عامر وهذا في الحديث «صحيح البخاري» (5/ 131): ((فَلَمَّا تَصَافَّ القَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ قَصِيرًا، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ، فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَةِ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، قَالَ: «مَا لَكَ» قُلْتُ لَهُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ - وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ - إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ»، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ قَالَ: «نَشَأَ بِهَا» ‌‌_________ [صفحة 200] (ذباب سيفه) حده. (حبط علمه) أي ‌بطل ‌عمل عامر لأنه قتل نفسه بسيفه. (لجاهد) يجهد نفسه بالطاعة. (مجاهد) في سبيل الله تعالى. (بها) بهذه الخصلة الحميدة وهي الجهاد مع الجهد. (نشأ) شب وكبر]. ففي هذا الحديث حكم الصحابة بحبوط عمل عامر تأولا وهذا أمر اعتقادي فلم يكفرهم النبي صلى الله عليه وسلم ولعله لاحتمال أخذ ذلك من عمومات مثل (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه خالدا مخلدا فيها أبدا ) فأخذوا من ذلك تكفير قاتل نفسه و حبوط عمله تأولا و أنزلوا هذا الحكم على عامر وقولهم هلكنا و رب الكعبة النفاق النفاق في الحديث قال الإمام أبو يعلى رحمه الله (ج 6 ص 58): حدثنا عبد الواحد حدثنا غسان بن برزين يعني الطهوي حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: غدا أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم فقالوا: يا رسول الله هلكنا ورب الكعبة فقال: «وما ذاك؟ » قالوا: ‌النفاق ‌النفاق قال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله؟ » قالوا: بلى قال: «ليس ذاك النفاق» قال: ثم عادوا الثانية فقالوا: يا رسول الله هلكنا ورب الكعبة قال: «وما ذاك؟ » قالوا: ‌النفاق ‌النفاق قال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ » [ص: 81] قالوا: بلى قال: «ليس ذاك النفاق» قال: ثم عادوا الثالثة فقالوا: يا رسول الله هلكنا ورب الكعبة [صفحة 201] قال: «وما ذاك؟ » قالوا: ‌النفاق ‌النفاق قال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ » قالوا: بلى قال: «ليس ذاك النفاق» قالوا: إنا إذا كنا عندك كنا على حال وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا قال: «لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على الحال الذي تكونون عليه لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة». هذا حديث حسنٌ. فهنا ظن الصحابة كفر أنفسهم ووقوعهم في النفاق الأكبر بدليل رده عليه السلام عليهم أنه ليس ذلك نفاقا طالما يشهدون ألا إله إلا الله وليس هذا سائغ إن كانوا يقصدون النفاق الأصغر إذ أنه يجوز كونه مع الشهادتين ولعل هؤلاء الصحابة أخذوا ذلك من المعنى الشائع اللغوي للنفاق من كون الرجل يبدي شيئا على خلاف الباطن فظنوا هذا نفاقا بمعناه الشرعي المخرج من الملة المسبب للهلاك فعذرهم صلى الله عليه و سلم بتأويلهم هذا و إنزال المعنى اللغوي على المعنى الشرعي وفي هذا الحديث عذر من كفر شخصا متأولا ، وقد كفر عمر حاطب متأولا و كفر أسيد بن حضير سعد بن عبادة بقوله (إنك منافق تجادل عن المنافقين ) و كذلك كفر أسامه بن زيد من قتله ظنا منه أنه لا تنفعه الشهادتان طالما قالها تحت السيف والحديث في البخاري و هنا تأول أسامة عدم نفع الشهادتين بمجردهما في عصمة النفس و المال و الحكم بالإسلام إذا كانتا تحت السلاح وهذا أمر اعتقادي و لم يكفر الرسول صلى الله عليه و سلم أسامة بتأويله هذا و [صفحة 202] لم يكفرة بحكمه على هذا المتشهد باستصحاب حكم الكفر عليه وهذا دليل على عدم الإكفار بالتأويل. وقول موسى للخضر( لقد جئت شيءا نكرا) (إمرا ) فهنا تأول موسى أنه لا يجوز قتل الغلام هذا لأنه لم يقتل أحدا و حكم على فعل الخضر بكونه منكرا عظيما وهو في حقيقة الأمر طاعة لله فحدث من موسى تحريم المستحب أو الواجب متأولا لأن الأصل المتقرر عنده عدم جواز قتل النفس بغير نفس و لم يكفره الله ولا الخضر بل عذراه و هو النبي فكيف بمن هو دون هؤلاء في العلم و الفهم . وجاء في صحيح البخاري حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ قِيلَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: «‌كُلٌّ ‌مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» وهذا الحديث فيه دلاله ظاهره على جهل عمران بصفة العلم لله بما سيكون لأن سؤاله كان بصيغة ما لم يسم فاعله فشمل كون العلم من أي احد كان و الأصل في الاستفهام طلب العلم وهنا لم يكفره رسول الله صلى الله عليه و سلم لعدم علمه بهاتين المسألتين الخطيرتين أولهم علم الله بما سيكون من أفعال العباد و مصيرهم وثانيهما مسألة القدر السابق التي هي من أصول الإيمان لكن لما كان عمران مؤمنا الإيمان [صفحة 203] المجمل بما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم وجهل بعض التفاصيل فعذره بذلك و لم يكفره ولا يقول قائل هنا إنما قصد عمران هنا أن يسأل هل علمهم الرسول صلى الله عليه و سلم أم لا لأن الظاهر أن النبي صلى الله عليه و سلم لا يعلمهم فكيف يجيب بنعم بدليل حديث الذين يبعدون عن حوضه فيقول أصحابي فيقال له إنك لا تدري ماأحدثوا بعدك فظاهر هذا كونه لا يعرف أهل الجنة من أهل النار . وقول الصحابة لسعد بن أبي وقاص ما نراك إلا قد كفرت، قال الإمام النسائي رحمه الله (ج 7 ص 7): أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نَذْكُرُ بَعْضَ الْأَمْرِ وَأَنَا حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَقَالَ لِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِئْسَ مَا قُلْتَ ائْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ فَإِنَّا لَا نَرَاكَ إِلَّا ‌قَدْ ‌كَفَرْتَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لِي «قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ [ص: 318] لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا تَعُدْ لَهُ» فهنا تأول الصحابة كون سعد كافر مخلد في التار بكلمته التي قال وكل هذا تأويل في العقيدة أولا كون الحلف بغير الله كفر كذلك اعتقاد ما يترتب على هذا الكفر من تخليد صاحبه في النار وكل هذا من أمور [صفحة 204] الاعتقاد ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم كفر أصحابه بذلك وقد نقل سعد ذلك عنهم بصيغة الجمع المضاف التي تفيد العموم . كذلك حديث الذي ذر نفسه ((قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونقول لمن كفر إنْسَانا بِنَفس مقَالَته دون أَن تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة فيعاند رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويجد فِي نَفسه الْحَرج مِمَّا أَتَى بِهِ أخبرنَا هَل ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا من الْإِسْلَام الَّذِي يكفر من لم يقل بِهِ إِلَّا وَقد بَينه ودعا إِلَيْهِ النَّاس كَافَّة فَلَا بُد من نعم وَمن أنكر هَذَا كَافِر بِلَا خلاف فَإِذا أقرّ بذلك سُئِلَ هَل جَاءَ قطّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لم يقبل إِيمَان أهل قَرْيَة أوأهل محلّة أَو إِنْسَان أَتَاهُ من حر أَو عبدا لَو امْرَأَة إِلَّا حَتَّى يقر إِن الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل أَو مَعَ الْفِعْل أَو أَن الْقُرْآن(غير) مَخْلُوق أَو أَن الله تَعَالَى يرى أَو لَا يرى أَو أَن لَهُ سمعا أَو بصرا أَو حَيَاة أَو غير ذَلِك من فضول الْمُتَكَلِّمين الَّتِي أوقعهَا الشَّيْطَان بَينهم ليوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء فَإِن ادّعى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يدع أحدا يسلم إِلَّا حَتَّى يوقفه على هَذِه الْمعَانِي كَانَ قد كذب بِإِجْمَاع الْمُسلمين من أهل الأَرْض وَقَالَ مَا يدْرِي أَنه فِيهِ كَاذِب وَادّعى أَن جَمِيع الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم تواطؤا على كتمان ذَلِك من فعله عَلَيْهِ السَّلَام وَهَذَا الْمحَال مُمْتَنع فِي الطبيعة ثمَّ فِيهِ نِسْبَة الْكفْر إِلَيْهِم إِذْ كتموا مَا لَا يتم إِسْلَام أحد إِلَّا بِهِ وَإِن قَالُوا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يدع قطّ أحد إِلَى شَيْء من هَذَا وَلكنه مُودع فِي الْقُرْآن وَفِي كَلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل لَهُ صدقت وَقد صَحَّ بِهَذَا أَنه لَو كَانَ جهل شَيْء من هَذَا كُله كفرا [صفحة 205] لما ضيع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيَان ذَلِك للحره وَالْعَبْد وَالْحر وَالْأمة وَمن جوز هَذَا فقد قَالَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يبلغ كَمَا أَمر وَهَذَا كفر مُجَرّد مِمَّن أجَازه فصح ضَرُورَة أَن الْجَهْل بِكُل ذَلِك لَا يضر شَيْئا وَإِنَّمَا يلْزم الْكَلَام مِنْهَا إِذا خَاضَ فِيهَا النَّاس فَيلْزم حِينَئِذٍ بَيَان الْحق من الْقُرْآن وَالسّنة لقَوْل الله عز وَجل {كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} وَلقَوْل الله عز جلّ {لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه} فَمن عِنْد حِينَئِذٍ بعد بَيَان الْحق فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ لم يحكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا سلم لما قضى بِهِ وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن رجلا لم يعْمل خيرا قطّ فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت قَالَ لأَهله إِذا مت فأحرقوني ثمَّ ذَروا رمادي فِي يَوْم رَاح نصفه فِي الْبَحْر وَنصفه فِي الْبر فوَاللَّه لَئِن قدر الله تَعَالَى عَليّ ليعذبني عذَابا لم يعذبه أحدا من خلقه وَأَن الله عز جلّ جمع رماده فأحياه وَسَأَلَهُ مَا حملك على ذَلِك قَالَ خوفك يَا رب وَأَن الله تَعَالَى غفر لَهُ لهَذَا القَوْل قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا إِنْسَان جهل إِلَى أَن مَاتَ أَن الله عز وَجل يقدر على جمع رماده وإحيائه وَقد غفر لَهُ لإِقْرَاره وخوفه وجهله وَقد قَالَ بعض من يحرف الْكَلم عَن موَاضعه أَن معنى لَئِن قدر الله عَليّ إِنَّمَا هُوَ لَئِن ضيق الله عَليّ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَأما إِذا مَا ابتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه}قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل لَا يُمكن لِأَنَّهُ كَانَ يكون مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ لَئِن ضيق الله عَليّ ليضيقن عَليّ وَأَيْضًا فَلَو كَانَ هَذَا لما كَانَ لأَمره بِأَن يحرق [صفحة 206] ويذر رماده معنى وَلَا شكّ فِي أَنه إِنَّمَا أمره بذلك ليفلت من عَذَاب الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأبين من شَيْء فِي هَذَا قَول الله تَعَالَى {إِذْ قَالَ الحواريون يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء} إِلَى قَوْله {ونعلم إِن قد صدقتنا} فَهَؤُلَاءِ الحواريون الَّذين أثنى الله عز وَجل عَلَيْهِم قد قَالُوا بِالْجَهْلِ لعيسى عَلَيْهِ السَّلَام هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء وَلم يبطل بذلك إِيمَانهم وَهَذَا مَا لَا مخلص مِنْهُ وَإِنَّمَا كَانُوا يكفرون لَو قَالُوا ذَلِك بعد قيام الْحجَّة وتبيينهم لَهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبرهان ضَرُورِيّ لَا خلاف فِيهِ وَهُوَ أَن الْأمة مجمعة كلهَا بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم وَهُوَ أَن كل من بدل آيَة من الْقُرْآن عَامِدًا وَهُوَ يدْرِي أَنَّهَا فِي الْمَصَاحِف بِخِلَاف ذَلِك وَأسْقط كلمة عمدا كَذَلِك أَو زَاد فِيهَا كلمة عَامِدًا فَإِنَّهُ كَافِر بِإِجْمَاع الْأمة كلهَا ثمَّ أَن الْمَرْء يُخطئ فِي التِّلَاوَة فيزيد كلمة وَينْقص أُخْرَى ويبدل كَلَامه جَاهِلا مُقَدرا أَنه مُصِيب ويكابر فِي ذَلِك ويناظر قبل أَن يتَبَيَّن لَهُ الْحق وَلَا يكون بذلك عِنْد أحد من الْأمة كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا وَلَا آثِما فَإِذا وقف على الْمَصَاحِف أَو أخبرهُ بذلك من الْقُرَّاء من تقوم الْحجَّة بِخَبَرِهِ فَإِن تَمَادى على خطاه فَهُوَ عِنْد الْأمة كلهَا كَافِر بذلك لَا محَالة وَهَذَا هُوَ الحكم الْجَارِي فِي جَمِيع الدّيانَة)). وقد يقول البعض أن ليس في الحديث(حديث الذي ذر نفسه ) إلا الكفر و قد يمكن أن يكون الكفر مغفورا لأن الذي علمنا أنه لا يغفر [صفحة 207] هو الشرك وليس الكفر و جواب ذلك ((فكيف يمكن أن نتلقى هذا الحديث بالقبول، وظاهره يخالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنه منصوص هذا المعلوم في القرآن الكريم حين قال رب العالمين: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] فهذه الآية صريحة الدلالة، أي: بتعبير علماء الأصول هي قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ودلالتها أن الله عز وجل يمكن أن يغفر أي ذنب مهما كان عظيماً، إلا الشرك بالله تبارك وتعالى فإن الله لا يغفره {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] ؟ قد يقول قائل كتوفيق بين هذا النص القرآني القطعي الثبوت والدلالة: التوفيق بينه وبين هذا الحديث من ناحيتين: الناحية الأولى: إن الآية قالت: إن الله لا يغفر الشرك، والكفر غير الشرك. وبمعنى آخر: إن ما جاء في هذا الحديث ليس فيه شرك، وإنما هو الكفر؛ لأن هذا الإنسان مؤمن بالله عز وجل، وإيمانه بالله حمله على هذه الوصية الجائرة؛ لأنه شعر بأنه يستحق هذا العذاب، فخلاصاً من عذاب الله عز وجل له أوصى بها، فهو يخاف الله وليس يؤمن به فقط، بل ويخاف الله، فكان من أثر خوفه من الله أن أوصى بهذه الوصية. فإذاً: هو مؤمن بالله ولم يشرك مع الله أحداً، فالتوفيق بين الحديث وبين الآية بأن تبقى الآية على ظاهرها: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] ، أما الكفر الذي ليس شركاً فيمكن أن يقال: إن الله يغفره، والدليل على ذلك هذا الحديث. [صفحة 208] قد يقول قائل هذا، ويبدو لأول وهلة بأن هذا التوفيق مقبول ومعقول، لكن الأمر ليس كذلك؛ لأن هناك حقيقة شرعية يجب أن نكون على علم بها: أولاً: لأنه شرع يجب أن يفهم على وجهه وعلى حقيقته. ثانياً: لأن هذا الفهم يساعدنا على التوفيق بين كثيرٍ من النصوص التي يبدو بينها تعارض وتضارب، ما هي هذه الحقيقة الشرعية؟ هي: أن كل كفر شرك، ومعلوم لدى جميع الناس على الأقل الفقهاء أو طلاب العلم أن كل شرك كفر، لكن العكس ليس معلوماً عندهم، المعلوم عندهم أن كل شرك كفر، لكن أن كل كفر شرك فهذا غير معلوم عند جماهير الناس، مع أن هذا حق مثلما أنكم تنطقون، أي: كل كفر شرك كما أن كل شرك كفر، لا فرق بينهما إطلاقاً. ومن الأدلة على ذلك: المحاورة التي ذكرها الله عز وجل في سورة الكهف بين المؤمن والمشرك، قال الله عز وجل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ} [الكهف:32-34] قال صاحب الجنتين وهو كافر مشرك كما ستسمعون لصاحبه المؤمن: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف:34-36] هذا بالتعبير العام أو بالعرف العام أشرك أم كفر؟ هذا كفر؛ لأنه أنكر البعث والنشور: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ [صفحة 209] رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} [الكهف:35-37] صاحبه المؤمن: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} [الكهف:38] ختم موعظته ومحاورته لصحابه بأنه لا يشرك كشركه: {وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} [الكهف:38] ففي هذا بيان أن الرجل صاحب الجنتين -أي: البستانين- حينما شك في البعث والنشور أشرك بالله عز وجل، لذلك قال له صاحبه المؤمن: أنت كفرت وأشركت، أما أنا فلا أشرك بربي أحداً، وتمام القصة -أيضاً- تؤكد هذا؛ لأن في نهاية الآيات: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} [الكهف:42] ما الذي أشرك؟ الظاهر أنه أنكر البعث والنشور، فأين الشرك؟ هنا النكتة، الشرك أن كل كافر بأي سبب كان كفره فقد اتخذ إلهه هواه، فمن هنا جاء الشرك بالنسبة لكل نوع كفر به صاحبه، من هنا قلنا: إن هناك حقيقة شرعية وهي: أن كل كفر فهو شرك، وهذا في السياق الذي ذكرناه لكم أكبر دليل على ذلك. وعلى هذا فلا يصح التوفيق بين الآية السابقة الذكر: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] وبين هذا الحديث على الوجه الذي حكيناه آنفاً؛ ذلك لأن معنى الآية بعد هذا الشرح هو: إن الله لا يغفر أن يكفر به، أي: سواء كان الكفر شركاً لغةً أو لم يكن، فالله عز وجل لا يغفر الكفر مطلقاً؛ سواء كان شركاً أو ليس بشرك، وهذا البيان [صفحة 210] -كما قلت لكم- يفتح لنا حل مشاكل كثيرة، فإذا ما عرفنا أن الشرك في لغة الشرع هو الكفر والكفر هو الشرك؛ فحينئذٍ تعود الآية دلالة صريحة على أن الله عز وجل لا يغفر الشرك بكل أنواعه، اللهم إلا إذا كان شركاً عملياً(أصغر ) وليس شركاً قلبياً)) فكل الأحاديث التي استدللنا بها على جواز عذر من فعل كفرا متأولا يستدل بها فيمن فعل شركا متأولا طالما لم يقصر في طلبه للعلم .كذلك قول الله تعالى (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) أي يساوون به غيره و هذا شرك فقد اتخذ إلاهه هواه حديث الخيط الابيض و الاسود وهو ما جاء في «صحيح البخاري» (6/ 26): حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِي ‌عِقَالَيْنِ، قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ» وهنا فسر عدي بن حاتم الاية تفسيرا خاطئا و ظن أن الله شرع هذا الحكم بهذه الكيفية و هو ابتداء الصوم بتبين لوني العقالين الأبيض و الأسود وهذا ؟أمر اعتقادي و نسبة إلى الله ما لم يرده قطعا و مع ذلك لم يكفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بل عذره باتباعه ظاهر اللفظ في اللغة و يجري على هذه المسألة كل مسائل الخطأ في تأويل القران إذ [صفحة 211] كل مفسر لايه هو ناسب إلى الله صفة فعلية وهي أنه يريد كذا و كذا من هذه الاية، و نافي هذا التفسير الذي يتبنى غيره هو ناف لهذه الصفة عن الله مثبتا له غيرها و أحدهما مخطئ ولا بد إن كان لا يمكن الجمع بينهما ويلزم المكفرين بالتأويل تكفير معظم المفسرين على هذا القول و الله أعلم . فإن قيل لم تستدل بحكم عملي عن الصيام في مسألة العذر بالتأويل قنقول ما قلناه من قبل إن القول بحكم عملي على تقسيمكم يستلزم عده أمور اعتقادية وهي أن الله أراد هذا الحكم و تكلم بقوله (كن ) وهذا إثبات صفة فعليه مخصوصة ثم إن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ ثم أن الله أرسل جبريل بذلك للنبي صلى الله عليه و سلم ثم أن الله سيعاقب أو سيثيب من فعل هذا الشيئ وكل ذلك أمور اعتقادية لا انفكاك لهم منها و هي جارية في كل المسائل المتعلقة بالأعمال التي سنستدل بها – ومن الأدلة قَوْلَ عَمَّارٍ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا ‌تَتَمَرَّغُ ‌الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ؟»ليه ة سلم وفيه عذره صلى الله عليه سلم لعمار في تفسيره لاية التيمم ولا شك أن في تفسيره هذا نسبة هذا الحكم إلى الله في تفسيرة لاية التيمم – قول عمر عن حاطب قد كفر: [صفحة 212] قال الإمام البزار رحمه الله كما في"كشف الأستار" (ج 3 ص 255): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قال: ثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، قال: ثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قال: ثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: سمعت عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى مَكَّةَ فَأَطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ، فَبَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ فِي أَثَرِ الْكِتَابِ، فَأَدْرَكَا امْرَأَةً عَلَى بَعِيرٍ، فَاسْتَخْرَجَاه مِنْ قَرْنٍ مِنْ قُرُونِهَا، ومَا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَأَرْسَلَ إِلَى حَاطِبٍ فَقَالَ: «يَا حَاطِبُ، أَنْتَ كَتَبْتَ هَذَا الْكِتَابَ؟ » قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ » قَالَ: أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ كُنْتُ غَرِيبًا فِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَهْلِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخِفْتُ عَلَيْهِمْ، فَكَتَبْتُ كِتَابًا ‌لَا ‌يَضُرُّ اللهَ وَرَسُولَهُ شَيْئًا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لأَهْلِي، فَقَالَ [ص: 76] عُمَرُ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَكِّنِّي مِنْ حَاطِبٍ فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». قال البزار: قد وردت قِصَّة حَاطِبٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث حسنٌ. وفي الحديث عذر عمر بالتأويل لما كفر حاطب متأولا [صفحة 213] -ومن الأدلة قتل خالد لبني جذيمه وظنه بقاءهم على الكفر –جاء الحديث حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، ح وحَدَّثَنِي نُعَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: ‌صَبَأْنَا ‌صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ» [ ش (بني جذيمة) قبيلة من قبائل العرب. (صبأنا) خرجنا من دين إلى دين وقصدوا الدخول في الإسلام ولكن خالدا رضي الله عنه ظن أنهم لم ينقادوا ولهذا لم يقولوا أسلمنا. (أبرأ إليك) أعتذر. (مما صنع خالد) من قتل وأسر لهؤلاء]فهنا كفر خالد من لا يستحق التكفير متأولا . [6766] قتل خالد للذين اعتصموا بالسجود من خثعم وعدم اكتفاؤه بشعار الإسلام للحكم عليهم به وهو حديث عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً إلَى خَثْعَمَ [صفحة 214] ‌فَاعْتَصَمَ ‌نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَتَرَاءَى نَارُهُمَا»فهنا ظن الصحابة بقاء هؤلاء على الكفر متأولين فوداهم النبي صلى الله عليه و سلم ولم يكفر من قتلوهم ومنه حديث (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)جاء في «صحيح البخاري» (5/ 112): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا ‌فِي ‌بَنِي ‌قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ –اختلاف الصحابة في مسألة اعتقاديه وهي رؤية النبي صلى الله عليه و سلم لله ذهب أغلب الصحابة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير الله عز وجل بعينه ليلة المعراج فقد ثبت عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ وَهُوَ يَقُولُ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ... )رواه البخاري( التوحيد/6832) [صفحة 215] وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ نُورٌ أَنَّى أراه رواه مسلم ( الإيمان/261) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى قَالَ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ رواه مسلم (الإيمان/258) ، –هذا وقد سأل أحد الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم كيف يرفع العلم و هذا كتاب الله بيننا؟ فلم يكفره – و ظنت عائشة متأولة أن المؤمن الناجي من النار سيحاسب يوم القيامة وهذا أمر اعتقادي فلم يكفرها وبين لها أن أعماله ستعرض عليه فقط و الحديث في البخاري وظنت حفصة أن من بايع تحت الشجرة سيدخلون النار متأولة قوله تعالى و إن منكم إلا واردها و هذا أمر اعتقادي فلم يكفرها و الحديث في مسند أحمد وهو صحيح– وتأولت امرأة جواز ترك الصلاة للمستحاضة و ترك الصلاة عند جمهور الصحابة كفر لظنها أن الاستحاضة حيض في حديث قال أبو داود رحمه الله (ج 1 ص 488): حدثنا وهب بن بقية أخبرنا خالد عن سهيل يعني ابن أبي صالح عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أسماء بنت عميس قالت: قلت يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «سبحان الله إن ‌هذا ‌من [صفحة 216] ‌الشيطان لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا وتتوضأ فيما بين ذلك». هذا حديث حسنٌ على شرط مسلم حاضت حيضة منعتها الصوم و الصلاة – هذا وقد سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم كل ما يكتم الناس يعلمه الله؟ فلم يكفرها وهو في صحيح مسلم – و تأول رجل أنه يسقط الحد حد الزنى عن ابنه البكر إذا أعطى فدية مئة من الغنم ووليدة (أمة ) فلم يكفره و الحديث في البخاري - وجهل رجل حرمة الخمر و جاء بها هدية إلى رسول الله وفي هذا استحلال محرم فلم يكفره و الحديث في مسلم ، وقد جهل أبو هريرة من هو اسعد الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فبين له أنه من قال لا إله إلى الله مخلصا من قلبه و لم يكفره - وجهل الصحابة أنهم يؤجرون بجماعهم و سألوا أيأتي احدنا شهوته و يكون له اجر؟ والحدبث ثابت في الصحيح – و جهلت عائشة أن الكافر يحبط عمله كله و ظنت أنه قد يستفيد ببعض أعماله الصالحة في الاخرة و سألت عن ابن جدعان وقالت أنه كان يقري الضيف و يصل الرحم فهل ذلك نافعه فبين لها أن لا ولم يكفرها والحديث ثابث في الصحيح وهذه مسألة اعتقادية – و جهل العباس أن أبا طالب سيخفف عنه بحمايته للنبي صلى الله عليه وسلم و هذا أمر اعتقادي ولم يكفره – و قد جاء قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 3 ص 478): حدثنا ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند [صفحة 217] عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال قلنا يا رسول الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا قال «لا» قال قلنا فإنها كانت وأدت أختًا لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا قال «‌الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك ‌الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها». هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح فجهل هؤلاء حكم الكافر في الاخرة و هو أمر اعتقادي و لم يكفرهم. – و جهل رجل حكم أبيه الكافر الذي مات في الجاهلية وسأل النبي صلى الله عليه و سلم عنه اين ابي ؟ فلم يكفره بل قال له أنه في النار و هذا أمر اعتقادي و الحديث في صحيح مسلم . و جهل رجل ما هية الجهاد عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، ‌أَيُّ ‌ذَلِكَ ‌فِي ‌سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» و هذا أمر اعتقادي ولم يكفره - و جهلت امرأة أن عليها الغسل إذا احتلمت ولم يكفرها و الحديث في البخاري – وقد جهل الصحابة أن عليهم القسمة للغنيمة أولا قبل ذبحها فذبحوا الغنم قبل ان تقسم و لم يكفرهم و الحديث في البخاري – وجهل الصحابة أين يكون الناس اذا بدلت الارض غير الأرض و السموات فبين لهم أنهم في الظلمة دون الجسر وهذا أمر اعتقادي ولم يكفرهم و قدتأول مجموعة [صفحة 218] من الصحابة في شأن المنافقين فلم يكفر الله الطائفة المتأولة في قوله تعالى ((فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88). جاء في ((«التحرير والتنوير» (5/ 149): وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّعْجِيبِ وَاللَّوْمِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْمُنافِقِينَ لِلْعَهْدِ، وفِئَتَيْنِ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِاللَّامِ فَهِيَ قَيْدٌ لِعَامِلِهِ، الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخُ، فَعُلِمَ أَنَّ مَحَلَّ التَّوْبِيخِ هُوَ الِانْقِسَامُ: فِي الْمُنافِقِينَ مُتَعَلِّقٌ بِفِئَتَيْنِ لِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنَى «مُنْقَسِمِينَ» ، وَمَعْنَاهُ: فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِ الْمُنَافِقِينَ. وَالْفِئَةُ: الطَّائِفَةُ. وَزْنُهَا فِلَةٌ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفَيْءِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، لِأَنَّهُمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بعض فِي شؤونهم. وَأَصْلُهَا فَيْءٌ، فَحَذَفُوا الْيَاءَ مِنْ وَسَطِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَعَوَّضُوا عَنْهَا الْهَاءَ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الِانْقِسَامَ إِلَى فِئَتَيْنِ مَا هُوَ إِلَّا انْقِسَامٌ فِي حَالَةٍ مِنْ حَالَتَيْنِ، وَالْمَقَامُ لِلْكَلَامِ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، أَيْ فَمَا لَكُمْ بَيْنَ مُكَفِّرٍ لَهُمْ وَمُبَرِّرٍ، وَفِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ أَوِ الْكُفْرِ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي المنخزلين يَوْمَ أُحُدٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَتْبَاعِهِ، اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي وَصْفِهِمْ بِالْإِيمَانِ أَوِ الْكُفْرِ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِمْ تِلْكَ. وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: رَجَعَ نَاسٌ من أَصْحَاب النَّبِي مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا، فَنَزَلَتْ «فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ» ، وَقَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا [صفحة 219] تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ» أَيْ وَلَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَرْيًا عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِمْ مِنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ. فَتَكُونُ الْآيَةُ لِبَيَانِ أَنَّهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي أَمْرِهِمْ،وَعَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ، وَهَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنُوا فِي الرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ، لِيَأْتُوا بِبِضَاعَةٍ يَتَّجِرُونَ فِيهَا، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُؤْمِنِينَ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي شَأْنِهِمْ: أَهُمْ مُشْرِكُونَ أَمْ مُسْلِمُونَ. وَيُبَيِّنُهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُبْطِنُونَ الشِّرْكَ وَيُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ لِلْمُسْلِمِينَ، لِيَكُونُوا فِي أَمْنٍ مِنْ تَعَرُّضِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ بِحَرْبٍ فِي خُرُوجِهِمْ فِي تِجَارَاتٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ فِي تِجَارَةٍ، فَقَالَ فَرِيقٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: نَرْكَبُ إِلَيْهِمْ فَنُقَاتِلُهُمْ، وَقَالَ فَرِيقٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهُمْ وَقَدْ نَطَقُوا بِالْإِسْلَامِ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُغَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ ،وَعَنِ الضَّحَّاكِ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا، وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ [النِّسَاء: 97] الْآيَةَ. وَأَحْسَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفِرَقَ كُلَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ، فَكَانُوا مَثَلًا لِعُمُومِهَا وَهِيَ عَامَّةٌ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ كُلِّ مَنْ عُرِفَ بِالنِّفَاقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ......،وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ فَاتَ وَقْتُ قِتَالِهِمْ، لِقَصْدِ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَقْتَ خُرُوجِهِمْ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ إِلَى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ. [صفحة 220] وَعَلَى جَمِيعِ الِاحْتِمَالَاتِ فَمَوْقِعُ الْمَلَامِ هُوَ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ لِضَعْفِ دَلِيلِ الْمُخْطِئِينَ لِأَنَّ دَلَائِلَ كُفْرِ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ كَانَتْ تَرْجُحُ عَلَى دَلِيلِ إِسْلَامِهِمُ الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، مَعَ التَّجَرُّدِ عَنْ إِظْهَارِ مُوَالَاةِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا اسْتَنَدَ إِلَى دَلِيلٍ ضَعِيفٍ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ الْعَالِمُ لَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الْمَلَامِ- فِي الدُّنْيَا- عَلَى أَنْ أَخْطَأَ فِيمَا لَا يخطىء أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِثْلِهِ. وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا حَالِيَّةٌ، أَيْ إِنْ كُنْتُمُ اخْتَلَفْتُمْ فِيهِمْ فَاللَّهُ قَدْ رَدَّهُمْ إِلَى حَالِهِمُ السُّوأَى، لِأَنَّ مَعْنَى أَرْكَسَ رَدَّ إِلَى الرِّكْسِ، وَالرِّكْسُ قَرِيبٌ مِنَ الرِّجْسِ. وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الرَّوْثِ «إِنَّ هَذَا رِكْسٌ» وَقِيلَ: مَعْنَى أَرْكَسَ نَكَّسَ، أَيْ رَدَّ رَدًّا شَنِيعًا، وَهُوَ مُقَارِبٌ لِلْأَوَّلِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ جَزَاءً لِسُوءِ اعْتِقَادِهِمْ وَقِلَّةِ إِخْلَاصِهِمْ مَعَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ تَتَوَالَدُ مِنْ جِنْسِهَا، فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَأْتِي بِزِيَادَةِ الصَّالِحَات، وَالْعَمَل السيّء يَأْتِي بِمُنْتَهَى الْمَعَاصِي، وَلِهَذَا تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ الْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِ الْعَمَلِ سَبَبًا فِي بُلُوغِ الْغَايَاتِ مِنْ جِنْسِهِ. وَقَوْلُهُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ نَشَأَ عَنِ اللَّوْمِ وَالتَّعْجِيبِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ، لِأَنَّ السَّامِعِينَ يَتَرَقَّبُونَ بَيَانَ وَجْهِ اللوم، ويتساءلون عمّا ذَا يَتَّخِذُونَ نَحْوَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ. وَقَدْ دَلَّ الِاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِيُّ الْمَشُوبُ [صفحة 221] بِاللَّوْمِ عَلَى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ هِيَ مَحَلُّ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ، وَتَقْدِيرُهَا: إِنَّهُمْ قَدْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ، )) فإن صح هذا التأويل فتكون هذه الآيةكالنص في عذر العاذر المتأول فهؤلاء إنما ظنوا من هو كافر أنه مسلم لا يجوز قتاله متأولين ظاهر أمرهم فلم يكفرهم الله ولا رسوله - وَصَحَّ «عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -، فَقَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ صَحْوًا فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا لا )) فلم يكفرهم بجهلهم الرؤية و هذا أمر اعتقادي -وَصَحَّ «عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ: أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى السَّائِلِ، وَقَالَ: كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.- وَصَحَّ «عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَبْدَأِ تَخْلِيقِ هَذَا الْعَالَمِ، فَأَجَابَ بِأَنْ قَالَ: كَانَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وهذا أمر اعتقادي وَصَحَّ «عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ؟ فَقَالَ عَلَى الصِّرَاطِ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ، فَسُئِلَ: مَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إجَازَةً، فَقَالَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ فَإِنَّ الظُّلْمَةَ أَوَّلُ الصِّرَاطِ؛ فَهُنَاكَ مَبْدَأُ التَّبْدِيلِ، وَتَمَامُهُ وَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ. وهذا أمر اعتقادي و لم يكفرهم . [صفحة 222] «وَسُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31] «سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ حَتَّى تُؤَدُّوا إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاَللَّهِ إنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ» . «وَسُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْأَدْوِيَةِ وَالرُّقَى، هَلْ تَرُدُّ مِنْ الْقَدَرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: هِيَ مِنْ الْقَدَرِ» «وَسُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»- وتأول بعض الصحابة الظلم في قوله تعالى (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) أن المقصود في الاية كل أنواع الظلم و هذا أمر اعتقادي واشتد ذلك عليهم و سألوا وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيْسَ ذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] » ولم يكفرهم بتأويلهم هذا ولا باعتقادهم هذا . «وَسُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْكُهَّانِ أَيْضًا، فَقَالَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ فَقَالَ السَّائِلُ: إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانَا بِالشَّيْءِ فَيَكُونُ، فَقَالَ تِلْكَ [صفحة 223] الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ مِنْ الْإِنْسِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهنا جهل بعض الصحابة استئثار الله بعلم الغيب و أنه قد يطلع عليه بعض الناس كالكهان فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم صحة هذا و لم يكفرهم و هذه مسألة اعتقادية والحمد لله رب العالمين و الله أعلم (كيف تقام الحجة ) السؤال الان هو كيف تقام الحجة على الشخص التي يكون بإقامتها اثبات الحكم الشرعي عليه من الكفر و من ثم أخذ أحكام الكفار قلنا فيما سبق أن هناك أصنافا غير معذورة ممن انتسب إلى الإسلام و شهد الشهادتين وهم كل من قصر في طلب العلم الشرعي فحصل له بسبب ذلك جهلا ثم بدأ يفتري على الله كذبا بلا علم فيشرك معه غيره بالدعاء أو النذر أو غير ذلك بلا علم سواء اخترع هو ذلك أـو قلد متبوعا له بلا برهان إذ التقليد ليس عذرا ؛إنما كان يجب عليه إن كان لا يعلم أن يؤمن بالله الإيمان المجمل ويكل ما لا يعلمه الى الله سبحانه و تعالى كذلك الصنف الثاني كل من حدث عنده اعتقاد بشيء لكن هذا الاعتقاد ناتج عن تأويل فاسد لا تساعد عليه شريعة ولا لغة و قد بينت قبل التأويل الفاسد و أنه لا يقبل . أما القسم الثالث هو قسم و قع في الكفر لكن نتيجه لتأويل له وجه في اللغة او الشريعه فهذا يقام عليه [صفحة 224] الحجة لكن كيف تقام الحجة؟ بالاستقراء من الايات و احاديث النبي صلى الله عليه و سلم نستطيع أن نستفيد بعض الإشارات على كيفية إقامة الحجة و كيفية معرفة إذا كان هذا الرجل المتأول رجل متبع للهوى أم هو مريد للحق مؤثر لله و رسوله على من دونهما لكنه حصل له نوع تأويل جعله يخطئ في هذه المسألة المطروحة وسيعرض الباحث إن شاء الله لبعض هذه الأدلة مع التعليق عليها {قُلۡ ‌فَأۡتُواْ ‌بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩ فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠ هنا حدد الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم كيفية معرفة متبع الهوى ممن هو مؤثر للحق بدعوة هذا الشخص إلى الدليل المعارض فأنت إذا جئت بدليل صحيح من الكتاب أو السنة لهذا الشخص فيلزمه أحد شيئين إما أن يتبعه أو يأتي بمعارض فإن لم يفعل فنعلم حينئذ أنه متبع لهواه و نستطيع براحة ضمير أن نقول أن هذا الشخص قد أقيمت [صفحة 225] عليه الحجة لانقطاعه ولا شك أن الله لم يكلفنا ما لم نستطعه من معرفة بواطن الناس لكن وضع لنا إشارات توضح هذه البواطن ولا شك أيضا أنه لم يترك الدين ملعبة للناس فيأتي كل أحد ويقول إني متأول .لا بل كل من قامت عليه الحجة حكم عليه بالحكم و عوقب بعقوبة الفعل و الله أعلم 2-إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ ‌إِلَّا ‌كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦ في هذه الاية أيضا بيان لمن تقوم عليه الحجة فكل من جادلك بغير دليل واضح متبعا تقليد أو متبعا دليل دلت هذه الاية على أن في قلبه كبر ولو رجعنا لتعريف الكبر لوجدناه بطر الحق أي رده و دفعه و غمط الناس أي احتقارهم فتبين من هذه الحاجة أن المتكلم بلا دليل هو في حقيقة الأمر راد للحق دافع له وليس مريد له مؤثر له على ما سواه فيكون بذلك قامت عليه الحجة ويطبق عليه الحكم [صفحة 226] 3-وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ ‌لَا ‌بُرۡهَٰنَ ‌لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧ وهذه الاية واضحة في أن كل من أشرك بدعاء غير الله فلابد أن يأتي بالبرهان عل فعله و كونه لم يأت بالبرهان فهنا تكون الحجة قد أقيمت عليه و سيحاسبه الله على ذلك و أنه سيكون من جملة الكافرين الذين لا يفلحون وهذه الاية تبين خطورة الشرك 4-وَقَالُوٓاْ إِن ‌نَّتَّبِعِ ‌ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧ ) (فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ ‌يُسَٰرِعُونَ ‌فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ [صفحة 227] بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ) هاتين الايتين تبين وقوع أصحابهم في الكفر و عدم عذرهم بالتعلل بالمصالح الدنيوية في فعل الكفر فكل من تعلل في كفرة بمصلحة دنيوية يظنها دون دليل على اعتبارها من جهة الشرع كمانع من التكفير (كعذر الإكراه مثلا) فإنه لا يقبل منه تعلله ذلك و لا يمنع ذلك من اطلاق الحكم عليه 4-أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨ ‌بَلۡ ‌كَذَّبُواْ ‌بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ) و الكلام على هذه الاية من وجه اخر فأنت أحيانا تسوق للإنسان الحجة الصحيحة من الكتاب أو السنة فلا يجد دليلا معارضا لما قلت فيلجأ نتيجة اتباعه لهواه إلى رد هذه الحجة وتكذيبك فبين الله تعالى أن من فعل ذلك فهو ظالم و انه يجب أن لا نرد ما لم نحط به [صفحة 228] علما و نكذبه فمن فعل ذلك دل على هوى في نفسه و اقتناع مسبق لديه بمسألة معينة يريد تقريرها و إلا لماذا يرد الحق دون علم فهذا ظالم غير معذور قائل على الله بلا علم و مكذب بشريعته بلا علم ومن الملاحظ أن جميع الايات التي ذم الله بها المشركين إنما جاءت في هؤلاء القائلين عليه بغير علم أو المكذبين لشريعته بدون علم أما القسم الثالث هذا الذي يريد وجه الله كزيد بن عمرو بن نفيل و هو متوقف لا يثبت لله شيئا لا يعلمه و لا ينفي عنه شيئا لا يعلما بل هو مؤمن به سبحانه الإيمان المجمل فهذا معذور فيما جهل طالما سكت و توقف وقد جاء في حديث حسنه بعض أهل العلم أنه يبعث أمة وحده ) و هو تحت البحث إن شاء الله 5-وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ ‌وَمَا ‌لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ) و هذه الاية بمعنى الايات السابقة إذ سمى الله من ليس لديه حجة وليس لديه علم بما يقول ظالما فدل بذلك على أن كل من تكلم بلا علم و بلا برهان فهو آثم ظالم لا عذرله [صفحة 229] 6-لَّوۡلَاجَآءُو عَلَيۡهِ ‌بِأَرۡبَعَةِ ‌شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤ 7- إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥ دلت هذه الاية على أن من تكلم بلا علم فقد أتى أمرا عظيما و هو غير معذور 8-أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ ‌سُلۡطَٰنٗا ‌فَهُوَ ‌يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ 9وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ ‌أَشَهِدُواْ ‌خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩ [صفحة 230] وفي هذه الاية أيضا بيان أن المشركين سيحاسبون على قولهم هذا بلا علم لأنهم شهدوا على ما لا يعلمون 10-مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ‌عَمَّآ ‌أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣ قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤ فدلت الاية أن من لم يأت بدليل و علم على ما يقول فهو غير صادق وليس في الدنيا ألا صادق و كاذب فهو كاذب فيما ادعى غير معذور 11- قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ ‌وَشَهِدَ ‌شَاهِدٞ ‌مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١ [صفحة 231] هنا إقامة الحجة جاءت من وجه اخر وهو إيمان من يثقون بعلمه وشهادته بصحة الحجة فأنت أحيانا تأتي بالحجة للشخص من دليل صحيح أو سنة النبي صلى الله عليه و سلم فيقول لك مثلا أنا أتبع العالم الفلاني الذي أثق به فتأتيه بقول هذا العالم الذي فيه الإقرار بصحة الدليل الذي استدللت به و العمل بمقتضاه فهنا إذا لم يذعن فقد أقيمت عليه الحجة ويكون ذلك دلالة على كبره و ظلمه و عدم عذره بتأويله ذلك لأن الله احتج عليهم بإيمان كبيرهم و عالمهم عبد الله بن سلام فكان هذا احتجاج سليم و معارضة معتبرة كاشفة في إقامة الحجة 12-وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ ‌نَرَى ‌ٱللَّهَ ‌جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥ ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦ في هذا دليل على أن المبالغة في طلب الأدلة بعد توضيحها غير معتبر فأنت إذا استدللت بكتاب الله و [صفحة 232] سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فهذا كاف و لا يعذر من رد ذلك و إلا لعذر الله هؤلاء و لم يصعقهم 13-‌وَإِن ‌يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِر. و كذلك هذه الاية أيضا 14‌أَمۡ ‌يَقُولُونَ ‌ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣ فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ. هنا علق الله سبحانه وتعالى صدق الرجل بالإتيان بالدليل المعارض فدل على أن من انقطع ولم يأت بالدليل المعارض فهو كاذب في دعواه متبع لهواه [صفحة 233] ٥٨ قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ ‌فَجَعَلۡتُم ‌مِّنۡهُ ‌حَرَامٗا وَحَلَٰالٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٦٠ )) فجعل الله المتكلم في الدين بلا علم أحد رجلين رجل أذن الله له بهذا الكلام أو هو رجل مفتر على الله و هدد الله هذا المتكلم بلا علم بما سيلقاه يوم القيامة .فدل على أن ذلك ليس عذرا و ليس مانعا من إقامة الحجة عليه ‌وَمَا ‌يَتَّبِعُ ‌ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٦٦ قَالُواْ ٱتخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ ‌سُبۡحَٰنَهُۥۖ ‌هُوَ ‌ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨ قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ [صفحة 234] عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩ مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ )٧٠ و الظاهر من هذه الآية أن مفتر على الله الكذب سماه الله تعالى كافرا و توعده و قد صح أن الظن أكذب الحديث كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إذن القول المبني على الشك سماه رسول الله كذبا لذا فكل من تكلم بلا علم كلام يشك فيه فهو مفتر على الله كذبا غير معذور لأنه اتبع ما لا يعلم وقال تعالى((هَٰٓؤُلَآءِ ‌قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا)) فسمى من لم يأت بدليل واضح مفتر على الله كذبا و من هذا حاله غير معذور١٥ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ‌فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١ [صفحة 235] (فما يكذبك بعد بالدين ) بعد ذكره ايات خلق الانسان في أحسن تقويم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمِ الَّذِينَ ‌مَاتُوا (1) ‌فِي ‌الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَمَا يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بِمَنْخَرَيْهِ، خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمِ الَّذِينَ ‌مَاتُوا ‌فِي ‌الْجَاهِلِيَّةِ " (2) وهذا حديث صحيح و معنى يدهده الجعل قالوا أي تدحرج الخنفساء من الفضلات و في هذا الحديث دلاله واضحه على أن القائلين على الله بلا علم غير معذورين محاجة ابراهيم لقومه ۞ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٧٤ وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧ فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا [صفحة 236] رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٧٨ إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩ وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠ وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢ وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكيمٌ عَلِيمٞ ٨٣ ولم يذكرابراهيم هنا معجزة بل استدل عليهم بأن هذه الأشياء التي يعبدوها محدثة تغيب فكيف تعبد فدل ذلك وعلى أنهم أشركوا بدون(سلطان ) برهان وجعل هذا سببا كافيا لعدم الأمن من عذاب الله فدل ذلك على كون ذلك حجة كافية لا عذر لمن يردها . [صفحة 237] وقال تعالى وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ ‌بِغَيۡرِ ‌عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٨ ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٩ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٠. ولقدأَرۡسَلۡنَا ‌نُوحًا ‌إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ( 84 ) سيقولون لله قل أفلا تذكرون ( 85 ) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ( 86 ) سيقولون لله قل أفلا تتقون ( 87 ) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ( 88 ) سيقولون لله قل فأنى تسحرون وفي هذه الايات ينكر الله عليهم أنهم عرفوا كون الله مالك كل شيئ ومع ذلك لم يفردوه بالعبادة وعبدوا غيره بغير علم بل باتباع الظن فدل ذلك على كفاية هذا كحجة ضد الخصم القضاة ثلاثةٌ قاضيانِ في النارِ وقاضٍ في الجنةِ فأما الذي في الجنةِ فرجلٌ عرفَ الحقّ فقضَى بهِ فهو فِي الجنةِ ورجلٌ عرفَ الحقَ فلم يقضِ به وجارَ في الحُكمِ فهو في النارِ ورجل لم يَعرِفِ الحق فقضَى للناسِ على جهلٍ فهو للنارِ)) [صفحة 238] وهذا الحديث دليل واضح على ما نقرره أن هذا قاض أصدرحكما لكنه أصدره عن جهل و جهله هنا لم يكن عذرا بل سيعاقبه الله تعالى لأنه كان فرضه السكوت عن ما لا يعلم لا اختراع حكم جديد فدل الحديث أنه ليس الجهل عذرا في كل الأحوال. قال النووي في شرح مسلم: في تعليقه على حديث (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ) قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده .. قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. اهـ. قيام الحجة بالكتاب ))_ {قَالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلأُ إني أُلْقِيَ إِليَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* أَلاَّ تَعْلُواْ عَليَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* قَالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلاَُ أفتوني في أمري مَا كُنتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ* قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالاَْمْرُ إِلَيْكِ فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ* قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أهلها [صفحة 239] أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ* وإني مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ* فَلَمَّا جاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فما آتانِي اللَّهُ خَيْرٌ مما آتاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ولنخرجنّهم منها أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)) و هنا جعل سليمان مجرد كتابه بالإيمان و التوحيد لهؤلاء القوم الذين يعبدون الشمس و القمر و يفترون على الله كذبا بعبادتها و جعل ذلك كافيا في العقوبة إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِين قال ابن حزم في كيفية الجدال و إقامة الحجة «الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم» (1/ 21): «وقد أمرنا تعالى في نص القرآن ‌باتباع ‌ملة إبراهيم عليه السلام وخبرنا تعالى أن من ملة إبراهيم المحاجة والمناظرة فمرة للملك ومرة لقومه والاستدلال كما أخبرنا تعالى عنه، ففرض علينا اتباع المناظرة لنصرف أهل الباطل إلى الحق وأن نطلب الصواب بالاستدلال فيما اختلف فيه المختلفون قال الله عز وجل {إن أولى الناس بإبراهيم للذين تبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} فنحن المتبعون لإبراهيم عليه السلام في المحاجة والمناظرة فنحن أولى الناس به وسائر الناس مأمورون بذلك قال الله تعالى {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} ومن ملته المناظرة كما ذكرنا فمن نهى عن المناظرة والحجة فليعلم أنه عاص لله عز وجل ومخالف لملة إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما قال الله عز وجل وقد أثنى على أصحاب الكهف [صفحة 240] {نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} فأثنى الله عز وجل عليهم في إنكارهم قول قومهم إذ لم يقم قومهم على قولهم حجة بينة وصدقهم تعالى في قولهم أن من ادعى قولا بلا دليل فهو مفتر على الله عز وجل الكذب وقال تعالى {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ إنا من المجرمين منتقمون} فلا أظلم ممن قامت عليه الحجة من كتاب الله تعالى ومن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه وهو الحجة القاطعة والبرهان الصادع وقال الله تعالى {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وقال تعالى {بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين} فأخبر تعالى كما تسمع أن ما اتبع قولا وافقه بلا علم بصحته فهو ظالم وإن من لم يرجع إلى ما يسمع من الحق فهو من أهل النار وقال تعالى {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أنكر الله تعالى أن يكذب المرء بما لا يعلم فقال تعالى {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} فصح بكل ما ذكرنا الوقوف عما لا نعلم والرجوع إلى ما أوجبته الحجة بعد قيامها وقال تعالى {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جآءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} قال أبو محمد في هذه الآية كفاية في إيجاب ألا يصدق أحد بما لم تقم عليه حجة وألا يأتي ما قامت عليه الحجة فمن أظلم ممن عرف ما ذكرنا وأخذ بوسواس يقوم في نفسه أو بخبر لم يقم على وجوب تصديقه برهان أو [صفحة 241] قلد إنسانا مثله لعله عند الله تعالى على خلاف ما يظن وعلى كل حال فهو غير معصوم لكن يخطىء ويصيب وقال تعالى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فأوجب تعالى أن من كان صادقا في دعواه فعليه أن يأتي بالبرهان وإن لم يأت بالبرهان فهو كاذب مبطل أو جاهل وقال تعالى {هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} فلم يوجب تعالى المحاجة إلا بعلم ومنع منها بغير علم وقال تعالى {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا} قال أبو محمد فلما وجدنا الله تعالى قد أمر في الآيات التي ذكرنا بالحجاج والمناظرة ولم يوجب قبول شيء إلا ببرهان وجب علينا تطلب الحجاج المذموم على ما قدمناه فوجدناه قد قال {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} فذم تعالى كما ترى الجدال بغير حجة والجدال في الباطل وأبطل تعالى بذلك قول المجانين كل مفتون ملقن حجة وبين تعالى أن المفتون هو الذي لا يلقن حجة وأن المحق هو الملقن حجة على الحقيقة وهم أهل الحق وقال تعالى {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند لله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} فقد جمعت هذه الآيات بيان الجدال المذموم [صفحة 242] والجدال المحمود الواجب فالواجب هو الذي يجادل متوليه في إظهار الحق والمذموم وجهان بنص الآيات التي ذكرنا أحدهما من جادل بغير علم والثاني من جادل ناصرا للباطل بشغب وتمويه بعد ظهور الحق إليه وفي هذا بيان أن الحق في واحد وأنه لا شيء إلا ما قامت عليه حجة العقل وهؤلاء المذمومون هم الذين قال الله تعالى فيهم {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} وقوله تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد} وقوله تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} وبقوله تعالى {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد * كذبت قبلهم قوم نوح ولأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} فبين تعالى كما ترى أن الجدال المحرم هو الجدال الذي يجادل به لينصر الباطل ويبطل الحق بغير علم قال أبو محمد ويقال لمن أبى عن مطالبته الجدال ومعاناة طلب البرهان أن فرعون قال {ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس لله إن جآءنا قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد} {وقال لذي آمن يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} فبأي شيء يعرف المحق منهما من المبطل هل يجوز أن يعرف ذلك إلا بدلائل غير كلامها فهذا كلام العزيز الجبار الخالق البارىء قد نصصناه في اتباع البرهان وتكذيب قول من لا حجة في يديه وهو الذي لا يسع مسلما خلافه لا قول من قال اذهب إلى شاك مثلك فناظره فيقال له أترى [صفحة 243] رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شاكا إذ علمه ربه تعالى مجادلة أهل الكتاب وأهل الكفر وأمره بطلب البرهان وإقامة الحجة على كل من خالفه ولا قول من قال أو كلما جاء رجل هو أجدل من رجل تركنا ما نحن عليه أو كلاما هذا معناه قال أبو محمد وهذا كلام يستوي فيه مع قائله كل ملحد على ظهر الأرض فلئن وسع هذا القائل ألا يدع ما وجد عليه سلفه بلا حجة لحجة ظاهرة واردة عليه ليسعن اليهودي والنصراني ألا يدعا ما وجدا عليه سلفهما تقليدا بلا برهان وألا يقبلا برهان الإسلام الواردة عليهما وحجته القاطعة قال الله عز وجل {قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب * فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد * وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ومآ أنا عليكم بحفيظ * قالوا ياشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد * قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب * ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود * قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك ومآ أنت علينا بعزيز} قال أبو محمد فإذا قد حض الله [صفحة 244] تعالى على المجادلة بالحق وأمر بطلب البرهان فقد صح أن طلب الحجة هي سبيل الله عز وجل بالنص الذي ذكرنا أن من نهى عن ذلك وصد عنه فهو صاد عن سبيل الله تعالى ظالم)) قوله تعالى ) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ فلم يعذروا بتقليدهم السامري عندما قال لهم هذا إلهكم و إله موسى فنسي «صحيح البخاري» (6/ 14):جاء في [صفحة 245] قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: «أَنْ لَا تَلُدُّونِي» فَقُلْنَا ‌كَرَاهِيَةُ ‌المَرِيضِ ‌لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي»، قُلْنَا ‌كَرَاهِيَةَ ‌المَرِيضِ ‌لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي البَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا العَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ فيه أن المتأول تأويلا بعيدا غير معذور لأن النبي صلى الله عليه وسلم عاقبهم واللدود هو وضع دواء في أحد جوانب الفم أو التحنيك بهذا الدواء بإدخال الإصبع في فم المريض و دهن حنكه به و قد نهاهم النبي صل الله عليه و سلم عن ذلك صراحة بالإشارة لكنهم ظنوا أنه لا يريد النهي بل فقط يكره الدواء و هذا ظن بعيد وفي الحديث أن النهي يفيد التحريم و أن التأويل البعيد لا يقبل «صحيح البخاري» (1/ 31): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ، صَلَاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «‌وَيْلٌ ‌لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وفي هذا الحديث لم يعذرهم الرسول صلى الله عليه و سلم لا شتهار أمر الوضوء والله أعلم التناقض و أعني بهذا العنوان أن تناقض الشخص يدل على اتباعه هواه و أنه غير معذور وذلك مثلا رجل يقول بصحة الحديث المرسل ثم أردت أن تقيم عليه الحجة فأتيته بمرسل صحيح الإسناد فقال لك هذا مرسل لا أقبله لأنه ضعيف فهذا متناقض غير معذور و تكون الحجة أقيمت عليه بذلك [صفحة 246] قال تعالى عن اليهود الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)) فبين أنهم كاذبين في دعواهم أن سبب عدم إيمانهم هو عدم ظهور هذه الاية و هذا الدليل إذ كان هذا الدليل موجودا من قبل فلم يؤمنوا أيضا فدل تناقضهم هذا على كذبهم و عدم عذرهم 183 قال تعالى((فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ()) وهذه الاية مثل سابقتها . ( علة تكفير العاذر ) والسؤال الان ما هي علة تكفير العاذر فمن قولهم أن العاذر الان يكذب الله و رسوله إذ أنه بعذره لهذا المتأول المخطئ فيما أسموه مسائل العقيدة المعروفه بالفطرة كأنه يقول أن الله و رسوله قد كذبا حين حكما لهذا بالكفر بل هو مؤمن موحد فالجواب على ذلك أنه لم يقصد قط تكذيب الله و رسوله بل عندهم أن المتأول تأويلا له وجه معذور بخطأه وأن هذا هو حكم الله و رسوله فيهما وهما صادقان عنده في هذا الحكم فلا وجه لعلة التكفير هنا للعاذر و هو هنا على أقل تقدير متأول إسلام هؤلاء على سبيل التنزل [صفحة 247] و قد اختلف السلف في تكفير كثير من الفئات فلم يقل الذي كفر للذي لم يكفر لقد كذبت الله و رسوله إذ أنهما حكما على هذا الفعل بالكفر فكذبتهم أنت وقلت ليس هذا الفعل بكفر واذكر هنا بعض الافراد الذين اختلف اهل السنة في تكفيرهم جاء في((الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (1/ 223) فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ (7) كَثِيرٍ مِنْ فِرَقِهِمْ مِثْلَ الْخَوَارِجِ (8)، وَالْقَدَرِيَّةِ (9) وَغَيْرِهِمْ )). و جاء في((الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (2/ 630) وَاعْلَم أَن اهل السّنة اخْتلفُوا فِي تَكْفِير يزِيد بن مُعَاوِيَة وَولي عَهده من بعده فَقَالَت طَائِفَة إِنَّه كَافِر لقَوْل سبط ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره الْمَشْهُور أَنه لماجاء رَأس الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ جمع أهل الشَّام وَجعل ينكت رَأسه بالخيزران وينشد ابيات ابْن الزِّبَعْرَى)) و جاء في((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1641) وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ جَاهِلِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَمِمَّنْ كَفَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَقَالَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا، وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُكَفَّرُ بِهِ بِخِلَافِ جَحْدِهَا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْحَسَنِ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ مَذْهَبُهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ اعْتِقَادًا يَقْطَعُ بِصَوَابِهِ وَيَرَاهُ دِينًا شَرْعًا، وَإِنَّمَا يُكَفَّرُ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَقَالَتَهُ حَقٌّ،)). [صفحة 248] وجاء في ((العرف الشذي شرح سنن الترمذي (1/ 81) اختلفوا في تكفير الروافض، وللأحناف قولان: قيل: إنهم كافرون، وقيل: لا، والمختار تكفيرهم، فإن مكفر جمهور الصحابة كافر وقصر الروافض، الإسلام على تسعة أصحاب أو سبعة )). وجاء في ((شرح الطحاوية - يوسف الغفيص (19/ 18، بترقيم الشاملة آليا) لخلاف في تكفير تارك الصوم والحج وأما الصوم والحج فقد ذهب طائفة من السلف إلى أن ترك الصوم كفر, وذهب طائفة من السلف إلى أن ترك الحج كفر, والجماهير من السلف والخلف على أن ترك الصوم وحده أو ترك الحج وحده ليس كفراً)) ((وقال ابن هبيرة: (اختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: - يكفر بذلك، إلا أن من أصحاب أبي حنيفة من فصل ذلك، فقال إن تعلمه ليتقه أو ليتجنبه فلا يكفر بذلك، وإن تعلمه معتقداً لجوازه أو معتقداً أنه ينفعه فإنه يكفر، ولم ير الإطلاق، وإن اعتقد أن الشياطين تفعل ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي: - إذا تعلم السحر قلنا له صف سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر بمثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكـب [صفحة 249] السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر) ) والخلاف في تكفير تارك الصلاة معروف فكل هذه المسائل اختلف العلماء في الافراد الذين وقعوا فيها فهم عند بعضهم كفار مخلدون في النار وعند اخرين مؤمنون ولم تقل الطائفة التي كفرت ان الاخرى من الكفار لأنهم كذبوا الله و رسوله بتسميته الكفر معصية فقط »» ثانيا: قالوا أن علة التكفير هي الجهل بحقيقة الإسلام والجواب أن هذه العلة نفسها موجوده في المسائل التي اختلف فيها السلف فمن كفر تارك الصلاة مثلا يجعل من لم يكفر جاهلا جهلا مركبا بحقيقة الإسلام إذ أن الصلاة عنده ركن ينتفي الإسلام كله بانتفائه وكون الطرف الاخر يجعلها فرضا غير مؤثر في صحة الإسلام فهذا جاهل بحقيقة الإسلام و لم يكفر السلف بعضهم بعضا بهذا وقد قال هو نفسه (أبو عبيدة الجزائري ) معتمدا على هذه العلة أي كون السلف لم يكفر بعضهم في مسائل معينه بعضا دليلا على أننا لا نكفرمن هو كذلك فقال (لا يكفر من شك أو توقف في تكفير تارك الصلاة أو توقف في تكفير الخوارج كذا من توقف أو شك في كفر من ارتد لكن لم يتبين له وجه [صفحة 250] كفره كأبي حنيفة و الحجاج فقد اختلف السلف في كفرهم ولم يكفر بعضهم بعضا )) والسؤال الان إذا كان السلف اختلفوا في تكفير الخوارج بنص كلامه أليس في هذا دليلا واضحا على خلافهم في مسألة تكفير المتأول فلماذا لم تكفر من لم يكفر الخوارج و كفرت من لم يكفر الأشاعرة . فالعلة في المسألتين واحده هي التكفير بالتأويل فإذا كنت عذرت عاذر الخوارج مع و جود أحاديث صريحة بكفرهم ليس مثلها موجود في الأشاعرة و بالنظرإلى هذه الاحاديث والصفات نجد انه احتوت أحكاما وهذه الأحكام هي انهم (شرار الخلق والخليقة ) و(أينما لقيتموهم فاقتلوهم ),وقال ابو أمامة احد الصحابة رواة الحديث انهم (كفروا بعد ايمانهم) فهذه ثلاث في الدنيا ثم هم في الاخرة( كلاب النار) وقوله عليه السلام (يخرجون من الدين ثم لا يعودون إليه ) وكل هذه الصفات ترجح بشدة كون هؤلاء القوم كفار خارجون من الدين فعجيب من عذر من لم يكفر هؤلاء مع وضوح النص فيهم ثم سارع إلى تكفير الأشاعرة و من لم يكفر الأشاعرة أو تكفير من لم يكفر جاهل الصفة....هذا ومن شنع الخوارج هؤلاء كما جاء في فتح الباري عن السبكي ((احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ وَغُلَاةَ الرَّوَافِضِ بِتَكْفِيرِهِمْ،أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ قَالَ وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ قَالَ وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَكْفِيرِهِمْ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ عِلْمِهِمْ بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا إِلَى حِينِ مَوْتِهِ [صفحة 251] وَذَلِكَ كَافٍ فِي اعْتِقَادِنَا تَكْفِيرَ مَنْ كَفَّرَهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدو الله إِلَّا حاد عَلَيْهِ قَالَ وَهَؤُلَاءِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ جَمَاعَةً بِالْكُفْرِ مِمَّنْ حَصَلَ عِنْدَنَا الْقَطْعُ بإيمَانهمْ فَيجب أَن يحكم بكفرهم بِمُقْتَضى خَبَرِ الشَّارِعِ)) كذلك جنح ابن حزم إلى تكفيرهم و جعل من شنعهم (( كما جاء في ((المحلى بالآثار (11/ 334) فَصَحَّ أَنَّ التَّأْوِيلَ يَخْتَلِفُ، فَأَيُّ طَائِفَةٍ تَأَوَّلَتْ فِي بُغْيَتِهَا طَمْسًا لِشَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ، كَمَنْ قَامَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ لِيُخْرِجَ الْأَمْرَ عَنْ قُرَيْشٍ، أَوْ لِيَرُدَّ النَّاسَ إلَى الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الرَّجْمِ، أَوْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الذُّنُوبِ، أَوْ اسْتِقْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قَتْلِ الْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِظْهَارِ الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ، أَوْ إبْطَالِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا حَتَّى يَكُونَ، أَوْ إلَى الْبَرَاءَةِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ إبْطَالِ الشَّفَاعَةِ، أَوْ إلَى إبْطَالِ الْعَمَلِ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَا إلَى الرَّدِّ إلَى مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الزَّكَاةِ، أَوْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى: فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْذَرُونَ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ تَامَّةٌ.)) كانت هذه بعض شنع الخوارج التي لا نجد و لو قليل منها في الأشاعرة مع صحة الأحاديث التي ترجح كفر هؤلاء فإن كانت العلة في تكفير العاذر هو جهله بحقيقة الإسلام كما تقولون فيلزمكم ولا بد تكفير عاذر الخوارج من السلف القائلين [صفحة 252] بكل هذه الشنع المخالفة لحقيقة الإسلام المضادة له مع صراحة الأحاديث في هؤلاء القوم المخصوصين دون غيرهم ثالثا قولهم: أن علة تكفير العاذر للمتأول هو مخالفته الإجماع فلا أدري ماذا يقصدون بهذا فإن كانوا يعنون أنه حدث إجماع بين السلف على تكفير المتأول فقد نقلنا الخلاف المشهور في ذلك من قبل فلا داعي لإعادته هنا ثم هم تناقضوا من قريب إذ أنهم يقرون بالخلاف بين السلف في عذر المتأول الخارجي فأين الإجماع إذن ؟ و إن قالوا بأن إجماع السلف على خلاف رأي الأشاعرة و غيرهم من المتأولين جهال الصفة فالجواب نعم و كذلك لا نعلم خلافا بينهم في نبذ ما كان عليه الخوارج من الأمور المذكورة و ردها كذلك نبذ ما عليه القدرية لكن مع مخالفة هذه الفرق حدث الخلاف بين السلف في تكفيرهم وحدث الخلاف في عذرهم من عدمه ذلك لكون بعض هذه الفرق قد لا يصح عنده هذا الإجماع و يكون عنده ظنيا أو كمسائل الصفات التي لم ينقل فيها و في تأويلها عن الصحابة إلا النذر اليسير جدا جدا و يكون لديه شبهة من اية او حديث كما حدث للأشاعرة في قوله تعالى (ليس كمثله شيء) فدعتهم إلى تأويل الصفات .و أضرب هنا مثالا للخلاف في مسألة تكفير الخوارج جاء في فتح الباري قال ابن حجر((الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ وَغُلَاةَ الرَّوَافِضِ بِتَكْفِيرِهِمْ،أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ قَالَ وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ قَالَ وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَكْفِيرِهِمْ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ عِلْمِهِمْ بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ [صفحة 253] تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا إِلَى حِينِ مَوْتِهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي اعْتِقَادِنَا تَكْفِيرَ مَنْ كَفَّرَهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدو الله إِلَّا حاد عَلَيْهِ قَالَ وَهَؤُلَاءِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ جَمَاعَةً بِالْكُفْرِ مِمَّنْ حَصَلَ عِنْدَنَا الْقَطْعُ بإيمَانهمْ فَيجب أَن يحكم بكفرهم بِمُقْتَضى خَبَرِ الشَّارِعِ وَهُوَ نَحْوُ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ سَجَدَ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا تَصْرِيحَ بِالْجُحُودِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرُوا الْكُفْرَ بِالْجُحُودِ فَإِنِ احْتَجُّوا بِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْفِيرِ فَاعِلِ ذَلِكَ قُلْنَا وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ تَقْتَضِي كُفْرَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا وَلَا يُنَجِّيهِمُ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ إِجْمَالًا وَالْعَمَلُ بِالْوَاجِبَاتِ عَنِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ كَمَا لَا يُنَجِّي السَّاجِدَ لِلصَّنَمِ ذَلِكَ قُلْتُ وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى بَعْضِ هَذَا الْبَحْثِ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَرَدَ أَحَادِيثَ الْبَابِ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ حُكْمَهُ إِلَّا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْهُ عَالِمًا فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُونَ الْحَقَّ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَكِبُوا اسْتِحْلَالَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَّا بِخَطَإٍ مِنْهُمْ فِيمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن بن عَبَّاسٍ وَذَكَرَ عِنْدَهُ الْخَوَارِجَ وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَقَالَ يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ الْأَمْرُ بِقَتْلِهِمْ مَعَ مَا تقدم من حَدِيث بن مَسْعُودٍ لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ وَفِيهِ التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ التَّمْثِيلُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَعْنِي الْآتِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنَّ [صفحة 254] ظَاهِرَ مَقْصُودِهِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَمَا خَرَجَ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لِسُرْعَتِهِ وَقُوَّةِ رَامِيهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنَ الرَّمِيَّةِ بِشَيْءٍ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ وَقَالَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ فِيهِ وَكَذَا نَقْطَعُ بِكُفْرِ كُلِّ مَنْ قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ أَوْ تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ فُسَّاقٌ وَأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا فُسِّقُوا بِتَكْفِيرِهِمُ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى اسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ مُخَالِفِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ مَعَ ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتَهُمْ وَأَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ وَقَالَ عِيَاضٌ كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَكُونُ أَشَدَّ إِشْكَالًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى سَأَلَ الْفَقِيهُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِمَامَ أَبَا الْمَعَالِي عَنْهَا فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ إِدْخَالَ كَافِرٍ فِي الْمِلَّةِ وَإِخْرَاجَ مُسْلِمٍ عَنْهَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ قَالَ وَقَدْ تَوَقَّفَ قَبْلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَقَالَ لَمْ يُصَرِّحِ الْقَوْمُ بِالْكُفْرِ وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنِ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ دِمَاءِ الْمُصَلِّينَ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَإِ فِي سَفْكِ دَمٍ لِمُسْلِمٍ وَاحِدٍ وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ قَوْلُهُ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِالْمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ [صفحة 255] إِلَى أَنْ قَالَ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ علق بهَا شَيْء قَالَ ابن بَطَّالٍ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ غَيْرُ خَارِجِينَ عَنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ لِأَنَّ التَّمَارِي مِنَ الشَّكِّ وَإِذْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ عَلَيْهِمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ بِيَقِينٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ قَالَ وَقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ هَلْ كَفَرُوا ؟ فَقَالَ مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا قُلْتُ وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي أَوْجَبَ تَكْفِيرَهُمْ عِنْدَ مَنْ كَفَّرَهُمْ وَفِي احْتِجَاجِهِ بِقَوْلِهِ يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ نَظَرٌ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَكَمَا سَيَأْتِي لَمْ يَعْلَقْ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَفِي بَعْضِهَا سبق الْفَرْثَ وَالدَّمَ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ تَرَدَّدَ هَل فِي الفوق شَيْء أَو لاثم تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِالسَّهْمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنَ الرَّمْيِ بِشَيْءٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَشْخَاصٍ مِنْهُمْ وَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ يَتَمَارَى إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَبْقَى مَعَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ وَالْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِمْ أَظْهَرُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ يُقاتلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَتُسْبَى أَمْوَالُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَكْفِيرِهِمُ يُسْلَكُ بِهِمْ مَسْلَكَ أَهْلِ الْبَغْيِ إِذَا شَقُّوا الْعَصَا وَنَصَبُوا الْحَرْبَ فَأَمَّا مَنِ اسْتَسَرَّ مِنْهُمْ بِبِدْعَةٍ فَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ هَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُجْتَهَدُ فِي رَدِّ بِدْعَتِهِ اخْتُلِفَ فِيهِ بِحَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَكْفِيرِهِمْ))اه هذا و إن كنت أميل إلى أن الخوارج من الكفار إلا إني نقلت هذا لبيان خلاف السلف في مسألة تكفير المتأول و اختلافهم في كون هذا التأويل مما يستساغ أن يعذر به صاحبه أم لا و لذلك لم يكفر [صفحة 256] من كفر الخوارج العاذر لهم وسيأتي أن ممن لم يكفرهم ابن عباس و علي و لم يقولوا لهم أنكم كذبتم الله و رسوله و جهلتم حقيقة الإسلام و خالفتم الإجماع لقيام الشبهة لدى هؤلاء العاذرين في تكفيرهم . و من قولكم أننا نتبع السلف فالسؤال لكم لِمَ لَمْ تتبعوهم هنا أيضا و تعذرون عاذر الأشاعرة فإن شنعهم قطرة في شنع الخوارج المنصوص على أنهم يخرجون من الدين . (تناقض اخر في ردهم التسلسل ) قال أبو عبيدة الجزائري ((من لم يكفر من نص الله على كفره ككفر إبليس فهذا يكفر من عذرهم و من عذرهم و هكذا ......إلى أن قال لكن التسلسل مسكوت عنه فيما عدا هذه الأمور مما يكون فيه بعض الشبهات في عذر العاذر مثل الجهمية و قضايا خلق القران و نحو هذا ) لا أدري معنى قوله مسكوت عنه هل يعني لا يقول بالتسلسل في هذا و يكون التسلسل باطلا و يكون عاذر العاذر معذورا فهذا ظاهر كلامه أم يعني أنه متوقف في المسألة؟. فإن كان يعني أنه لا يقول بالتسلسل و أن عاذر العاذر لا يكفر فالسؤال الملح هنا هو لماذا لا يكفر عاذر العاذر ؟ نضرب مثالا هنا هم يكفرون ابن تيمية لأنه لا يكفر الأشاعرة و يعذرهم فإذا سألتهم أجابوك بالعلل التي تحدثت عنها انفا تكذيب الله و رسوله و الجهل بحقيقة الاسلام و خرق الاجماع إذن ابن تيمية متأول كافر لا يعذر بتأويله مثل أن الأشاعرة متأولون كفار لا يعذرون بتأويلهم فإذا جاء رجل وقال ابن تيمية غير كافر و هو معذور فالظاهر على حسب ما أفهم أنهم لا يكفرون [صفحة 257] هذا فالسؤال الملح هنا هو لماذا ؟ إذا كانت نفس العلة التي كفرتم بها ابن تيمية و هي (عذره أقواما ليس لهم تأويل سائغ متأولا ) هي نفسها موجوده في هذا الرجل الذي عذر ابن تيمية إذ أنه( عذر رجلا ليس له تأويل سائغ متأولا ) وهذا تناقض فيلزمكم تكفير الجميع و القول بالتسلسل أو عذر الجميع لقيام الشبهة التي تسقط حكم التكفير وهذا هو الأقرب لدي و الله أعلم )) (هل الأشعرية و الماتريدية جهمية ) من الملاحظ أن معظم النصوص التي نقلوها عن من هم دون الصحابة –لأنهم لم ينقلوا شيئا عن الصحابة أصلا – التي فيها إطلاق الكفر على بعض الأعمال إنما هي في كلامهم على مسألة خلق القران أو في كلامهم عن الجهمية و السؤال الان هل الأشاعرة الذين أنزلوا عليهم هذه النصوص من الجهمية أو يقولون بخلق القران حتى يصح لهم استدلالهم بأقوال من نقلوا عنهم التي بيننا من قبل ضعف اكثرها وان أكثرها عن من دون القرون الثلاثة الأولى الخارجون عن مفهوم السلف قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (التسعينية) (1 /265-271) : (الجهميَّةُ على ثلاثِ درجَات : 1- فشرها الغالية : الذين ينفون أسماءَ الله وصفاته ، وإن سَمَّوهُ بشيء من أسمائه الحسنى قالوا : هو مجازٌ ، فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم ولا يتكلم ، وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم ، كما ذكره الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية ، وأبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة ومقالات الإسلاميين . وهذا القولُ الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة ، هو قول القرامطة الباطنية ، ومن سبَقَهم من إخوانهم الصابئة الفلاسفة . 2 – والدرجة الثانية من التجهم : هو تجهُّم المعتزلةِ ونحوِهم ، الذين يُقرُّون بأسماء الله الحسنى في الجملة ، لكن ينفُون صفاتِه، وهم أيضاً لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلِّها على [صفحة 258] الحقيقة ، بل يجعلُون كثيراً منها على المجاز ، وهؤلاء هُمُ الجهميَّةُ المشهُورونَ . 3- وأما الدرجةُ الثالثَةُ : فهُمُ الصِّفاتِيَّةُ المثبتُون المخالفون للجهمية ، لكن فيهم نوعٌ من التجهُّم ، كالذين يُقرُّون بأسماء الله وصفاته في الجملة ، لكن يردُّون طائفةً من أسمائه وصفاته الخبرية ، أو غير الخبرية ، ويتأوَّلُونها كما تأوَّل الأولون صفاتِه كلَّها . ومن هؤلاء من يُقرُّ بصفاتِه الخبريَّةِ الواردةِ في القرآن دونَ الحديث ، كما عليه كثيرٌ من أهل الكلام والفقه وطائفةٌ من أهل الحديث . ومنهم من يُقرُّ بالصفاتِ الواردة في الأخبار أيضاً في الجملة ، لكن مع نفيٍ وتعطيلٍ لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول ، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتَّبعه . وفي هذا القسم يدخُل أبو الحسن الأشعريُّ وطوائفُ من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف ، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضَةِ أقربُ منهم إلى الجهمية والرَّافضة والخوارج والقدرية ، لكن انتسب إليهم طائفةٌ هم إلى الجهمية أقربُ منهم إلى أهل السُّنَّة المحضةِ ، فإن هؤلاء ينازِعُون المعتزلة نزاعاً عظيماً فيما يُثبِتُونه من الصفات أعظم من منازعتهم لسائر أهل الإثبات فيما ينفُونه . وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر وقدَّموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته وأكثر الناس يقولون إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات(( ويتضح من النص السابق أن الأشعرية يدخلون تحت القسم الثالث الذي قال فيه ابن تيمية أنهم إلى أهل السنة المحضَةِ أقربُ منهم إلى الجهمية فصح بذلك أنهم ليسوا من الجهمية وقال عنهم (المخالفون للجهمية )فصح بذلك أيضا أنهم ليسوا من الجهمية التي نقلوا عن بعض التابعين تكفيرهم مطلقا وقد حاول البعض الاستدلال بالنقل التالي على أن الأشاعرة جهمية قالوا ((فقد قال الإمام الترمذي في الجامع الكبير معلقا على الحديث رقم 662 ما نصه هذا حديث حسن صحيح وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من [صفحة 259] الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده وقالوا إن معنى اليد هاهنا القوة وقال إسحق بن إبراهيم إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى في كتابه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير اهـ)) وليس في كلام الترمذي قوله أن الأشاعرة جهمية بل ما قال إلا أن الجهمية تقول بتأويل مثل هذه الصفات و هذا حق ووافقهم الأشعرية على بعض ذلك ولا يعني ذلك تسميتهم بالجهمية ولم [صفحة 260] يقل هو كذلك أيضا فليس كل من وافق فرقة في مسألة ما دخل تحتها ))ا.ه قال من كفر الأشاعرة و لم يعذرهم بالتأويل في أسباب تكفير الأشاعرة التالي ((الأول : إنكار علو الله تعالى وهو أشنعها: والسلف أجمعوا على تكفير من أنكر علو الله تعالى , والأشاعرة تقول به تبعاً للجهمية . قال ابن تيمية عن علو الله : ( ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك لأنه عندهم معلوم بالإضطرار من الدين ) الدرء 7/26 .))اه تعقيب: وعجيب منهم هنا استدلالهم بابن تيمية إذ أن ابن تيمية كما سبق لم يكفر الأشاعرة بأعيانهم ولا نقل ذلك عن السلف كما يفعلون هم من تكفيرهم بأعيانهم ، بل نقل حكما عاما مطلقا هنا عن السلف وقد قال ابن تيمية ((((فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفر تاركها))و((يقول ابن تيمية: " وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق، فأخطأ : لم يكفر، بل يغفر له خطؤه.)) ومذهبه ذلك من [صفحة 261] عدم التكفير على الأعيان مشهور عنه و عدم تكفيره للأشاعرة مشهور عنه كذلك لذا كفروه هو شخصيا بهذا جاء في «مجموع الفتاوى» (20/ 31): «ففي الجملة الأجر هو على اتباعه الحق بحسب اجتهاده؛ ولو كان في الباطن حق يناقضه هو أولى بالاتباع لو قدر على معرفته؛ لكن لم يقدر فهذا كالمجتهدين في جهات الكعبة وكذلك كل من عبد عبادة نهي عنها ولم يعلم بالنهي - لكن هي من جنس المأمور به - مثل من صلى في أوقات النهي وبلغه الأمر العام بالصلاة ولم يبلغه النهي أو تمسك بدليل خاص مرجوح مثل صلاة جماعة من السلف ركعتين بعد العصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما ومثل صلاة رويت فيها أحاديث ضعيفة أو موضوعة كألفية نصف شعبان وأول رجب وصلاة التسبيح كما جوزها ابن المبارك وغير ذلك؛ فإنها إذا دخلت في عموم استحباب الصلاة ولم يبلغه ما يوجب النهي أثيب على ذلك وإن كان فيها نهي من وجه لم يعلم بكونها بدعة تتخذ شعارا ويجتمع عليها كل عام فهو مثل أن يحدث صلاة سادسة؛ ولهذا لو أراد أن يصلي مثل هذه الصلاة بلا حديث لم يكن له ذلك لكن لما روي الحديث اعتقد [صفحة 262] أنه صحيح فغلط في ذلك فهذا يغفر له خطؤه ويثاب على جنس المشروع. وكذلك من صام يوم العيد ولم يعلم بالنهي. بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك فإن هذا لا ثواب فيه وإن كان الله لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} لكنه وإن كان لا يعذب فإن هذا لا يثاب بل هذا كما قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} قال ابن المبارك: هي الأعمال التي عملت لغير الله. وقال مجاهد: هي الأعمال التي لم تقبل. وقال تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح} الآية فهؤلاء أعمالهم باطلة لا ثواب فيها. وإذا نهاهم الرسول عنها فلم ينتهوا عوقبوا فالعقاب عليها مشروط بتبليغ الرسول وأما بطلانها في نفسها فلأنها غير مأمور بها فكل عبادة غير مأمور بها فلا بد أن ينهى عنها. ثم إن علم أنها منهي عنها وفعلها استحق العقاب فإن لم يعلم لم يستحق العقاب وإن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به. وهذا لا يكون مجتهدا؛ لأن المجتهد لا بد أن يتبع دليلا شرعيا وهذه لا يكون عليها دليل شرعي لكن [صفحة 263] قد يفعلها باجتهاد مثله: وهو تقليده لمن فعل ذلك من الشيوخ والعلماء والذين فعلوا ذلك قد فعلوه لأنهم رأوه ينفع؛ أو لحديث كذب سمعوه. فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون وأما الثواب فإنه قد يكون ثوابهم أنهم أرجح من أهل جنسهم وأما الثواب بالتقرب إلى الله فلا يكون بمثل هذه الأعمال فصل: والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما قد بسط في غير موضع كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته أو اعتقد أن الله لا يرى؛ لقوله: {لا تدركه الأبصار} ولقوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يدلان بطريق العموم وكما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى وفسروا قوله: {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ربها ناظرة} بأنها تنتظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي صالح. أو من اعتقد أن الميت لا يعذب ببكاء الحي؛ لاعتقاده أن قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} يدل على ذلك؛ وأن ذلك يقدم على رواية الراوي لأن [صفحة 264] السمع يغلط كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف. أو اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحي؛ لاعتقاده أن قوله: {فإنك لا تسمع الموتى} يدل على ذلك. أو اعتقد أن الله لا يعجب كما اعتقد ذلك شريح؛ لاعتقاده أن العجب إنما يكون من جهل السبب والله منزه عن الجهل. أو اعتقد أن عليا أفضل الصحابة؛ لاعتقاده صحة حديث الطير؛ وأن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك؛ يأكل معي من هذا الطائر} . أو اعتقد أن من جس للعدو وأعلمهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم فهو منافق: كما اعتقد ذلك عمر في حاطب وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق؛ كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين. أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن؛ لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظا من القرآن كإنكار بعضهم: {وقضى ربك} وقال: إنما هي ووصى ربك. وإنكار بعضهم قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} وقال: إنما هو ميثاق بني إسرائيل وكذلك هي في قراءة عبد الله. وإنكار بعضهم {أفلم ييأس الذين آمنوا} إنما هي أولم [صفحة 265] يتبين الذين آمنوا. وكما أنكر عمر على هشام بن الحكم لما رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها. وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها حتى جمعهم عثمان على المصحف الإمام. وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي؛ لاعتقادهم أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به. وأنكر طائفةمن السلف والخلف أن الله يريد المعاصي؛ لكونهم ظنوا أن الإرادة لا تكون إلا بمعنى المشيئة لخلقها وقد علموا أن الله خالق كل شيء؛ وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والقرآن قد جاء بلفظ الإرادة بهذا المعنى وبهذا المعنى لكن كل طائفة عرفت أحد المعنيين وأنكرت الآخر. وكالذي قال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني: ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله: {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} وفي قول الحواريين: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} وكالصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه؛ وكثير من الناس لا يعلم ذلك؛ إما لأنه لم تبلغه الأحاديث وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط)) [صفحة 266] (كلام ابن تيمية في تكفير المعين ) (( وقال ابن تيمية بعد أن ذكر نزاع المتأخرين في تكفير أهل البدع هل هو كفر ينقل عن الملة أم لا ، وهل يخلدون في النار أم لا … قال : (( وحقيقة الأمر : أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع ، كلما رأوهم قالوا : من قال كذا فهو كافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم هذا الكلام بعينه ، فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى القول بخلق القرآن ونفي الصفات ، وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس … وذكر أن أكثر أولي الأمر كانوا يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا لهم ويعاملونهم معاملة الكفار … الخ ، إلى قوله : ( ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها ، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ….. ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ، ممن ضربه وحبسه ، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه … ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم ، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب [صفحة 267] والسنة والإجماع ، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية …. فانظر رحمك الله على شناعة مذهب الجهمية لم يكفر اعيانهم بل ودعا لهم ولم ينصر اهل الشرك والصليبيين عليهم بل وفرح بفتح عمورية واظهر فرحه بذلك ولم يسلم للصليبيين ارض الاسلام التي تحكم بالشريعة للصليبيين بحجة ان الجهمية والمعتزلة يكفروننا )) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن البكري ((فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الزنا والكذب حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله تعالى، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله))) أهـ ص(257).. وقال مكفروا الأشاعرة من أسباب تكفيرهم ((الثاني : إنكار حقيقة كلام الله وأن القرآن الذي في المصاحف مخلوق وليس كلام الله. والسلف كفروا من أنكر كلام الله وزعم أن القرآن مخلوق ونقل الإجماع اللالكائي وغيره, وهؤلاء قالوا ليس لله كلام لفظي وإنما هو معنى نفسي فالله تعالى لا يتكلم بلفظ وحرف وصوت يسمعه جبريل والقرآن إنما هو عبارة عن كلام الله وحكاية وليس هو كلام الله وإنما كلام جبريل عبر عن مراد الله , والقرآن الذي في المصاحف مخلوق وليس كلام الله ))أ.ه ونسب هنا أن اللالكائي [صفحة 268] نقل الإجماع لكن هل نقل الإجماع اللالكائي كما فهموه من أن السلف تكفر من فعل ذلك مطلقا دون تأويل فلننظر إلى كلامه جاء في ((«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (1/ 197): «أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْمُقْرِئُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبَشٍ الْمُقْرِئُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ ، وَمَا أَدْرَكَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ ، وَمَا يَعْتَقِدَانِ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَا: " أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ حِجَازًا وَعِرَاقًا وَشَامًا وَيَمَنًا فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمُ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِ ، وَالْقَدَرُ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَخَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ ، وَأَنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ ، وَالتَّرَحُّمُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَالْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا كَيْفٍ ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] . وَأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ ، يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِأَبْصَارِهِمْ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ. وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَهُمَا مَخْلُوقَانِ لَا يَفْنَيَانِ أَبَدًا ، وَالْجَنَّةُ ثَوَابٌ لِأَوْلِيَائِهِ ، وَالنَّارُ عِقَابٌ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَالصِّرَاطُ حَقٌّ ، وَالْمِيزَانُ حَقٌّ ، لَهُ كِفَّتَانِ ، تُوزَنُ فِيهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ [صفحة 269] حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا حَقٌّ. وَالْحَوْضُ الْمُكْرَمُ بِهِ نَبِيُّنَا حَقٌّ. وَالشَّفَاعَةُ حَقٌّ ، وَالْبَعْثُ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ حَقٌّ. وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَا نُكَفِّرُ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِذُنُوبِهِمْ ، وَنَكِلُ أَسْرَارَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَنُقِيمُ فَرْضَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ مَعَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَزَمَانٍ. وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ ، وَنَسْمَعُ وَنُطِيعُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَنَا وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ، وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ. وَأَنَّ الْجِهَادَ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ مَعَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ. وَالْحَجُّ كَذَلِكَ ، وَدَفْعُ الصَّدَقَاتِ مِنَ السَّوَائِمِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالنَّاسُ مُؤَمَّنُونَ فِي أَحْكَامِهِمْ وَمَوَارِيثِهِمْ ، وَلَا نَدْرِي مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ حَقًّا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ حَقًّا فَهُوَ مُصِيبٌ. وَالْمُرْجِئَةُ وَالْمُبْتَدِعَةُ ضُلَّالٌ ، وَالْقَدَرِيَّةُ الْمُبْتَدِعَةُ ضُلَّالٌ ، فَمَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فَهُوَ كَافِرٌ. وَأَنَّ الْجَهْمِيَّةَ كُفَّارٌ ، وَأَنَّ الرَّافِضَةَ رَفَضُوا الْإِسْلَامَ ، وَالْخَوَارِجَ مُرَّاقٌ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ‌الْقُرْآنَ ‌مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ. وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ مِمَّنْ يَفْهَمُ فَهُوَ كَافِرٌ. وَمَنْ شَكَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَقَفَ شَاكًّا فِيهِ يَقُولُ: لَا أَدْرِي مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ جَهْمِيٌّ. وَمَنْ وَقَفَ فِي الْقُرْآنِ جَاهِلًا عُلِّمَ وَبُدِّعَ وَلَمْ يُكَفَّرْ» ولنا هنا عدة وقفات تجعل استدلاله بهذا الكلام عليه أولا:قول اللالكائي ((. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ‌الْقُرْآنَ ‌مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ. وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ مِمَّنْ يَفْهَمُ فَهُوَ [صفحة 270] كَافِرٌ.))وهذا الكلام حجة عليهم إذ أنهم يكفرون العاذر مطلقا و قد وضع هنا شرطا هو( فهم العاذر) فإن كان كذلك عاد استدلالهم عليهم إذ لو كان ذلك إجماع السلف فهنا إجماع على أن العاذر لا يكفر حتى يفهم الحجة كما هو ظاهر كلام اللالكائي )) ثانيا : قول اللالكائي ((. وَمَنْ وَقَفَ فِي الْقُرْآنِ جَاهِلًا عُلِّمَ وَبُدِّعَ وَلَمْ يُكَفَّرْ» فهذا ينسف دعواهم في عدم عذر جاهل الصفة و إن كان هذا إجماعا فإجماع السلف عليه أيضا فعاد قول اللالكائي عليهم هنا أيضا الثالث أنهم يقولون أن جاهل الصفة الثابته بالفطرة أو العقل يكفر ولا يعذر و يجب عليه الإقرار بتلك الصفات التي يقر بها العقل أو الفطرة حتى ولو لم يصله السمع .لكن ما هو مذهب اللالكائي الذي نسبه لأهل السنة و الجماعة هنا؟. مذهب اللالكائي الذي نسبه لأهل السنة و الجماعة أن اعتقاد صفات الله إنما يثبت بالسمع و يجب بالسمع لا بالعقل ((جاء في اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - (2 / 193) باب جماع توحيد الله عز و جل وصفاته وأسمائه وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باقي سياق ما يدل من كتاب الله عز و جل وما روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل قال الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه و سلم بلفظ خاص والمراد به العام فاعلم أنه لا إله إلا الله [صفحة 271] وقال تبارك وتعالى اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين وقال تبارك وتعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون فأخبر الله نبيه صلى الله عليه و سلم في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد وقال تعالى قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي إنه سميع قريب وقد استدل إبراهيم بأفعاله المحكمة المتقنة على واحدانيته بطلوع الشمس وغروبها وظهور القمر وغيبته وظهور الكواكب وافولها ثم قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فعلم أن الهداية وقعت بالسمع وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع قال الله تبارك وتعالى قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون وقال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تبارك وتعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تبارك وتعالى وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت [صفحة 272] بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما آتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ) (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله عز و جل وهذا مذهب أهل السنة والجماعة )) لا أدري ماذا يقولون في هذا النص حيث دلالته الواضحة على أن وجوب معرفة توحيد الله وصفاته إنما هو بالسمع و نسبة ذلك لأهل السنة والجماعة قال((باب جماع توحيد الله عز و جل وصفاته وأسمائه وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باقي سياق ما يدل من كتاب الله عز و جل وما روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل- ثم قال بعد ذكره الأدلة- فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله عز و جل وهذا مذهب أهل السنة والجماعة )) فإن كان اللالكائي و نقله إجماع أهل السنة و الجماعة حجة فهو هنا حجة بلا شك فلماذا لم يتبعونه [صفحة 273] على هذا هنا و يتبعون مذهب أهل السنة هنا ؟؟؟ فعاد اللالكائي و كلامة حجة عليهم هنا أيضا (وقفة مع العذر في تأويل من انتخب الأقل ضررا) و الكلام هنا يجب تحرير مناطه حتى لا يلتبس على أحد .الكلام هنا على رجل لن يحكم بغير ما أنزل الله ولن يشرع تشريعا غير ما أنزل الله و لن يتحاكم لشريعة غير شريعة الله لكن كل ما هنالك أن هناك أحد مرشحين لا بد لأحدهما من تقلد المنصب أحدهما قريب من الإسلام والاخر معاد له محارب فإن كان هذا المحارب سيعيث في المسلمين قتلا و أسرا و سيوقعهم في حالة الضرورة فهنا تتأتى مسألة الضرورة السابقة التي تم الحديث عنها و إن كان لن يصل الاخر بالمسلمين إلى مرحلة الضرورة و الإكراه لكن بترشيحهم الأقل ضررا سيقدم مصالح للمسلمين و يوسع عليهم فهل يبجوز في هذه الحال ترشيح -فقط ترشيح -الأقل ضررا ولا شك أن هذا الذي يريد اختيار الأقل ضررا لا نية له في أن يحكم هذا الحاكم بغير ما أنزل الله بل كل نيته تقليل الكفر و الظلم وسواء قام هو باختيار او لا سيتم تنصيب حاكم بغير ما أنول الله غالبا ولم يرتكب هذا المنخب الحكم بغير ما أنزل الله و لم يباشره و لم يرض به في بعض البلاد يكون هناك اثنان من المرشَحَين لنيل منصب ما أحدهما شديد الضرر على المسلمين و الاخر هين لو تقلد المنصب شديد الضرر هذا لنكل بالمسلمين و الاخر مع ارتكابه للكفر بالحكم بغير ما أنزل الله إلا أنه أقل ضررا و مسالم مع المسلمين كالنجاشي مثلا في بداية أمره قبل أن يسلم فهل يجوز والحال كذلك أن يرشح المسلمون الأقل ضررا ينظر البعض إلى هذه المسألة من وجهة نظر أن من يفعل ذلك فسيكون بفعله ذلك معينا على الحكم بغير ما أنزل الله الذي هو كفر أكبر فيكون من انتخب كافرا أيضا لإعانته على الكفر ولم يعذروه بجهله لإمكانية العلم لديه . لكن هناك و جهة نظر أخرى هنا وهي أن المنتخب ما أراد بفعله عون الكافر على كفره بل أراد ما عنده من الرفق بالإسلام و أهله و تقليل الكفر و أحب أن أضرب هنا مثلا لتوضيح هذا الأمر إذا كان هناك كفتي ميزان في أحدهما ورقة مكتوب فيها اية من القران و الكفة الأخرى فيها مصحف كامل و تحت هذا الميزان ماء نجس ووجدنا فريقين من الناس أحدهما متشبث بالكفة التي فيها المصحف لينزله إلى أسفل ليجعله يغطس في وحل الماء النجس و الاخرون متشبثون بالكفة الأخرى ليجعلوها إلى أسفل في وحل الماء المتنجس . لا شك أن الفعلين كليهما كفر لكن بمساعدتنا لأهل كفة الاية سننقذ المصحف كاملا من السقوط في الوحل النجس لأننا بمقدار ما نساعد في إنزال كفة الاية ترتفع اية المصحف فهنا لا شك أن من ساهم في تنزيل كفة الاية الى الوحل النجس بنية انقاذ المصحف لا نية له ابدا في تنجيس هذه الاية لكن لما تزاحم المحرمين اختار الحرام الأقل فالذي يراه الباحث جواز مثل ذلك لعدة أمور منها أنك قد تعين شخصا كافرا لسبب ما شرعي و هذا النوع من الإعانة يكون مقصودك به مقصودا شرعيا و إن كان هذا النوع من الإعانة سيؤدي إلى استبقاء هذا الكافر ووجوده فترة أطول و بالتالي و جود ما يفعله من الكفر و استمراره لكن أنت هنا لا تريد استبقاء الكفر ولا وجوده ولا استمراره وما قصدت من عونك له إلا أمرا شرعيا و إن كان سيؤدي إلى استبقاء كافر و استمرارية وجوده في الحياة و بالتالي استمرارية كفره كفره لكن لما كان ذلك غير مقصود لك فلا تلام عليه بل قد يكون هذا الأمر واجبا فعله و أضرب لذلك أمثله (إعطاء الكافر الطعام فقد صح في البخاري أمر الصحابة بجمع الطعام للمرأة المشركة صاحبة المزادة – وثبت قوله لأرحامه الكفار إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها –وثبت أن الصحابة كاتوا يكرهون أن يعطواالمال لأقربائهم من المشركين فأنزل الله( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) و كذلك استبقاء أهل الكتاب بالجزية و بالتالي استبقاء كفرهم كذلك جواز المن على المشرك كما قال تعالى (فإما منا بعد ) ومَنُّهُ صلى الله عليه و سلم على ثمامة ابن أثال و إطلاق سراحه وكان سيدا في بني حنيفة ولا شك أنه كان يحكمهم بغير الشرع وبهذا [صفحة 274] المن ربما كان سيستمر هذا الحكم بغير ما أنزل الله كذلك ما ثبت في البخاري من قول الرسول صلى الله عليه وسلم(وسلم قال في أسارى بدر: «‌لو ‌كان ‌المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» فهنا كان سيطلق النبي سادات من سادات قريشولا شك أ ن هذا سيؤدي إلى احتمالية استمرارية كفرهم كذلك إعطاء المؤلفة قلوبهم على رأي من قال أن المشركين الذين يرجى دخولهم في الإسلام يعطون من الزكاة –و كذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الله لقريش أن يرفع الله عنهم القحط و كانوا مشركين محاربين كما في البخاري فارتفع القحط و قد استعان بالله على هذا ولا شك أنهم استمر كفرهم بعدها و حكمهم بالكفر و صدهم عن سبيل الله حتى فتح الله مكة من بعد فكان في استبقاء هؤلاء استبقاء كفرهم لكن هذا لم يكن مراد رسول الله قطعا من دعائه لهم كذلك إخباره عليه السلام أننا سنصالح الروم صلحا و إقراره ذلك ولا شك أن في هذا الصلح استبقاء الروم و استبقاء كفرهم كذلك صلح الحديبية لا شك أنه كان فيه استبقاء حكم الكفار في مكة و عدم مناجزتهم لكن لما كان هناك مصلحة أرجح قدم الصلح .كذلك فرح المسلمون بانتصار الروم على الفرس ولا شك أن في هذا توطيد حكم الروم الكفري لكن لما كان هذا الحكم أقل مفسدة على الإسلام من حكم غيرهم فرحوا بذلك ولا يقول أحد أنهم فرحوا بالكفر بل فرحوا بقلة الكفر الصادر من الفرس نتيجة لهزيمتهم (مسألة إعانة المسلم لكافر على كافر اخر في القتال ) و اتعرض هنا لمسألة و هي إعانة مسلم كافرا في قتاله ضد كافر اخر و هذه المسألة فيها يقاتل المسلم مع كافر ضد ككافر اخرلتحقيق [صفحة 275] مصلحة ما أو لدفع ضرورة ما و المسألة المطروحة هي أشد من المسألة التي نناقشها هذا لأن المسلم في مسألة القتال سيعرضه للتلف أو لفقد عضو و مشقة شديدة ولا يتقاتل الناس إلا ليكون حكمهم هو النافذ و كلمته هي العليا ولا شك أن المسلم إذا أعان كافرا في قتاله فإنه بذلك يساعده على توطيد ملكه و بالتالي الحكم بغير ما أنزل الله لكن المسلم لا يقصد ذلك بالطبع بل قد يكون له مصالح في ذلك مثل مصلحة المال أو مصلحة إحداث نكاية في عدو أفجر أو لدفع ضرر عن نفسه كأن يكون أسيرا عندهم فيقاتل معهم ليطلقوه و أنا هنا لست بصدد ترجيح قولا في هذه المسألة إنما أسوقها لبيان أن العلماء حتى في أدنى مراتب هذا العون للكافر كرجل أعان كافرا على كافر اخر فقط لمصلحة المال لم يذهب أحد منهم أن هذا الفعل كفر مع أن مؤداه تمكين لملك كافر و حكمه بغير ما أنزل الله لكن لما كانت المسألة في دفع كفر بكفر، و أحدهما واقع ولابد إن شاء الله، و لم يكن للمسلم قصد أبدا في أن يحكم الكافر الغالب بغير ما أنزل الله لأن في كلا ال و لم أجد من قال بتكفيره من العلماء بل بعضهم جوز له ذلك فقط رجاء المال على الرغم من أن هذه المسألة يكتنف المسلم فيها من التغرير بالنفس وتعريض نفسه للخطر ما ليس موجودا في حالة التصويت للأقل ضررا لدفع الأكثر ضررا و كان هذا التغرير بالنفس هو المانع وحده لفريق من الفقهاء من العون لهم مقابل المال فقط و ليس لضروره والتغرير بالنفس غير متصور في مسألة التصويت للأقل ضررا بلا شك مما يجعل تخريج مسألة التصويت على قولهم هذا لا شيئ فيها إذا كانت لتحقيق مصلحة و دفع مضرة عن المسلمين. [صفحة 276] و أعرض هنا لهذه الأقوال وقد استفدت فيها من كاتب يدعى عبد العزيز التميمي أولا أنْ تكون يدُ الكافرين هي الغالبةُ والمسلمُ تابعٌ لهم، فهلْ يجوزُ للمسلمِ أنْ يقاتلَ معهم ضدَّ كافرين آخرين مِن أجلِ المالِ ونحوِه؟ تحريرُ محلِّ النِّزاعِ. اختلف العلماءُ في جوازِ الانضمامِ في جيشِهم والقتالِ معهم ضدَّ كافرين آخرين؛ مِن أجلِ أطماعٍ دنيويةٍ، كطلبِ مالٍ ونحوِه، فقد اختلفوا فيها على أربعةِ أقوالٍ: القولُ الأولُ: تحريمُ القتالِ معهم، وهو مذهبُ مالكٍ جاء في «المدونة» (1/ 518): «قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُسَارَى فِي بِلَادِ الشِّرْكِ أَوْ تُجَّارًا اسْتَعَانَ بِهِمْ صَاحِبُ تِلْكَ الْبِلَادِ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ نَاوَءُوهُ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، أَتَرَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْأُسَارَى يَكُونُونَ فِي بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَيَسْتَعِينُ بِهِمْ الْمَلِكُ عَلَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ عَدُوَّهُ وَيُجَاءُ بِهِمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُقَاتِلُوا عَلَى هَذَا وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ‌يُقَاتَلُ ‌النَّاسُ ‌لِيُدْخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ الشِّرْكِ، فَأَمَّا أَنْ يُقَاتِلُوا الْكُفَّارَ لِيُدْخِلُوهُمْ مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْكُفْرِ وَيَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي وَلَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسْفِكَ دَمَهُ عَلَى هَذَا» جاء في((«النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات» (14/ 551): «ولو استعانوا بهم المشركون على قتال عدو لهم لم ينبغ أن يعينوهم، إلا أن ‌يغير ‌عليهم ‌بعض أهل الشرك ويسبوهم فيخاف المسلمون على أنفسهم من ذلك، فلا بأس أن يقاتلوا حينئذ مع الذين هم معهم»ويلاحظ هنا أن المذهب المالكي ذهب للجواز القتال مع كافر ضد اخر إذا خافوا السبي و يلاحظ في مسألة التصويت للأقل ضررا كثيرا ما يلجأ لها المسلمون خوف الأسر و السجن فهي داخلة هنا عن طريق الأولى [صفحة 277] القولُ الثانيْ:يُكرهُ القتالُ في صفوفِهم ، وهو مذهبُ الحنفيةِ، والشافعيةِ، وغيرِهم. قال محمَّدُ بنُ الحسنِ:(وإن كان حكم أهل الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا مع أهل الشرك إلا أن يخافوا على أنفسهم فيدفعون عنها)[42].السير الصغير جاء في(«اختلاف العلماء للطحاوي - اختصار الجصاص» (3/ 428):«‌‌ فِي الِاسْتِعَانَة بالمشركين قَالَ أَصْحَابنَا لَا بَأْس بالاستعانة بِأَهْل الشّرك على قتال الْمُشْركين إِذا كَانَ حكم الْإِسْلَام هُوَ الْغَالِب الْجَارِي عَلَيْهِم ‌وَإِنَّمَا ‌يكره ‌الِاسْتِعَانَة بهم إِذا كَانَ حكم الشّرك الظَّاهِر وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا أكره أَن يستعان بهم وَقَالَ ملك لَا أرى ان يستعينوا بهم إِلَّا أَن يَكُونُوا خدما قَالَ أَبُو جَعْفَر قَالَ الله سُبْحَانَهُ ( {لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم} وَقَالَ ( {وَمَا كنت متخذ المضلين عضدا}»وروى مَالك بن انس عَن الفضيل بن أبي عبد الله عَن عبد الله بن نيار الْأَسْلَمِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة قَالَت خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل بدر فَلَمَّا كَانَ بحرة الْوَبرَة أَتَاهُ رجل فَقَالَ قد جئْتُك لأتبعك وَأُصِيب مَعَك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أتؤمن بِاللَّه وَرَسُوله قَالَ لَا قَالَ فَارْجِع فَلَنْ نستعين بمشرك فَعَاد الرجل إِلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَهُ ذَلِك قَالَ فَرجع فأدركه بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أول مرّة أتؤمن بِاللَّه وَرَسُوله فَقَالَ نعم فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَانْطَلق قَالَ أَبُو جَعْفَر هَذَا يدل على أَنه كَانَ من عَبدة الْأَوْثَان لِأَنَّهُ دَعَاهُ إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه وَأهل الْكتاب يُؤمنُونَ بِاللَّه وَرُوِيَ عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد فَرَأى كَتِيبَة خشناء فَقَالَ من هَؤُلَاءِ فَقَالُوا بني قينقاع وهم رَهْط عبد الله بن [صفحة 278] سَلام فَقَالَ أَسْلِمُوا فَأَبَوا قَالَ لَهُم فَارْجِعُوا فَإِنِّي لَا أستعين بالمشركين على الْمُشْركين وَهَذَا يدل على أَن أهل الْكتاب وَعَبدَة الْأَوْثَان فِي منع الِاسْتِعَانَة بهم سَوَاء وَقد رُوِيَ أَنه لما بلغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمع أبي سُفْيَان ليخرج إِلَيْهِ يَوْم أحد انْطلق إِلَى بني النَّضِير وهم يهود فَقَالَ لَهُم فإمَّا قاتلتم مَعنا وَإِمَّا أعرتمونا سِلَاحا قَالَ أَبُو جَعْفَر وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لضَرُورَة دعت إِلَيْهِ وَقد رُوِيَ أَن صَفْوَان بن أُميَّة شهد حنينا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ مُشْرك قَالَ مَالك لم يكن بِأَمْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)) [44] جاء في الأم«الأم للشافعي» (4/ 256): «وَلَوْ أُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَعَانَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مُشْرِكِينَ مِثْلِهِمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ فَقَدْ قِيلَ يُقَاتِلُونَهُمْ وَقِيلَ قَاتَلَ الزُّبَيْرُ وَأَصْحَابٌ لَهُ بِبِلَادِ الْحَبَشَةِ مُشْرِكِينَ عَنْ مُشْرِكِينَ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ الْقِتَالِ مَعَهُمْ وَدِمَاءُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ مُبَاحَةٌ بِالشِّرْكِ .وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ قِتَالُهُمْ حَرَامٌ لِمَعَانٍ مِنْهَا أَنَّ وَاجِبًا عَلَى مَنْ ظَهَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَغَنِمَ فَالْخُمُسُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْبُلْدَانِ وَهَذَا لَا يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى أَنْ يَكُونَ الْخُمُسُ مِمَّا غَنِمَ لِأَهْلِ الْخُمُسِ لِيُؤَدِّيَهُ إلَى الْإِمَامِ فَيُفَرِّقَهُ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ إنْ قَاتَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ فَأَعْطَوْا الْجِزْيَةَ أَنْ يَحْقِنُوا دِمَاءَهُمْ وَهَذَا إنْ أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ حَتَّى يَحْقِنُوا دِمَاءَهُمْ كَانَ مَذْهَبًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْرِهُوهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ كَانَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا وَلَا نَعْلَمُ ‌خَبَرَ ‌الزُّبَيْرِ ‌يَثْبُت وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ النَّجَاشِيُّ مُسْلِمًا كَانَ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ويلاحظ هنا أن الشافعي نقل الخلاف إذا لم تكن هناك ضرورة للقتال مع كافر ضد كافر فمن ذهب للجواز قال أن الأصل إباحة قتال هؤلاء المشركين و إباحة ؟اموالهم فمن قاتل مع مشرك ضد مشرك فقد فعل ما هو مباح له ومن ذهب لعدم الجواز استدل بأنه لن يستطيع المسلمون إدارة الحرب فيقسموا الغنيمة قسمة شرعية و يكفوا عن من دفع الجزية و غير ذلك لأنهم سيكونون تحت غلبة الكفار .ثم خلص [صفحة 279] الشافعي إلى كراهة القتال إلا في حالة الإكراه فيجوز و لهذا فمسألة التصويت للأقل ضررا للضرورة داخلا هنا عن طريق الأولى القولُ الثالثُ:التوقف، وهذا مذهب أحمد بن حنبل. مسائل الإمام أحمد رواية ) في«الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقه» (8/ 569): «((الأسير يُطلب منه أن يقاتل في صف العدو بالمقابل)) قال أبو داود: قلت لأحمد: لو نزل ‌عدو ‌بأهل قسطنطينية فقال الملك للأسراء: اخرجوا فقاتلوا وأعطيكم كذا وكذا؟ قال: إن قال لهم: أخلي عنكم فلا بأس رجاء أن ينجو. قلت: فإن قال: أعطيكم وأحسن إليكم؟ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا" (1) لا أدري. "مسائل أبي داود" (1590) نقل نعيم بن ناعم عنه، وسألت أحمد عن أسير في أيدي العدو، فجاء العدوَّ عدوٌّ لهم، يقاتل معهم؟ قال: إن خاف على نفسه أو قالوا له بأن قاتلت معنا نخلي سبيلك، يُقاتل معهم. قلت: لم يخف، ولم يقولوا له: نخلي سبيلك؟ قال: في نفسي منه شيء. "طبقات الحنابلة" 2/ 496 – 497 ويلاحظ أن الإمام أحمد أجاز القتال معهم إذا كانوا سيخلون سبيلة مع ما هو موجودغالبا في القتال معهم من التمكين لحكم الكفر وذلك أيضا ببذل دماء المسلم لكن لما كان هناك مصلحة له في فك أسره و هي حالة إكراه كذلك لإباحة قتال و قتل الكافرالحربي الأصلي أصلا فأجاز له ذلك و السؤال هنا [صفحة 280] أليس مساعدة كافر أقل ضررا لفك أسرى المسلمين أو عدم قتلهم وسجنهم بالتصويت له أقل ضررا ولكن لا بد هنا في هذه المسألة التبيين للناس أن هذا التصويت له ليس لكي يحكم بما أنزل الله و لكن سبب التصويت تقليل الضرر عن المسلمين و فك أسرهم و الكف عن قتلهم وذلك حتى لا يظن الناس أن هذا التصويت جائز شرعا ابتداء فإن قيل أنه ؤبما يرا ه أحد فيظن الفعل جائزا قلت و نفس المحذور موجود في من قاتل في جيش المشركين و مع ذلك أباح له أكثر العلماء افتكاك نفسه بهذه الطريقة كذلك أباحو التلفظ بالكفر الصريح في حالة الإكراه لذاوجب تنبيه الناس أن هذا التصويت ما هو إلا لرفع حالة الضرورة فقط مع بيان حكم الله في هذه المسائل و الله أعلم ونقل أبو طالب عنه في أسير لم يشترطوا إطلاقه ولم يخفهم: لا يقاتل معهم بدونه. "الفروع" 6/ 206 (1) رواه الإمام أحمد 4/ 392، والبخاري (123)، ومسلم (1904) من حديث أبي موسى الأشعري» قال ابنُ مفلحٍ:(ونُحرِّم إعانتهم على عدوهم إلا خوفاً، وتوقف أحمد في أسير لم يشرطوا إطلاقه ولم يخفهم, ونقل أبو طالب: لا يقاتل معهم بدونه)[46]. الفروع(10/ 248( . . القولُ الرابعُ: جوازُ ذلك، جاء في «اختلاف العلماء للطحاوي - اختصار الجصاص» (3/ 454): «فِي الْمُسْتَأْمن الْمُسلم يُقَاتل مَعَ المشتركين قَالَ أَصْحَابنَا لَا يَنْبَغِي أَن يقاتلوا مَعَ أهل الشّرك لِأَن حكم الشّرك هُوَ الظَّاهِر وَهُوَ قَول مَالك [صفحة 281] وَقَالَ الثَّوْريّ ‌يُقَاتلُون ‌مَعَهم(يلاحظ هنا أن الثوري أجاز ذلك مطلقا ) وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا يُقَاتلُون إِلَّا أَن يشترطوا عَلَيْهِم إِن غلبوا أَن يردوهم إِلَى دَار الْإِسْلَام وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ قَالَ أَبُو جعفر الْقِتَال الَّذِي دَعَاهُ وَلَاؤُه إِلَى الْمُسلمين هُوَ قتال تَحت »راية الْكفْر وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنا بَرِيء من كل مُسلم مَعَ مُشْرك لَا يتَرَاءَى ناراهما وروى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لرجل من الْمُشْركين جَاءَ يبايعه وَيُقَاتل مَعَه وَهُوَ مُشْرك فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرجع فَلَنْ نستعين بمشرك 2 وَأَيْضًا فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَأْمر يالقتال على شَرَائِط أَحدهَا الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام ثمَّ قَالَ فَإِن فَأَبَوا فادعهم إِلَى إِعْطَاء الْجِزْيَة فَإِن اجابوك فاقبل مِنْهُم وَإِن أَبَوا فَقَاتلهُمْ فَإِن قيل روى أَن الزبير قَاتل بِالْحَبَشَةِ مَعَ النَّجَاشِيّ عدوا آخر قبل لَهُ النَّجَاشِيّ كَانَ مُسلما وَأَيْضًا فَلم يذكر فِيهِ قتال وَإِنَّمَا ذهب يعرف خبرهم فَأخْبر الْمُهَاجِرين)) وقد نوقش دليل الطحاوي في قوله أن إعانة الكافر على الكافر تدخل تحت حديث (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني مشركين بالاتي الوجهُ الأولُ:أنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ، والأئمةُ يُعِلُّونه بالإرسالِ كأحمدَ، والبخاريّ[51]، وأبي حاتمٍ[52]، والدارقطنيّ[53]، والبيهقيّ[54]، وغيرِهم. لكن الباحث يرى صحة هذا الحديث ، ولم يزلْ الأئمةُ يحتجُّون به وبأمثالِه على النهي عن الإقامةِ بين ظهراني الكافرين. الوجهُ الثانيْ:أنَّ القتالَ معهم لا يستلزمُ الإقامةَ، وأغلبُ أحوالِ الجيوشِ السفرُ، ومَنْ سافرَ إليهم، وقاتلَ معهم ضدَّ كفَّارٍ آخرين لم يكنْ بذلك مقيماً، وقدْ حَصَلَ بين العلماءِ نزاعٌ في المدَّةِ التي إنْ قضاها، أو نوى ذلك =كان مقيماً، هلْ هِيَ أربعةُ أيامٍ؟، أمْ خمسةَ عشرَ يوماً؟، أم عشرون يوماً؟، أم بحسبِ العرفِ، ولا [صفحة 282] يكفرُ أحدٌ مع وجودِ احتمالٍ، وعامتُهم أنَّ المسافرَ ما لم يعزمْ على الإقامةِ فيقصرُ أبداً فهو غيرُ مقيمٍ؛ وبهذا تكونُ كثيرٌ مِن الصورِ لم يتناولْها النهيُ في الحديثِ. الوجهُ الثالثُ:أنَّ الحديثَ فيمَنْ أقامَ بين ظهراني المشركين مختاراً، ولا يتناولُ مَنْ ذهبَ إليهم خائفاً مِن ظلمٍ ونحوِه، أو مَنْ لا يستطيعُ ذلك لمشاكلِ الجنسيةِ ونحوِها، ومَنْ كان معذوراً بإقامتِه لم يتناولْه النهيُ في قتالِه مع المشركين عندئذٍ، أيْ: أنَّه يجوزُ له الإقامةُ بين ظهرانيهم؛ لما ذكرنا؛ فإنْ أعانهم بعد ذلك ودَخَلَ في جيشِهم وقاتلَ معهم؛ لغرضِ المالِ لم يتناولْه حديثُ النهيِ! الوجهُ الرابعُ:أنَّ السلفَ-الذين لم يُعرفْ عنهم بدعةٌ-لم يتنازعوا أنَّ الإقامةَ بين ظهراني المشركين اختياراً ليستْ كفراً؛ وبدليلِ إجماعِهم على التوارثِ بين المهاجرِ وغيرِ المهاجرِ، ومعلومٌ أنَّ الكافرَ لا يرثُ مِن المسلمِ، قال الحارثُ المحاسبيُّ[56]:(فأجمعوا أن الآية الأولى منسوخة، وأن الله-جل ثناؤه-أثبت الميراث بالقرابة للمؤمنين لا بالهجرة)[57].ثم قال:(فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة فكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه، فنسخ ذلك "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين")[58]، وقدْ أوجبَ اللهُ نُصرةَ مَنْ لم يهاجرْ إنْ استنصرونا في الدين، فقال تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلَايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). . الوجهُ الخامسُ:أنَّ أهلَ العلمِ فسَّروا هذا الحديثَ بِعدَّةِ تفسيراتٍ لا يلزمُ منها كفرُ مَنْ أقامَ بين أظهرِ المشركين، وهيَ كالآتي: التفسيرُ الأولُ:أيْ: بَرِيءَ من ديته، ومِن القصاصِ مِن فاعلِه، قال الشافعيُّ:(إن كان هذا يثبت فأحسب النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى من أعطى منهم متطوعا وأعلمهم أنه بريء من كل مسلم مع مشرك والله أعلم في دار الشرك ليعلمهم أن لا ديات لهم ولا قود)[59]، وقال ابن حزم:(أنه جان على نفسه بذلك، فإن قتله من لا يدري أنه مسلم فلا قود، ولا دية، إنما فيه الكفارة فقط؛ بنص القرآن)[60]. التفسيرُ الثانيْ:أنَّه يحتملُ أنَّ معنى الحديثِ البراءةُ مِن ولايتِهم التي هي الميراث، وهيَ مِن جِنْسِ معنى قولِه تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلَايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)، وأجمعَ العلماءُ أنَّ المقصودَ بها الميراثُ، ولكنَّها نُسِختْ.[61] [صفحة 283] التفسيرُ الثالثُ:أنَّه بَرِيءَ مِن حِمايةِ دمِ أيْ مسلمٍ يقيمُ بين أظهرِ المشركين مختاراً؛ لأنَّه هو الجانيْ على نفسِه، أو لأنَّ الأحكامَ تابعةٌ للدارِ كما هو مذهبُ الحنفيةِ، قال الجصاصُ:(لا قيمة لدمه كأهل الحرب الذين لا ذمة لهم)[62]. ويناقشُ:أنَّ اللهَ أوجبَ نُصرتَهم إنْ استنصروهم في الدينِ، فقال تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلَايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، ونصرتُهم فرعٌ عن ثبوتِ إسلامِهم ظاهرا! التفسيرُ الرابعُ:أنَّه محمولٌ على معنى البراءةِ مِن إقامتِه وفعلِه، لا البراءة مِن المقيمِ نفسِه؛ نظيرَ قولِه:(من حمل علينا السلاح فليس منا)، و(من غشنا فليس منا) ونظائر ذلك. التفسيرُ الخامسُ:أنَّ هذا حين كانتْ الهجرةُ فرضاً، لكنَّها نُسِختْ بعدَ فتحِ مكةَ، وهو اختيارُ الكيا الهراسي[63]، والرازي[64]، وغيرُهما. التفسيرُ السادسُ:أنَّه محمولٌ على مَنْ سكنَ في دارِ المشركين، ولم يمكنْه أنْ يُظهِرَ شيئاً مِن دِينه، أو خَشِيَ أنْ يُفتتنَ فيها، فإنَّه بريءٌ مِن مقامِه بينهم، ويجبُ عليه الهجرةُ، وأنَّه إذا أَمِن فإقامتُه في دارِهم مكروهةٌ، وقد أشارَ إلى هذا الماوردي[65]، وقال الشافعيُّ:(ودلَّت سُنَّة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على أنَّ فرضَ الهجرةِ على من أطاقها، إنما هو على من فُتِنَ عن دينِه بالبلد الذي يَسلَمُ بها؛ لأن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم، فيهم العباس بن عبد المطلب، وغيره؛ إذا لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم:إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين، وإن أقمتم فأنتم كأعراب المسلمين، وليس يُخيرهم إلا فيما يحلُّ لهم)[66]. التفسيرُ السابعُ:أنَّه برِئ ممن لِحقَ بالكفَّارِ محارباً للمسلمين، قال ابنُ حزمٍ:(من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك، لأن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لم يبرأ من مسلم)[67]. ومع تعدد هذه الاحتمالات لا يمكن القول بدخول من عاون المشرك على المشرك في القتال تحت هذا الحديث و بالتالي لا يدخل المصوت للأقل ضررا الذي هو غالبا عاجز عن الهجرة و إن كان قادرا فإلى أين يهاجر و قد عم العالم الحكم بغير ما أنزل الله إلا بقاعا قليلة و الله أعلم [صفحة 284] جاء «الأم للشافعي» (4/ 256): جاء في «شرح السير الكبير» (ص1422): [بَابُ الِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ وَاسْتِعَانَةِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ] . 2754 - ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الزُّبَيْرِ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، حِينَ كَانَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَنَزَلَ بِهِ عَدُوُّهُ فَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ بَلَاءً حَسَنًا. فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ بِهَا مَنْزِلَةٌ حَسَنَةٌ، فَبِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يُجَوِّزُ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ تَحْتَ رَايَتِهِمْ، وَلَكِنْ تَأْوِيلُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ عِنْدَنَا أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ مُسْلِمًا يَوْمَئِذٍ، كَمَا رُوِيَ، فَلِهَذَا اسْتَحَلَّ الزُّبَيْرُ الْقِتَالَ مَعَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مَلْجَأٌ غَيْرُهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، قَالَتْ: لَمَّا اطْمَأْنَنَّا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَكُنَّا فِي خَيْرِ دَارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، نَعْبُدُ رَبَّنَا إلَى أَنْ سَارَ إلَى النَّجَاشِيِّ عَدُوٌّ لَهُ، فَمَا نَزَلَ بِنَا قَطُّ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْهُ، قُلْنَا: إنْ ظَهَرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ، فَأَخْلَصْنَا الدُّعَاءَ إلَى أَنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قُلْنَا: مَنْ رَجُلٌ يَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا فَنَفَخَ قِرْبَةً ثُمَّ رَكِبَهَا حَتَّى عَبَرَ النَّهْرَ، وَالْتَقَى الْقَوْمَ، وَحَضَرَ الزُّبَيْرُ مَعَهُمْ، وَجَعَلْنَا نُخْلِصُ الدُّعَاءَ إلَى أَنْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ فِي النِّيلِ يُلِيحُ بِثَوْبِهِ، أَلَا أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَظْهَرَ النَّجَاشِيَّ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَأَهْلَك عَدُوَّهُ، قَالَتْ: فَأَقَمْنَا عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ. فَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ صِحَّةُ التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا.) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وفي الجملةِ:لم أرَ بعدَ البحثِ والتفتيشِ في أقوالِ السلفِ غيرَ هذه الأقوالِ الأربعةِ، وليس في واحدٍ منها إكفارُ مَنْ انضمَّ معهم في جيشِهم وقاتلَ معهم ضدَّ كافرين آخرين مِن أجلِ المالِ ونحوِهِ؛ [صفحة 285] المسألة الثالثة:أنْ تكون يدُ الكافرين هِيَ الغالبةُ، والمسلمُ لهم تبعٌ، فهلْ يجوزُ للأسيرِ المسلمِ-الذي لا يخشى على نفسه الافتتان في الأسر- أنْ يقاتلَ معهم ضدَّ كافرين آخرين مِن أجلِ إطلاقِ أسرِه؟ اختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين: القولُ الأولُ:المنعُ مِن القتالِ معهم، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ومذهبُ مالكٍ، وظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ. قال محمدُ بنُ الحسنِ:(وإن كان حكم أهل الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا مع أهل الشرك إلا أن يخافوا على أنفسهم فيدفعون عنها)[86]. السير الصغير(249) جاء في «السير الصغير ت خدوري» (ص249): «وَسَأَلته عَن الْمُسلمين يستعينون بِأَهْل الشّرك على أهل الْحَرْب هَل ترى بذلك بَأْسا وَهل لَهُم سهم فِي الْغَنِيمَة قَالَ لَا بَأْس بِأَن يستعان بهم إِذا كَانَ الحكم حكم أهل الْإِسْلَام وَهُوَ القاهر الْغَالِب فَلَا بَأْس بِأَن يستعان بِأَهْل الشّرك وَإِن كَانَ حكم أهل الشّرك هُوَ الْغَالِب فَلَا يَنْبَغِي للْمُسلمين أَن يقاتلوا مَعَ أهل الشّرك إِلَّا أَن يخَافُوا على أنفسهم ‌فيدفعون ‌عَنْهَا وَقَالَ لَيْسَ لأهل الشّرك سهم وَلَكِن يرْضخ لَهُم» )جاء في(شرح السير الكبير ) وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ لِأُسَرَاءَ فِيهِمْ قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ لَا يَخَافُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مَعَهُمْ. لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِتَالِ ‌إظْهَارَ ‌الشِّرْكِ، وَالْمُقَاتِلُ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ فَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى قَصْدِ إعْزَازِ الدِّينِ، أَوْ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ. فَإِذَا كَانُوا يَخَافُونَ أُولَئِكَ الْآخَرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْآنَ شَرَّ الْقَتْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. فَإِنَّهُمْ يَأْمَنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَأْمَنُونَ الْآخَرِينَ إنْ وَقَعُوا فِي أَيْدِيهِمْ، فَحَلَّ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ. 2973 - وَإِنْ قَالُوا: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا لَهُمْ. [صفحة 286] لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْآنَ أَشَرَّ الْقَتْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَقَتْلُ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ حَلَالٌ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَا هُوَ حَلَالٌ، عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ، وَرُبَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ كَمَا فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ ...... وَلَوْ قَالُوا لِلْأُسَرَاءِ: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ آخَرِينَ، عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ إذَا انْقَضَتْ حَرْبُنَا لَوْ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ. لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ بِهَذَا الْأَسْرِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا دُونَ مَا إذَا كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَمَا يَسَعُهُمْ الْإِقْدَامُ هُنَاكَ، فَكَذَلِكَ يَسَعُهُمْ هَا هُنَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسَعُهُمْ هَذَا وَفِيهِ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؟ لِأَنَّهُمْ إذَا ظَفِرُوا بِعَدُوِّهِمْ فَآمَنُوا جَانِبَهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَرُبَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ فَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قُلْنَا: ذَلِكَ مَوْهُومٌ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ الْآنَ مِنْ النَّجَاةِ عَنْ أَسْرِ الْمُشْرِكِينَ بِهَذَا الْقِتَالِ مَعْلُومٌ، فَيَتَرَجَّحُ هَذَا الْجَانِبُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا مِنْ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُفَادِيَهُمْ بِأَعْدَادِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ لِتُخَلِّصَهُمْ بِهِ مِنْ الْأَسْرِ وَإِنْ كَانُوا يَتَقَوَّوْنَ، بِمَا يَأْخُذُونَ، عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ قَالُوا: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ نُخَلِّيَكُمْ فِي بِلَادِنَا وَلَا نَدَعَكُمْ تَرْجِعُونَ إلَى أَهْلَيْكُمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ ...... لِأَنَّهُمْ إنْ كَانُوا آمَنِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا يَخَافُونَ مِنْ جَانِبِهِمْ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مَحْبُوسِينَ فِي بِلَادِهِمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونُوا فِي سُجُونِهِمْ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهَيْنِ يَلْحَقُهُمْ هَمٌّ بِالِانْقِطَاعِ عَنْ أَهَالِيِهِمْ، وَعَنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا لِإِظْهَارِ حُكْمِ الشِّرْكِ، بِدُونِ مَنْفَعَةٍ ظَاهِرَةٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. - وَإِنْ كَانُوا فِي ضُرٍّ وَبَلَاءٍ، يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْهَلَاكَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ الْمُشْرِكِينَ، إذَا قَالُوا نَخْرُجُكُمْ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْقِتَالِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ دَفْعُ الْبَلَاءِ وَالضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ)) فانظر رحمك الله على الرغم من تشدد الأحناف في المنع إلا أنهم أجازوا نصرة كافر على كافرببذل الدماء و الأشلاء لدفع البلاء و الضر عن أنفسهم و كم من ضرو بلاء نزل بالمسلمين من حكام ظالمين احتاجو فيه إلى التصويت فقط دون قتال للأقل ضررا و الله أعلم [صفحة 287] القولُ الثانيْ:أنَّ القتالَ في صفوفِهم مباحٌ؛ لافتكاكِ نفسِه مِن الأسرِ، وهذا مذهبُ الأوزاعيِّ، والثوريِّ، وأحمدَ ابنِ حنبلٍ. قال الأوزاعيُّ:(لا يقاتلون إلا أن يشترطوا عليهم إن غلبوا أن يردوهم إلى دار الإسلام)[95]. مختصر اختلاف العلماء(3/ 454) وقال الثوريُّ:(يقاتلون معهم)[96]. مختصر اختلاف العلماء (3/ 454) وقال أبوداودُ:(قلت لأحمد: لو نزل عدو بأهل قسطنطينية، فقال الملك للأسرى: اخرجوا فقاتلوا، وأعطيكم كذا وكذا؟ قال: إن قال لهم: أخلي عنكم فلا بأس رجاء أن ينجوا)[97]. مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (332) . الترجيح:يظهرُ للباحثِ رجحانَ القولِ الثانيْ، وأنَّه لا دليلَ يمنعُ مِن قتالِه معهم مِن أجلِ إطلاقِه مِن الأسرِ؛ وعليه لا يكون القتالُ معهم في هذه المسألةِ مِن الموالاةِ لهم. والله أعلم. جاء في «المحلى بالآثار» (11/ 356): وَإِنْ أَمْكَنَنَا أَنْ نَضْرِبَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْكُفَّارِ، حَتَّى يُقَاتِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَدْخُلَ إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَتَوَصَّلُ بِهِمْ إلَى أَذَى غَيْرِهِمْ، بِذَلِكَ حَسَنٌ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ هَذَا الدِّينَ بِقَوْمٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ رَاشِدٍ ثنا أَبُو الْيَمَانِ نا شُعَيْبٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ نا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» ويلاحظ أن رأي ابن حزم هما جواز الدخول في صفوف المشركين لإحداث نكاية بمشرك اخر و عو قريب الشبه جدا بمسألتنا الحاضرة (ذكر بعض الادلة على هذه المسألة ) [صفحة 288] جاء في مسند أحمد حدثنا محمد بن مصعب هو القرقساني، قال: حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن ذي مخمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ‌تصالحون ‌الروم ‌صلحا آمنا، وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائهم، فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم رجل (1) من الروم، فيرفع الصليب، ويقول: ألا غلب الصليب، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فعند ذلك تغدر الروم وتكون الملاحم، فيجتمعون (2) إليكم، فيأتونكم في ثمانين غاية، مع كل غاية عشرة (3) ولا شك أن في الصلح مع الروم هذا فيه تقوية لحكمهم الكفري كذلك قتال عدوهم فيه التمكين لهم لكن كل هذه المفاسد مفاسد متوهمه غير مراده للمسلمين بالطبع من المسلمين لكن إرادتهم دفع ضرر هذا العدو الاخر الاكبر و هو قريب جدا من مسألتنا الحاضرة = قال السندي: قوله: "آمنا"، أي: ذا أمن، فالصيغة للنسبة، أو جعل "آمنا" على النسبة المجازية. قوله: "ثم تغزون وهم"، أي: أنتم وهم، كما في الرواية الآتية. قوله: "عدوا" بالنصب، أي: تجتمعون على قتال العدو، ولمكان الصلح. قوله: "وتسلمون"، من السلامة. قوله: "بمرج": الموضع الذي ترعى فيه الدواب. قوله: "تلول" بضمتين، وخفة لام: جمع تل- بفتح- كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل. قوله: "غلب الصليب"، أي: دين النصارى قصدا لإبطال الصلح، أو لمجرد الافتخار وإيقاع المسلمين في الغيظ، والله تعالى أعلم. في (م) : فيقوم إليه رجل، بزيادة: إليه. (دليل اخر )ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: «‌لو ‌كان ‌المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له»رواه البخاري ولا شك أن في إطلاقه عليه السلام سبعين أسيرا من المشركين فيه تقوية لهم لكن هذا بالطبع لم يكن مرادا للنبي صلى الله عليه و سلم و الظاهر و الله اعلم أنه صلى الله عليه و سلم كان يريد رد الجميل للمطعم ابن عدي (دليل اخر ) عن ابن مسعود، قال: إن قريشا أبطئوا عن الإسلام، «فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام»، فجاءه أبو سفيان، فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك هلكوا، فادع الله، فقرأ: {‌فارتقب ‌يوم تأتي [صفحة 289] السماء بدخان مبين} [الدخان: 10] ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} [الدخان: 16] يوم بدر قال أبو عبد الله: وزاد أسباط، عن منصور، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا، وشكا الناس كثرة المطر، قال: «اللهم حوالينا ولا علينا» فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس حولهم ))ولا شك أن في ارتفاع القحط عن الكفرة فيه تقوية لحكمهم لكن ذلك لم يكن مرادا بالطبع للنبي صلى الله عليه و سلم فلا يكون كل فعل مؤداة تقوية حكم كافر كفرا خاصة والمراد منه تقليل الكفر الاخر و رفع الضرر عن المسلمين (دليل اخر ) قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج 9 ص 51): حدثنا الحسين بن حريث أخبرنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى {الم • غلبت الروم • في أدنى الأرض} (1) قال: غلبت وغلبت كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل الأوثان وكان المسلمون يحبون أن ‌يظهر ‌الروم على فارس لأنهم أهل الكتاب فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «أما إنهم سيغلبون» فذكره أبو بكر لهم فقالوا اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجلا خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى [صفحة 290] آله وسلم فقال «ألا جعلته إلى دون -قال أراه- العشر» -قال قال سعيد: والبضع ما دون العشر- قال ثم ظهرت الروم بعد قال فذلك قوله تعالى {الم • غلبت الروم} إلى قوله {ويومئذ يفرح المؤمنون • بنصر الله}. قال [ص: 535] سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة.)) وفي هذا الحديث دلالة ظاهره على ان الفرح بنصر كافر ليس كفرا ولا شك أن نصره سيؤدي إلى التمكين لحكمه الكفري في الأرض ولكن لما كان الروم أقل كفرا من الفرس فرح المسلمون بتقليل الكفر في العالم و أحبوا انتصار الروم لا لكفرهم بل لقلة كفرهم عن الروم و هنا تأتي مسألة موازنة الحسنات مع السيئات و الله اعلم (بعض المسائل التي فيها تأويل لفاعلها فلا يكفر بالتلبس بها ) مستفاد من الجامع و الثلاثينية هذا و في عرضي لهذه المسائل هوفقط لبيان أن هناك تأويل فقط للمتلبس بها مانع من التكفير و إن كان بعضها فيه إثم من وجهة نظري و أنقل هنا أقوال القائلين بها (التكفير باللازم و المآل ) قال صاحب الثلاثينية ((يقول ابن حزم رحمه الله: (وأما من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً. بل قد أحسن إذ قد فرّ من الكفر .. ) إلى أن قال: (فصح أنه لا يكفر [صفحة 291] أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسّن به قبحه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط) أهـ. الفصل (3/ 294). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (29/ 25 - 26): (فلازم قول الإنسان نوعان: أحدهما: لازم قوله الحق: فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره. والثاني: لازم قوله الذي ليس (1) بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه؛ لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا (2) يلزمه. وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله، وإن كان متناقضاً) أهـ. أما مجرد لجوء المسلم في الضرورات إلى كافر يحميه أو يجيره أو يرد مظلمته وينصره من كافر آخر، أو لدفع صائل فاجر لا يردعه ولا يرهبه [صفحة 292] إلا ذلك،، في ظل عدم وجود سلطان وشوكة لشرع الله فليس هو أصلا من التحاكم في شيء .. ولقد قدمنا لك مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم لحلف الفضول مع أنه كان حل حلفاً جاهلياً أسسه كفار وقد شهده النبي صلى الله عليه سلم وهو غلام وقال: (فما أحب أن لي حُمر النعم وأني أنكثه) وفي رواية: (لو دعيت به في الإسلام لأجبت). وقد كانت صورته بأنه تجمع عشائري في الجاهلية تعاقد على إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ورد الحقوق إلى أهلها بقوتهم وشوكة تجمعهم، وكان ذلك في وقت لم يكن فيه للإسلام سلطان ولا دولة وقبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وفي جاهلية جهلاء فهو مؤسسة من مؤسسات الجاهلية . فمدح النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الحلف يقتضي عدم الحرج على المستضعف إذا ما لجأ إليه أو إلى مثله من الكفار الذين يقدرون على دفع الظلم عنه أو عن عرضه أو ماله، أو تحصيل بعض حقوقه بقوتهم وشوكتهم وسلطانهم، من كفار ظلمة آخرين في ظل عدم وجود سلطان للشريعة ... ولو كان في ذلك أدنى حرج، فضلاً عن الحرمة أو الكفر، لبينه النبي صلى الله عليه وسلم في معرض مدحه له، فهو صلى الله عليه وسلم أتقى الأمة وأورعها، ولم يدع شراً إلا وحذرها منه. [صفحة 293] ولذلك فقد قدر إبراهيم عليه السلام الذي تحدى قومه ولم يبال بنارهم المؤججة في وقت من الأوقات، رغم أنه كان وحيدا فريدا؛ قد قدر في ظرف آخر أنه وزوجه مستضعفان ومضطران لأن يلبيا طلب الكافر حين استدعى سارة .. بل أدرج البخاري ذلك في (كتاب الإكراه) .. وأعني بذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " هاجر إبراهيم بسارة، دخل بها قرية فيها ملك من الملوك - أو جبار من الجبابرة - فأرسل إليه أن أرسل إلي بها، فأرسل بها، فقام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله " وبوب له البخاري في كتاب الإكراه " باب إذا استكرهت المراة على زنا فلا حد عليها " فعد ذلك إكراها ولا ملامة على إبراهيم أو على زوجه في خلوتها مع ذلك الكافر كونها كانت مكرهة، كما أورد الحافظ ابن حجر في أقوال أهل العلم .. ولم يلاما أو يعاتبا على عدم الفرار ولا ألزمهم به أحد .. فهما أعلم بظرفهما وحالهما في ذلك المقام .. وقال الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ: (أما بالنسبة لما انتهى عند قضاة العشائر فإن كان ذلك عن طريق الصلح ولم يتضمن هذا الصلح تحليل محرم أو تحريم حلال فالصلح صحيح، وإن كان ذلك بطريق الحكم فذلك غير صحيح، لأن المعروف عن مشايخ العشائر الجهل وعدم العلم بالأحكام الشرعية، فالتحاكم إليهم من باب التحاكم إلى [صفحة 294] الطاغوت) أهـ. من فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن ابراهيم (12/ 292). وقال في الدفاع عن النفس في المحاكم التي تحكم بغير ما أنزل الله ((ومما يصلح الاحتجاج به في هذا المقام قصة مثول جعفر وأصحابه المهاجرين إلى الحبشة بين يدي النجاشي قبل إسلامه، ودفعهم عن أنفسهم بحسب الإمكان، لما جاء مبعوثا قريش يطلبانهم، وعدم امتناع أحد منهم من المثول أو تحرجه من ذلك، وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وقد ذكر القصة الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عن ابن إسحاق وأبي نعيم في الدلائل والبيهقي في الدلائل أيضاً وغيرهم بأسانيد جوّد بعضها وصحح وقوى البعض الآخر انظرها (3/ 69) فصاعداً وفيها أن النجاشي أمّنهم ونصرهم وأبى تسليمهم لقريش .. ويصلح في هذا الباب أيضاً، الاستدلال بقول يوسف عليه السلام لما اتهمته امرأة العزيز بقولها: ((ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم)). ((قال هي راودتني عن نفسي، وشهد شاهدٌ من أهلها ... الآيات)) وفيه دفعه عن نفسه بين قوم كفار وشهادة بعضهم ودفاعهم عنه وتبرئته. وأظهر من ذلك ما فعله في السجن؛ حين ((قال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ... )) فلم يمنعه كفر ملك مصر في ذلك الوقت [صفحة 295] وكونه له تشريعه ودينه المخالف لدين الله، من أن يبعث إليه يعلمه أنه مظلوم قد زج به في السجن من غير ذنب، لعله يفرّج عنه ويرفع عنه الظلم ويبري ساحته من التهمة التي حبس من أجلها ... ولا منعه ذلك أيضاً من أن يدفع عن نفسه ويسعى في إظهار براءته عند ما طلبه الملك بعد ذلك، فقال للرسول: ((ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم)) فها هو يشكو مظلمته أو قل يذكرها عند الملك الكافر ليظهر براءته, وهذا كله فعل نبي معصوم، والحفاظ على جناب التوحيد وإخلاصه مما بعث به الأنبياء كافة، واتفقت دعواتهم جميعاً عليه كما هو معلوم في دعوة الأنبياء والمرسلين .. فما كان لنبي الله يوسف أن يخالف ذلك أو يناقضه أو يخرج عن ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولو قيد أنملة ... كيف وقد نزهه الله تعالى وأعاذه مما هو دون ذلك فقال: ((كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء)) ثم قال: ((إنه من عبادنا المخلصين). فيظهر من هذا كله أن لا حرج على الموحد أصلا في مثله. حتى وإن كان في تلك الأنظمة الإدارية بعض المعاصي والمخالفات الشرعية، كإلزام الموظفين بلباس معين فيه مشابهة لزي الكفار أو إلزامهم بحلق اللحى أو فرض مخالفات مالية وعقوبات تعزيرية ظالمة أو جائرة، أو أن في تلك الترتيبات مظالم وتمييز وتقديم للأغنياء وذوي الجاه على [صفحة 296] الفقراء، أو كونها تدخلها بعض العصبيات الجاهلية والقبلية والإقليمية، ونحوه من المحرمات التي لا يحل إلزام الناس بها أو اتخاذها أنظمة. فهذا كله وإن كان فيه من الباطل والمعاصي ما فيه، إلا أنه لا دخل له بالتشريع الطاغوتي الكفري الذي يكفر واضعه وناصره ومتوليه والمتحاكم إليه مختاراً ... وكون ذلك يكتب وينظم لا يغيّر من حقيقته شيئا، فالأمر بالمعصية كتابة كالأمر بها لفظاً، وليس مجرد كتابته يجعله تشريعاً طاغوتياً. والشاهد منه أن ما كان من قبيل التنظيمات الإدارية وكان مباحاً لا معصية فيه ولا مخالفة، فهذا مما أجمع عليه الصحابة وعملوا بمثله ... ومنه ما يسميه بعض العلماء في كتب الفقه والأصول بالمصالح المرسلة، فإن كان فيه من المخالفات مالا يصل إلى استحلال محرم. فإنه وإن كان تنظيماً مخالفاً للشرع، لكنه ليس من النوع التشريعي الطاغوتي. إذ ليس كل مخالفة للشرع تعد كفرا، بل من ذلك ما هو معصية ومنه ماهو كفر .. وعدم التفريق بين النوعين مزلة أقدام دفعت البعض إلى تكفير كل من يعمل بعقود الإيجارات ونحوها من المبايعات أو يلتزم بتسعيرة المواصلات [صفحة 297] أو المبيعات؛ حيث زعموا أن التسعير تشريع طاغوتي كفري لا يجوز العمل به.)) وقال عن مسألة الانتخابات ((ومنهم من يُؤتى به، فيرى تلك الإعلانات البراقة التي كتب عليها بالخط العريض (الإسلام هو الحل) ونحوه من الشعارات التي يغرر بها المشرعون المشركون بعوام المسلمين، فينتخبونهم ويختارونهم حباً للإسلام، وولاء لشريعته، ولا يعرفون أو يقصدون الطريقة الشركية المسدودة التي يسلكها أولئك النواب لتحكيم بعض حدود الشرع بزعمهم، فهذا كله يجب اعتباره، مع من لم يباشر التشريع، أو القسم على احترام القوانين الكفرية، أو الاحتكام إليها أو غير ذلك من الأقوال والأعمال المكفرة التي يباشرها النواب، فمعلوم أن المنتخب لا يفعل ذلك كله ولا يباشره (*)، وإنما ينتخب وينيب عنه من يختاره. فإن كان يقصد أن يوكل أو ينيب عن نفسه من يرتكب هذه المكفرات الصريحة، فحكمه حكم من أنابه، إذ حكم الردء حكم المباشر ... فما دام ردءاً له على هذا القصد فحكمه حكمة ... [صفحة 298] ولكن إذا كثر التلبيس حول أمر غير معروف ولا واضح لكل أحد _ أعني حقيقة عمل النواب وما يباشرونه من المكفرات - وكان المرء ممن قد يخفى عليه ذلك ولا يعلمه، بل ينتخب النائب وينيبه، بقصد أن يؤدي له أو لعشيرته أو لبلدته وقريته بعض الخدمات، فهذا لم يقصد إلى الإنابة على العمل المكفر ولا اختاره، فهو مخطئ غير عامد ولا قاصد إلى أعمال أولئك المشرعين المكفرة، حين اختارهم. ولذلك فلا تحل المبادرة إلى تكفير أمثاله إلا بعد إقامة الحجة وتعريفه بحقيقة عمل النواب المشرعين، وما يرتكبونه من مكفرات تناقض دين الإسلام وتوحيد رب العالمين، فإن أصر على انتخابهم مع ذلك كفر.(قلت فلابد من التفصيل في المنتخبين بين من قصد اختيار المشرّع، وبين من لم يقصد ذلك بل قصد اختيار شيئاً آخر غير المشرع، فلا يُكَفّر الثاني إلا بعد إقامة الحجة، لأنه وإن كان في الظاهر قد أتى بمكفر عند من لا يعرف قصده، لكن التباس الأحوال واختلاطها وكون الديمقراطية والبرلمان بدعا وأسماء وألفاظا أعجمية تخفى على كثير من الناس حقيقتها؛ جعل بعض الناس يُقدم على عمل لا يعرف معناه الحقيقي، فهو من جنس من أطلق لفظا أو قال قولا لا يُعرف معناه. فالعلماء على أنه لا يؤاخذ بذلك حتى يعرّف بمعناه؛ وتقام عليه الحجة ففي (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) (2/ 102) (فصل فيمن أطلق لفظاً لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه) قال العز بن عبد السلام رحمه الله: [صفحة 299] (فإذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو إيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو صلح أو إبراء، لم يؤاخذ بشيء من ذلك لأنه لم يلتزم مقتضاه، ولم يقصد إليه، وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك، لأنه لم يرده، فإن الإرادة لا تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون. وإن قصد العربي بنطق شيء من هذه الكلم مع معرفته بمعانيها، نفذ ذلك منه، فإن كان لا يعرف معانيها مثل أن قال العربي لزوجته أنت طالق للسنة أو للبدعة، وهي حامل (1). بمعنى اللفظين، أو نطق بلفظ الخلع أو غيره أو الرجعة أو النكاح أو الإعتاق، وهو لا يعرف معناها مع كونه عربياً، فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك، إذ لا شعور له بمدلوله حتى يقصد إلى اللفظ الدال عليه) أهـ. قلت: وهذا في زماننا كمن لا يعرف معنى لفظة الديمقراطية ومدلولها فيثني عليها ظاناً أنها تعني فقط -كما هو عند كثير من العوام- ما يقابل الاضطهاد والاستعباد ومصادرة الحريات والحقوق ونحوها ... فلا يُكفر مثله حتى يُعرف بأنها تعني أصلاً تشريع الشعب للشعب أو حاكمية الجماهير لا حاكمية الله وحده ... وما لم يعرف ذلك فإنه لا شعور له بمدلولها الكفري حتى يقصد إليه. إذ لا يعرف في الشريعة تفريقها بين المتناظرين والمتماثلين ... ((أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر))؟ [صفحة 300] قال صاحب الجامع عن العمل في حكومات الكفار ((فإن قيل: إن عمل يوسف عليه السلام للملك الكافر فيه إعانة له بلاشك، فالجواب: أن هذا غير ممنوع منه إلا إذا كانت إعانة ً للكافر على أمر ٍ محرم فهي محرمة، أو إعانة للكافر على الكفر أو على المسلمين فتكون الإعانة هنا موالاة مكفّرة. ومؤلف (الرسالة الليمانية) خلط بين الإعانة والموالاة فجعل كل إعانة موالاة، وقد وردت شريعتنا - وشرائع الأنبياء جميعهم - بالنهي عن موالاة الكفار في حين أجازت الشريعة معاملتهم بالبيع والشراء والشركة والإجارة - وذكرت ذلك من قبل فيما يُظَن أنه موالاة وليس منها - وهذا كله فيه نوع إعانة لهم، ولكنها إعانة في أمور الدنيا ليست إعانة على الكفر أو على المسلمين، ومثاله: أن كفار مكة كانوا يجلبون الحنطة من اليمامة، فلما أسلم ثمامة بن أثال وهو من سادة اليمامة منعهم الحنطة حتى يأذن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك (1)، وفي شرحه قال ابن حجر: إن النبي عليه الصلاة والسلام أذِنَ في ذلك (2). وهذه إعانة وأي إعانة، ولكنها في أمر دنيوي. فإذا نظرنا في مسألة عمل المسلم عند الكافر هل ورد فيها بيان في شريعتنا بالموافقة أو المخالفة؟. والجواب: نعم ورد بيان بالموافقة ويدل عليه ماوراه البخاري رحمه الله في كتاب الإجارة من صحيحه، باب (هل يؤاجر الرجل ُ نفسَه من مشركٍ في أرض الحرب؟). وأورد فيه حديث [صفحة 301] خبَّاب بن الأرت رضي الله عنه قال: (كنت رجلا قَيْناً، فعملت للعاص بن وائل، فاجتمع لي عنده، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى تموت ثم تُبعث فلا، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟، قلت: نعم، قال: فإنه سيكون لي ثَمَّ مالٌ وولدٌ فأقضيك، فأنزل الله تعالى (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً) مريم: 77 (7). والقَيْن هو الحداد ويطلق على كل صانع. قال ابن حجر رحمه الله في شرحه] قوله (باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب) وأورد فيه حديث خباب - وهو إذ ذاك مسلم - في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، وكان ذلك بمكة وهي إذ ذاك دار حرب، واطلع النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك وأقره، ولم يجزم المصنف بالحكم لاحتمال أن يكون الجواز مقيدا بالضرورة، أو أن جواز ذلك كان قبل الإذن في قتال المشركين ومنابذتهم وقبل الأمر بعدم إذلال المؤمن نفسه، وقال المهلب: كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر أن لايعينه على مايعود ضرره على المسلمين. وقال ابن المنير: استقرت المذاهب على أن الصُّناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يُعَد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له والله أعلم [وعمل يوسف عليه السلام عند الملك الكافر قد استوفى هذه الشروط [صفحة 302] الثلاثة، فعمله كان لتحقيق مصلحة وكان مباحاً ولم يُعِنْ الكافر على المسلمين ولم يضر مسلماً. فإن قيل: قد ذكرت في الأعمال المحرمة جباية المال للكافر وهذا هو عمل يوسف عليه السلام، فكيف كان عمله مباحا؟. فالجواب: إن المحرم هو جباية المال وفق اجتهاد الكافر وحسب قوانينه الوضعية الطافحة بالظلم، أما إن كانت الجباية وفق اجتهاد المسلم متولي الجباية فهذا عدل ٌُ وإصلاح، وقد كان هذا هو حال يوسف عليه السلام فقد كان مفوّضاً يُمضي الأمور على اجتهاده ويدل على هذا قول الملك له (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) يوسف:54، وقال تعالى (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) يوسف: 56، وقال تعالى - حكاية عن يوسف - (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) يوسف: 101، فأي تمكين بعد هذا؟ قال الشوكاني (( قوله تعالى (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) يوسف: 56 أي ينزل حيث أراد ... عبارة عن كمال قدرته [(1)، ويدل على تمكينه أيضا أنه عمل بشريعته في استرقاق السارق كما ورد في قوله تعالى (مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ) يوسف: 79، وكانت تلك شريعته (2). والحاصل أن يوسف عليه السلام وإن كان قد تولى الأموال جبايةً وصرفاً فهو قد تولاها على أن يعمل فيها باجتهاده لا وفق اختيار الكافر. وهذا جائز اليوم، فلو أن ملكاً كافراً وَلّى مسلماً ولاية أموال أو قضاء أو غيرها على أن يعمل المسلم فيها باجتهاده لا باجتهاد الكافر جاز (3). [صفحة 303] قال تارك الهجرة الواجبة مع قدرته عليها وعجزه عن إظهار دينه بدار الكفر. أن تركه للهجرة محتمل للموالاة المكفرة: فإن كان تركها لأجل مصلحة دنيوية له بدار الكفر فهو فاسق إلا إذا كان عجزه عن إظهار الدين يصل إلى الكفر كأن لايتمكن من إقامة الصلاة أما إذا كان قد ترك الهجرة حباً لقومه الكفار وايثاراً للعيش معهم فهذه موالاة مكفرة. فالتوصيف الفقهي لترك الهجرة - في حق هذا الصنف - أن يقال: تركه الهجرة عمل محتمل للموالاة ولايقال إنه موالاة ظاهرة. وقد استفاض العلم بأن الدعوة إنما توجه إلى رءوس الممتنعين لا إلى أفرادهم على التعيين، فقد أرسل النبي عليه الصلاة والسلام يدعو كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشي إلى الإسلام، وكان كتابه إليهم كتابا واحداً، وأنه من تولى منهم فإنما عليه إثم الأريسيين الذين هم أتباعه. فهؤلاء وبالمثل قال ابن القيم رحمه الله.)) (كيف يثبت الكفر ومسألة التقليد في التكفير) من الملاحظ في بعض التيارات التوسع في تكفير تيارات أخرى عاملة للإسلام بما أسموه الموالاة لطائفة أخرى هذه الطائفة قد يكون كفرها غير ظاهر لتلك الطائفة التي لم تكفرها لوجود شبهة تأويل فلا ينبغي التوسع في مثل هذا فإن لثبوت الكفر شروط قد بيناها في هذا البحث قال صاحب الجامع (( [صفحة 304] وإذا أظهر شخص قولاً أو فعلا مكفراً، واطلع عليه بعض الناس، لكن لم يشهد به عليه منهم إلا رجلٌُ واحدٌُ أو طفل أو امرأة، فلا يثبت عليه هذا الأمر المكفِّر لعدم اكتمال نصاب الشهادة على الردة في حقه. وهو مسلم في الحكم الظاهر كافر على الحقيقة. ......وهذه الصورة الثالثة كانت هى غالب حال المنافقين على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فإنهم كانوا يتكلمون بالكفر فيما بينهم ولا يشهد به بعضهم على بعض كما قال ابن تيمية] فينافق في الباطن ومايمكنه اظهار الرِدّة بل يتكلم بالنفاق مع خاصته [(3)، وأحيانا كان يسمعهم رجل من المسلمين فيشهد بما سمع ولايكفي هذا للاثبات. كما شهد زيد بن أرقم على عبدالله بن أُبَيّ بأنه قال (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) كما ثبت في الصحيح، ومع أن الوحي صدّق زيداً إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يؤاخذهم بالوحي وإنما بطرق الاثبات الشرعية، ولأن كثيراً من كلام المنافقين كان محتمل الدلالة ليس صريحا، كما قال تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) محمد: 30، ولحن القول هو ماعُرف بالمعنى ولم يُصرح به، ذكره القرطبي. وبهذا أجاب العلماء عن لماذا لم يقتل النبي عليه الصلاة والسلام المنافقين؟، فقال ابن تيمية رحمه الله] إن عامتهم لم يكن ما يتكلمون به من الكفر مما يثبت عليهم بالبينة، بل كانوا يُظهرون الإسلام، ونفاقهم يُعرف تارة بالكلمة يسمعها [صفحة 305] الرجل المؤمن فينقلها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيحلفون بالله أنهم ماقالوا أو لايحلفون، وتارة بما يظهر من تأخرهم عن الصلاة والجهاد واستثقالهم للزكاة وظهور الكراهة منهم لكثير من أحكام الله، وعامتهم يُعرفون في لحن القول - إلى أن قال - ثم جميع هؤلاء المنافقين يُظهرون الإسلام، ويحلفون أنهم مسلمون، وقد اتخذوا أيمانهم جُنّة، وإذا كانت هذه حالهم فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يقيم الحدود بعلمه، ولا بخبر الواحد، ولابمجرد الوحي، ولا بالدلائل والشواهد، حتى يثبت الموجب للحدّ ببينةٍ أو إقرار، - إلى قوله - فكان ترك قتلهم - مع كونهم كفاراً - لعدم ظهور الكفر منهم بحجة شرعية. ويدل على هذا أنه لم يستتبهم على التعيين، ومن المعلوم أن أحسن حال من ثبت نفاقه وزندقته أن يستتاب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل، ولم يبلغنا أنه استتاب واحداً بعينه منهم، فعُلِمَ أن الكفر والرِدّة لم تثبت على واحد بعينه ثبوتا يوجب أن يُقتل كالمرتد، ولهذا تقبل علانيتهم، ونكِلُ سرائرهم إلى الله، فإذا كانت هذه حال من ظهر نفاقه بغير البينة الشرعية فكيف حال من لم يظهر نفاقُه؟ [(1). (وهنا فائدة) وهى هل لمن علم كفراً من رجل ٍ أن يعتبره كافراً - كما في الصورة السابقة - وإن لم يمكن اثبات الكفر عليه بطرق الاثبات الشرعية. والجواب: نعم، بل يجب عليه أن يحكم عليه بالكفر، ولكن بشرطين: أولهما: أن يكون الشخص مؤهلا للحكم بنفسه أو باستفتاء غيره، ليفرق بين الكفر وغيره ولينظر في موانع الحكم. [صفحة 306] والآخر: أن لايعاقبه بالعقوبات التي هى حق لله تعالى كاستباحة دمه وماله لئلا يؤاخذ بهذا مع عدم الثبوت الشرعي الكامل، ولو جاز هذا لأدى إلى الفوضى في استباحة الدماء والأموال بمجرد التهمة، ولكن يعاقبه بما دون ذلك من هجره وترك نكاحه وانكاحه وترك الصلاة عليه إذا مات ونحو ذلك (1). وقال ابن تيمية - في المنافقين -] وكان النبي عليه الصلاة والسلام أولاً يصلي عليهم ويستغفر لهم، حتى نهاه الله عن ذلك فقال (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ) التوبة: 84 وقال (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ) التوبة: 80، فلم يكن يصلي عليهم ولايستغفر لهم، ولكنْ دماؤهم وأموالهم معصومة لايستحل منهم مايستحله من الكفار الذين لايُظهرون أنهم مؤمنون بل يظهرون الكفر دون الإيمان [(2). ودليل حكم الفرد الواحد على غيره بالكفر إذا علم منه كفراً، قوله تعالى (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ) الكهف: 32 - 37. فالأول كفر بالشك في البعث (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) [صفحة 307] الكهف: 36 والآخر أكفره بذلك، وكانا رجلين فقط كما قال الله تعالى. ومثال هذا في السلف كثير ومنه إكفار الشافعي رحمه الله لحفص الفرد في مجلس المناظرة (3)، وقد ذهب ابن تيمية رحمه الله إلى أن الشافعي لم يكفِّر حفصاً هذا وإنما أطلق الكفر على قوله، ولكن الثابت من خبرهما بخلاف ماقاله شيخ الإسلام (4). وهذا الذي أكفر غيره لايجوز أن يلزم غيره من المسلمين بذلك مادام لم يثبت عندهم ماثبت عنده، ومادام لم يثبت كفر هذا الكافر ثبوتا شرعيا صحيحا.،....... وهل يجوز لمن علم كفراً من رجل أن يشهره في الناس وإن كان الكافر مستسراً بكفره؟. والجواب: نعم، بل يجب حيث يُخشى ضرره، خاصة إذا كان هذا الكافر من دعاة البدع أو ممن يؤخذ عنه العلم أو كان يريد نكاح مسلمة ونحو ذلك، فالدين النصيحة. وفي هذا قال القاضي عياض رحمه الله] فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يُؤخَذ عنه العلم أو رواية الحديث أو يُقطع بُحكمه أو شهادته أو فتياه في الحقوق، وَجَب على سامعه الإشادة بما سمع منه والتنفير للناس عنه والشهادة عليه بما قاله، ووجب على من بَلَغَهُ ذلك من أئمة المسلمين إنكاره وبيان كُفْرِه وفساد قوله، لقطع ضرره عن المسلمين وقياما بحق سيد المرسلين. وكذلك إن كان ممن يعظ العامة أو يؤدب الصبيان، فإن من هذه سريرته لايؤمن على إلقاء ذلك في قلوبهم، فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي عليه الصلاة والسلام، ولحق شريعته [(2). [صفحة 308] فهذا مايتعلق بالثبوت الشرعي، أي إثبات وقوع سبب الكفر من فاعله اثباتا صحيحاً.)) لذا فأفرادالتيارات لا يجب عليها طاعة قادتها في تكفير طائفة أخرى حتى تثبت ثبوتا شرغيا صحيحا ومن المعلوم أن التكفير حكم شرعي كسائر الأحكام الشرعية و الخلاف في التكفير ببعض الأمور هو أمر اجتهادي كسائر الأمور فلا يجوز للخليفة في دولة الإسلام حمل الناس على رأي فيها ويلزمه بتكفير من يكفره هو إن كان هذا الفرد يرى أن هذا التكفير بغير حق و مخالف للكتاب و السنة فينبغي أن تكون الدولة التي تحكم بالإسلام تتسع للخلاف الاجتهادي حتى في مسألة التكفير و ليس كل طلبة العلم على وجه واحد من الفهم و كذلك كان الخلفاء لا يجبرون أحدا على مذهبهم إن كان محتمل التأويل . جاء في «مجموع الفتاوى» (27/ 296): «الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ لَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْقُضَاةِ أَنْ يَفْصِلَ النِّزَاعَ فِيهِ بِحُكْمِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْقُضَاةِ أَنْ يَقُولَ: حَكَمْت بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّحِيحُ وَأَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ؛ بَلْ الْحَاكِمُ فِيمَا تَنَازَعَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ‌كَقَوْلِ ‌آحَادِ ‌الْعُلَمَاءِ إنْ كَانَ عَالِمًا وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامَّةِ الْمُقَلِّدِينَ وَالْمَنْصِبُ وَالْوِلَايَةُ لَا يَجْعَلُ مَنْ لَيْسَ عَالِمًا مُجْتَهِدًا عَالِمًا مُجْتَهِدًا وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِالْوِلَايَةِ وَالْمَنْصِبِ لَكَانَ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ أَحَقَّ بِالْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَبِأَنْ يَسْتَفْتِيَهُ النَّاسُ وَيَرْجِعُوا إلَيْهِ فِيمَا أَشْكَلَ [صفحة 309] عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ. فَإِذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ لَا يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلَا يُلْزِمُ الرَّعِيَّةَ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ دُونَ قَوْلٍ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ: فَمَنْ هُوَ دُونَ السُّلْطَانِ فِي الْوِلَايَةِ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَتَعَدَّى طُورَهُ وَلَا يُقِيمَ نَفْسَهُ فِي مَنْصِبٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْقِيَامَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ - وَهُمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - فَضْلًا عَمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّمَا كَانُوا يُلْزِمُونَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِ كِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: إنَّمَا بَعَثْت عُمَّالِي - أَيْ نُوَّابِي - إلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ كِتَابَ رَبِّكُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَيَقْسِمُوا بَيْنَكُمْ فَيْأَكُمْ؛ بَلْ هَذِهِ يَتَكَلَّمُ فِيهَا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْلَمُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْكَلَامِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا وَالْحَاكِمُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا كَلَامٌ لِكَوْنِهِ حَاكِمًا؛ بَلْ إنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ تَكَلَّمَ فِيهَا كَآحَادِ الْعُلَمَاءِ. فَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ الْحُكْمُ بِالْإِجْمَاعِ. وَهَذَا مِنْ الْحُكْمِ الْبَاطِلِ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الْأَحْكَامَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ - سَوَاءٌ كَانَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَوْ مُتَنَازَعًا فِيهَا - لَيْسَ لِلْقُضَاةِ الْحُكْمُ فِيهَا؛ بَلْ الْحَاكِمُ الْعَالِمُ كَآحَادِ الْعُلَمَاءِ يَذْكُرُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْقَاضِي فِي أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ. وَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الْعَمَلِ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا أَوْ مُحَرَّمًا فَهَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَيْسَ لِأَحَدِ فِيهَا حُكْمٌ إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَعُلَمَاءُ [صفحة 310] الْمُسْلِمِينَ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَدِلَّةِ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا فِي الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ وَحُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ)) جاء في «مجموع الفتاوى» (35/ 378): «وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى وُلَاةِ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ اتِّبَاعَ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِذَا تَنَازَعَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ وَلَوْ كَانَ الْمُنَازِعُ مِنْ ‌آحَادِ ‌طَلَبَةِ الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يُلْزِمُوهُ بِاتِّبَاعِ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ بَلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا لَهُ الْحَقَّ كَمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ لِلْجَاهِلِ الْمُتَعَلِّمُ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَظَهَرَ وَعَانَدَهُ بَعْدَ هَذَا اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إنَّ الَّذِي قُلْته هُوَ قَوْلِي أَوْ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَقَدْ قُلْته اجْتِهَادًا أَوْ تَقْلِيدًا: فَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ خَطَأً مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَوْ عُوقِبَ هَذَا لَعُوقِبَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ أَقْوَالٌ اجْتَهَدَ فِيهَا أَوْ قَلَّدَ فِيهَا وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهَا؛ فَلَوْ عَاقَبَ اللَّهُ الْمُخْطِئَ لَعَاقَبَ جَمِيعَ الْخَلْقِ» قال الإمام الشافعي:”أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ من الناس”إعلام الموقعين [صفحة 311] هذا ويجب على الأفراد داخل دار الإسلام و المنتمين إليه متابعة الحق على قدر الاستطاعة و إن خالف هذا الحق اجتهاد الخليفة كما يجب على الخليفة عدم الزام الناس بمذهبه بل الاثنان مأموران باتباع ما صح لديهما من الكتاب و السنة و إلا وقعا في شرك الطاعة من اتخاذ الأحبار و الرهبان أربابا من دون الله أعاذنا الله من ذلك وقد فصلت ذلك في غير هذا الموضع و للفائدة فليراجع في ذلك باب إبطال التقليد من كتاب الإحكام لابن حزم و كتاب القول المفيد في ابطال التقليد للشوكاني لان هذا ليس من غرض هذا البحث والله اعلم فلا مانع من كون ولي الأمر يرى كفر طائفة معينة لتأويل لديه و يرى أحد المنشغلون بالعلم غير ذلك لظهور أدلة له من الكتاب أوالسنة تدفع ذلك وعليهما التناصح بذكر ما لدبهم من أدلة مع عدم نزع اليد من طاعة وقد ذكرت من قبل خلاف الصحابة لأكابر الخلفاء الراشدين لظهور الدليل من الكتاب أو السنة بخلافه فلا حاجه لإعادته هنا ولا شك أن من دونهم أولى هل الذي يكفر العاذر خارجي ؟ [صفحة 312] الملاحظ أن كثير ممن ينتمون إلى الحركة الإسلامية يتهمون من يكفر العاذر بأنه من الخوارج و هنا نجدهم قد وقعوا فيما حاولوا الفرار منه إذ أنهم ينكرون على الذي يكفر العاذر لأن العاذر متأول فكيف يكفر من تأول فأخطأ و أدلة الكتاب و السنة تنفي ذلك ثم أنهم يجدون من كفر العاذر متأول أيضا في ذلك فلا يعذرونه بتأويله و يسارعون في رميه بأنه خارجي ولا يخفاك ما في هذا اللفظ من الزامات وصفات بينها رسول الله صلى الله عليه و سلم من كونهم (شر الخلق و الخليقة ) و أمره عليه السلام بقتلهم (أينما لقيتموهم فاقتلوهم ) و تسميته لهم كلاب النار فلابد إن كانوا يتهمون أحدا بكونه خارجي من إسقاط هذا الوعيد الشديد عليه لذا لزم بحث من هم الخوارج (من هم الخوارج) حد بعض العلماء مثل ابن حزم حدا للخوارج فجاء في الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/ 90) ((وَمن وَافق الْخَوَارِج من إِنْكَار التَّحْكِيم وتكفير أَصْحَاب الْكَبَائِر وَالْقَوْل بِالْخرُوجِ على أَئِمَّة الْجور وَإِن أَصْحَاب الْكَبَائِر مخلدون فِي النَّار وَأَن الْإِمَامَة جَائِزَة فِي غير قُرَيْش فَهُوَ خارجي وَإِن خالفهم فِيمَا عدا ذَلِك مِمَّا اخْتلف فِيهِ الْمُسلمُونَ خالفهم فِيمَا ذكرنَا فَلَيْسَ خارجياً)) ولا شك أننا إذا أردنا ان ننزل حكما على أحد فلا بد أولا من تخريج مناط هذا الحكم اي ما هو المناط الذي اذا وجد في احد حكمنا عليه بانه خارجي. [صفحة 313] ثانيا تحقيق مناط هذا الحكم ومعناه التحقق من وجود هذا المناط الذي استخرجناه في الشخص لكي نحكم عليه بانه من الخوارج . فلنبدا اولا بتخريج المناط ،السؤال الاول الذي يتبادر الى الذهن هنا ماهي الصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوارج فأولا نحصر الأوصاف التي يمكن أن تكون مناطا للحكم ثم يتم بعدها تنقيح المناط باستبعاد الاوصاف الطردية(غير المؤثرة في الحكم ) فتبقى الأوصاف التي تصلح ان تكون مناطا للحكم ومن ثم يترتب عليها التسمية و من ثم العقوبة ، نجد الصفات التي ذكرها رسول االله صلى الله عليه وسلم هي حدثاء الاسنان (أي صغار السن ) ،ثم سفهاء الاحلام (جهال عقولهم سفيهة ) يقولون من قول خير البرية (اي يقرأون القران او يقولون الاحاديث ) ،وفي الحديث يقرأون القران ولا يجاوز حناجرهم)قيل معناه( لا يعملون به وقيل معناه قراءتهم لا تقبل ) ،ثم يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل الاوثان ،ثم يمرقون من الدين كما يخرج السهم من الرمية (أي يخرجون منه كلية فيكفرون أويخرجون منه ببدعة أو ضلالة فلا يكفرون كما نقل ابن بطال عن الجمهور)، ثم (ثُمَّ لاَ يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ»، (يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ،) فهم يخرجون من شرق المدينة وقَالَ: " سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ - أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ(والتسبيد استئصال الشعر) ،ثم (، آيتهم رجلٌ أسودُ ، إحدى عضديْهِ مثلُ ثديْ المرأةِ ، أو مثلُ البضعَةِ تَدَرْدَرُ ، ويخرجونَ على حين فُرْقَةٍ من الناسِ ) . قال أبو سعيدٍ : فأشهدُ أني سمعتُ هذا الحديثَ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وأشهدُ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ [صفحة 314] قاتلهم وأنا معهُ ، فأمر بذلكَ الرجلَ فالتُمِسَ فأُتِيَ بهِ ، حتى نظرتُ إليهِ على نَعْتِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الذي نَعَتَهُ)(اي أن فيهم رجل أسود أحد عضديه لا عظم فيه فهو كثدي المراة يهتز كاهتزاز ثدي المرأة)،ثم قال علي حين رأى هذال الرجل مقتولا (أمَا إِنَّ خَلِيلِي أَخْبَرَنِي أَنَّهُمْ ثَلَاثةُ إِخْوَةٍ مِنْ الْجِنِّ , هَذَا أَكْبَرُهُمْ , وَالثَّانِي لَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ , وَالثَّالِثُ فِيهِ ضَعْفٌ) حسن اسناده شعيب وصححه احمد شاكر ، إذن كان من قادة هؤلاء من الجن المتمثلين بصور إنسية إن قلنا بصحة هذا الحديث ثم (شِرَارُ الخَلْقِ والخليقة )صح الالباني (وهذا ظاهر أنهم كفار )،ثم ( شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، ثَلَاثًا، وَخَيْرُ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ مَنْ قَتَلُوهُ) صححه شعيب ,ثم يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ , وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ)،ثم( أحداء أشداء) (اي غلاظ اقوياء ).) و بتتبع الاحاديث والصفات التي وردت في الخوارج نجد أنه احتوت إلى جانب الصفات المذكورة أحكاما وهذه الأحكام هي أنهم (شرار الخلق والخليقة ) و(أينما لقيتموهم فاقتلوهم ),وقال ابو أمامة احد الصحابة رواة الحديث انهم (كفروا بعد إيمانهم) فهذه ثلاث في الدنيا ثم هم في الاخرة( كلاب النار) ، ثم ننظر هل هذه الاحاديث في ناس مخصوصين واعني بناس مخصوصوين ناس يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي انهم سيخرجون من الدين عن عمد واتباع هوى دون تأويل واخبره الله بهم على صفاتهم فاذا وجدنا الصفة علمناهم فطبقنا عليهم الحكم بأنهم [صفحة 315] خوارج من شرار الخلق كلاب النار يجب قتالهم دون الحاجه إلى إقامة الحجة عليهم لنوع تأويل وذلك مثل الدجال فقد وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بصفات خلقية وفعليه إذا وجدناها علمنا أنه الدجال مثل كونه أعور قطط الشعر ممسوح العين اليسرى,الظاهر هو الاحتمال الأول والله اعلم وذلك لعدة أمور . اولا :أنه صلى الله عليه وسلم اخبر بوجوب قتلهم ومعلوم أن القتل إن كان للكفر فلا يكون إلا بعد إقامة الحجة وكذلك ان كان للحرابة فلا يكون إلا بعد معرفة أن الخارج على الامام ليس له تاويل سائغ فلما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهم وهذا يشمل الواحد المقدور عليه منهم علمنا أن هؤلاء قد اقيمت عليهم الحجة قطعا وظاهر الاحاديث انهم كفار وذلك لعدة امور، اولا :إخباره أنهم( يخرجون من الدين ثم لا يعودون فيه )فهؤلاء خالفوا عمدا الوحي وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بالوحي ،فان قلتم انهم قد يكونوا متأولين جهال وقعتم فيما فررتم منه لانهم إن كانوا متأولين فهم جهال جهل مركب وكون الرسول صلى الله عليه وسلم حكم عليهم انهم يمرقون من الدين وأنهم شر الخلق وهم جهال على رايكم دل ذلك على عدم العذر بالجهل وانه من وقع في الكفر متأولا او جاهلا فهو كافر وبهذا استدل الطبري في إكفار المتأولين و تبعه على ذلك الجماعة المعاصرة التي تكفر المتأولين ولا تقول بالعذر بالجهل وانتم لا تقولون بذلك قطعا فظهر أنهم كانوا مخالفين متعمدين وذلك لأن المخطئ معذور لقوله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطاتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) وعلم صلى الله عليه وسلم ذلك عن طريق الوحي. [صفحة 316] ثانيا :ما يدل على أنهم كفار قوله (شرار الخلق ) وقوله (كلاب اهل النار) فدل ذلك على انهم أخس منزلة من اهل النار وكذلك فإن ذلك ظاهر مذهب ابي امامة بقوله( قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا ) واما ما نقله ابن بطال في قوله ((وجمهور العلماء على أنهم فى خروجهم ذلك غير خارجين من جملة المؤمنين لقوله (صلى الله عليه وسلم) : (ويتمارى في الفوق) لأن التمارى الشك، وإذا وقع الشك فى ذلك لم يقطع عليهم بالخروج الكلى من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يحكم له بالخروج منه إلا بيقين، وقد روى عن على بن أبى طالب من طرق، أنه سئل عن أهل النهروان: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: هم قوم ضل سعيهم، وعموا عن الحق، بغوا علينا فقاتلناهم.)) فالرد على ذلك جاء في: فتح الباري لابن حجر (12/ 299) وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ حَيْثُ قَرَنَهُمْ بِالْمُلْحِدِينَ وَأَفْرَدَ عَنْهُمُ الْمُتَأَوِّلِينَ بِتَرْجَمَةٍ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِهِ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ وَفِي لَفْظٍ ثَمُودَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِنَّمَا هَلَكَ بِالْكُفْرِ وَبِقَوْلِهِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَلَا يُوصَفُ بِذَلِكَ إِلَّا الْكُفَّارُ وَلِقَوْلِهِ إِنَّهُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلِحُكْمِهِمْ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَ مُعْتَقَدَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ فَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِالِاسْمِ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ [صفحة 317] فَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ وَغُلَاةَ الرَّوَافِضِ بِتَكْفِيرِهِمْ،أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ قَالَ وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ قَالَ وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَكْفِيرِهِمْ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ عِلْمِهِمْ بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا إِلَى حِينِ مَوْتِهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي اعْتِقَادِنَا تَكْفِيرَ مَنْ كَفَّرَهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدو الله إِلَّا حار عَلَيْهِ قَالَ وَهَؤُلَاءِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ جَمَاعَةً بِالْكُفْرِ مِمَّنْ حَصَلَ عِنْدَنَا الْقَطْعُ بإيمَانهمْ فَيجب أَن يحكم بكفرهم بِمُقْتَضى خَبَرِ الشَّارِعِ وَهُوَ نَحْوُ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ سَجَدَ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا تَصْرِيحَ بِالْجُحُودِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرُوا الْكُفْرَ بِالْجُحُودِ فَإِنِ احْتَجُّوا بِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْفِيرِ فَاعِلِ ذَلِكَ قُلْنَا وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ تَقْتَضِي كُفْرَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا وَلَا يُنَجِّيهِمُ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ إِجْمَالًا وَالْعَمَلُ بِالْوَاجِبَاتِ عَنِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ كَمَا لَا يُنَجِّي السَّاجِدَ لِلصَّنَمِ ذَلِكَ قُلْتُ وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى بَعْضِ هَذَا الْبَحْثِ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَرَدَ أَحَادِيثَ الْبَابِ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ حُكْمَهُ إِلَّا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْهُ عَالِمًا فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُونَ الْحَقَّ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَكِبُوا اسْتِحْلَالَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَّا بِخَطَإٍ مِنْهُمْ فِيمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن بن عَبَّاسٍ وَذَكَرَ عِنْدَهُ الْخَوَارِجَ وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَقَالَ [صفحة 318] يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ الْأَمْرُ بِقَتْلِهِمْ مَعَ مَا تقدم من حَدِيث بن مَسْعُودٍ لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ وَفِيهِ التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ التَّمْثِيلُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَعْنِي الْآتِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنَّ ظَاهِرَ مَقْصُودِهِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَمَا خَرَجَ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لِسُرْعَتِهِ وَقُوَّةِ رَامِيهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنَ الرَّمِيَّةِ بِشَيْءٍ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ وَقَالَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ فِيهِ وَكَذَا نَقْطَعُ بِكُفْرِ كُلِّ مَنْ قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ أَوْ تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ فُسَّاقٌ وَأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا فُسِّقُوا بِتَكْفِيرِهِمُ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى اسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ مُخَالِفِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ مَعَ ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتَهُمْ وَأَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ وَقَالَ عِيَاضٌ كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَكُونُ أَشَدَّ إِشْكَالًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى سَأَلَ الْفَقِيهُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِمَامَ أَبَا الْمَعَالِي عَنْهَا فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ إِدْخَالَ كَافِرٍ فِي الْمِلَّةِ وَإِخْرَاجَ مُسْلِمٍ عَنْهَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ قَالَ وَقَدْ تَوَقَّفَ قَبْلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَقَالَ لَمْ يُصَرِّحِ الْقَوْمُ بِالْكُفْرِ وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنِ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَإِنَّ [صفحة 319] اسْتِبَاحَةَ دِمَاءِ الْمُصَلِّينَ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَإِ فِي سَفْكِ دَمٍ لِمُسْلِمٍ وَاحِدٍ وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ قَوْلُهُ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِالْمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى أَنْ قَالَ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ علق بهَا شَيْء قَالَ ابن بَطَّالٍ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ غَيْرُ خَارِجِينَ عَنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ لِأَنَّ التَّمَارِي مِنَ الشَّكِّ وَإِذْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ عَلَيْهِمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ بِيَقِينٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ قَالَ وَقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ هَلْ كَفَرُوا ؟ فَقَالَ مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا قُلْتُ وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي أَوْجَبَ تَكْفِيرَهُمْ عِنْدَ مَنْ كَفَّرَهُمْ وَفِي احْتِجَاجِهِ بِقَوْلِهِ يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ نَظَرٌ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَكَمَا سَيَأْتِي لَمْ يَعْلَقْ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَفِي بَعْضِهَا سبق الْفَرْثَ وَالدَّمَ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ تَرَدَّدَ هَل فِي الفوق شَيْء أَو لاثم تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِالسَّهْمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنَ الرَّمْيِ بِشَيْءٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَشْخَاصٍ مِنْهُمْ وَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ يَتَمَارَى إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَبْقَى مَعَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ وَالْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِمْ أَظْهَرُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ يُقاتلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَتُسْبَى أَمْوَالُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَكْفِيرِهِمُ يُسْلَكُ بِهِمْ مَسْلَكَ أَهْلِ الْبَغْيِ إِذَا شَقُّوا الْعَصَا وَنَصَبُوا الْحَرْبَ فَأَمَّا مَنِ اسْتَسَرَّ [صفحة 320] مِنْهُمْ بِبِدْعَةٍ فَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ هَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُجْتَهَدُ فِي رَدِّ بِدْعَتِهِ اخْتُلِفَ فِيهِ بِحَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَكْفِيرِهِمْ))اه من الكلام السابق يتضح الاتي: أن بعض العلماء ذهب الى تكفيرهم لما سبق ذكره والاكثر ذهب لعدم تكفيرهم لعدة امور منها اولا انهم قالوا انهم متأولون وهذا ليس فيه ذكر في الاحاديث اي انهم متاولون بل الظاهر ان هؤلاء القوم المخصوصين دون غيرهم غير متاولين لكن كيف عرفنا انهم غير متاولين نقول عرفنا ذلك بحكم رسول الله عليهم بالخروج من الدين وانهم شرار الخلق ووجوب القتل ليس غير ذلك مع الحكم برفع الجناح عن من اخطا ولم يتعمد . فإن قيل اذا وقع غيرهم في بعض ما وقع فيه ههؤلاء هل تكفرونهم مطلقا ؟الجواب لا لانا لا نعلم بخبر المعصوم ان هؤلاء كفروا كما علمنا من خبر المعصوم عن هؤلاء القوم المذكورين الموصوفين وصفا دقيقا إلا إذا كفروا بما هو معلوم من الدين بالضرورة و كان تأويلهم غير سائغ ,وإلى هذا ذهب ابن حزم رحمه الله فقد قال ان هذه الاحاديث نزلت في قوم مخصوصين وهم الازارقة .جاء في لوامع الأنوار البهية (1/ 87) الْأَزَارِقَةُ أَتْبَاعُ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْرَقِ الْخَارِجِيِّ اللَّعِينِ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بُلْدَانِ فَارِسَ وَغَيْرِهَا، وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُمْ وَتَمَلَّكُوا الْأَمْصَارَ، وَكَانَتْ لَهُ آرَاءٌ وَمَذَاهِبُ دَانُوا بِهَا مَعَهُ، مِنْهَا أَنَّهُ كَفَّرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِسَبَبِ التَّحْكِيمِ، وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} [البقرة: 204] الْآيَةَ، نَزَلَ فِي حَقِّهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي حَقِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [صفحة 321] [البقرة: 207] ، وَمِنْهَا أَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِرَأْيِهِ، وَاسْتَحَلَّ دَمَهُ، وَكَفَّرَ الْقَعَدَةَ عَنِ الْقِتَالِ، وَتَبَرَّأَ مِمَّنْ قَعَدَ عَنْهُ، وَأَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَكَانَ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ مَعَ سَائِرِ الْكُفَّارِ، وَحَرَّمَ التَّقِيَّةَ، وَجَوَّزَ قَتْلَ أَوْلَادِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ وَنِسَاءَهُمْ، وَقَالَ: لَا حَدَّ لِلْقَذْفِ وَلَا لِلزِّنَا.)) ))وقد سبق حديث ابي امامة: في رواية لأحمد عن أبي غالب؛ قال: لما أتي برؤوس الأزارقة، فنصبت على درج دمشق؛ جاء أبو أمامة رضي الله عنه، فلما رآهم؛ دمعت عيناه، فقال: «كلاب النار (ثلاث مرات) ، هؤلاء شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى قتلوا تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء» . قال: فقلت: فما شأنك دمعت عيناك؟ قال: رحمة لهم؛ إنهم كانوا من أهل الإسلام. قال: قلنا: أبرأيك قلت: هؤلاء كلاب النار، أو شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لجريء! بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا ثنتين ولا ثلاث. قال: فعد مرارا.)) فهنا عبد الله ابن ابي اوفى الصحابي وابو امامه يخبران عن هؤلاء القوم المخصوصون الازارقة انهم كلاب اهل النار وصح عن الخوارج الذين اتوا قبل هؤلاء الذين قاتلهم علي انهم يمرقون من الدين فكانت هذه الاحاديث في اناس مخصوصون لذا قال ابن حزم: المحلى بالآثار (12/ 173) فَأَمَّا الْأَزَارِقَةُ - فَلَيْسَ مِنْ فِرَقِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا [صفحة 322] يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ)) على الرغم من قوله في الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 144) ((من تَأَول من أهل الْإِسْلَام فَأَخْطَأَ فَإِن كَانَ لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة وَلَا تبين لَهُ الْحق فَهُوَ مَعْذُور مأجور آجرا وَاحِدًا لطلبه الْحق وقصده إِلَيْهِ مغْفُور لَهُ خَطؤُهُ إِذْ لم يعتمده لقَوْل الله تَعَالَى {وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ} وَإِن كَانَ مصيباً فَلهُ أَجْرَانِ أجر لإصابته وَأجر آخر لطلبه إِيَّاه وَإِن كَانَ قد قَامَت الْحجَّة عَلَيْهِ وَتبين لَهُ الْحق فَعِنْدَ عَن الْحق غير معَارض لَهُ تَعَالَى وَلَا لرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ فَاسق لجراءته على الله تَعَالَى بإصراره على الْأَمر الْحَرَام فَإِن عِنْد عَن الْحق مُعَارضا لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ كَافِر مُرْتَد حَلَال الدَّم وَالْمَال لَا فرق فِي هَذِه الْأَحْكَام بَين الْخَطَأ فِي الِاعْتِقَاد فِي أَي شَيْء كَانَ من الشَّرِيعَة وَبَين الْخَطَأ فِي الْفتيا فِي أَي شَيْء كَانَ على مَا بَينا قبل قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن نختصر هَا هُنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ونوضح كل مَا أطلنا فِيهِ قَالَ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا} وَقَالَ تَعَالَى {لأنذركم بِهِ وَمن بلغ} وَقَالَ تَعَالَى {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا} فَهَذِهِ الْآيَات فِيهَا بَيَان جَمِيع هَذَا الْبَاب فصح أَنه لَا يكفر أحد حَتَّى يبلغهُ أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن بلغه فَلم يُؤمن بِهِ فَهُوَ كَافِر فَإِن آمن بِهِ ثمَّ اعْتقد مَا شَاءَ الله أَن يَعْتَقِدهُ فِي نحلة أَو فتيا أَو عمل مَا شَاءَ الله تَعَالَى أَن يعمله دون أَن يبلغهُ فِي ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم بِخِلَاف مَا اعتقدوا قَالَ أَو عمل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ أصلا حَتَّى يبلغهُ فَإِن بلغه [صفحة 323] وَصَحَّ عِنْده فَإِن خَالفه مُجْتَهدا فِيمَا لم يبين لَهُ وَجه الْحق فِي ذَلِك فَهُوَ مُخطئ مَعْذُور مأجور مرّة وَاحِدَة كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر وكل مُعْتَقد أَو قَائِل أَو عَامل فَهُوَ حَاكم فِي ذَلِك الشَّيْء وَإِن خَالفه بِعَمَلِهِ معانداً للحق مُعْتَقدًا بِخِلَاف مَا عمل بِهِ فَهُوَ مُؤمن فَاسق وَإِن خَالفه معانداً بقوله أَو قلبه فَهُوَ كَافِر مُشْرك سَوَاء ذَلِك فِي المعتقدات والفتيا للنصوص الَّتِي أوردنا وَهُوَ قَول إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَغَيره وَبِه نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق)) اه لكن ابن حزم اشترط في التاويل ان يكون له وجه من اللغة او الشرع ولا يخالف المعلوم من الدين بالضرورة وهو معنى الإجماع عنده ولا عنادا للحجة بعد إقامتها عليه قال في المحلى بالآثار (11/ 343) (( فَمَنْ خَرَجَ بِتَأْوِيلٍ هُوَ فِيهِ مُخْطِئٌ، لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَا قَصَدَ فِيهِ خِلَافَ الْقُرْآنِ وَحُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَتَعَمَّدُ خِلَافَهُمَا، أَوْ يَعْنِدُ عَنْهُمَا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، أَوْ خَرَجَ طَالِبًا غَلَبَةً فِي دُنْيَا، وَلَمْ يَخَفْ طَرِيقًا، وَلَا سَفَكَ الدَّمَ جِزَافًا، وَلَا أَخَذَ الْمَالَ ظُلْمًا، فَهَذَا هُوَ الْبَاغِي الَّذِي يُصْلَحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ بَغَى عَلَيْهِ، عَلَى مَا فِي آيَةِ الْبُغَاةِ وَعَلَى مَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ خُرُوجِ الْمَارِقَةِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِهِ، إحْدَاهُمَا بَاغِيَةٌ، وَهِيَ الَّتِي تَقْتُلُ عَمَّارًا، وَالْأُخْرَى أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَحَمِدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا صَدَقَةُ نا ابْنُ عُيَيْنَةَ نا أَبُو مُوسَى عَنْ الْحَسَنِ سَمِعَ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ [صفحة 324] عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ إلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَإِلَيْهِ مَرَّةً، وَيَقُولُ: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» فَإِنْ زَادَ الْأَمْرُ حَتَّى يُخِيفُوا السَّبِيلَ، وَيَأْخُذُوا مَالَ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَةً، بِلَا تَأْوِيلٍ، أَوْ يَسْفِكُوا دَمًا كَذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ مُحَارِبُونَ لَهُمْ حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ، فَإِنْ زَادَ الْأَمْرُ حَتَّى يَخْرِقُوا الْإِجْمَاعَ فَهُمْ مُرْتَدُّونَ: تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا حِينَئِذٍ وَتُخَمَّسُ وَتُقَسَّمُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.)) والاجماع عند ابن حزم هو المسائل المعلومة بالضرورة وقد بين هو كيفية خرق الاجماع بالنسبة للخوارج فقال في ((المحلى بالآثار (11/ 334) فَصَحَّ أَنَّ التَّأْوِيلَ يَخْتَلِفُ، فَأَيُّ طَائِفَةٍ تَأَوَّلَتْ فِي بُغْيَتِهَا طَمْسًا لِشَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ، كَمَنْ قَامَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ لِيُخْرِجَ الْأَمْرَ عَنْ قُرَيْشٍ، أَوْ لِيَرُدَّ النَّاسَ إلَى الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الرَّجْمِ، أَوْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الذُّنُوبِ، أَوْ اسْتِقْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قَتْلِ الْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِظْهَارِ الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ، أَوْ إبْطَالِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا حَتَّى يَكُونَ، أَوْ إلَى الْبَرَاءَةِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ إبْطَالِ الشَّفَاعَةِ، أَوْ إلَى إبْطَالِ الْعَمَلِ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَا إلَى الرَّدِّ إلَى مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الزَّكَاةِ، أَوْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى: فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْذَرُونَ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ تَامَّةٌ.)) يقول ابن تيمية ((فَأَمَّا قَتْلُ الْوَاحِدِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الْخَوَارِجِ؛ كالحرورية وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ؛ كَالدَّاعِيَةِ إلَى مَذْهَبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّنْ فِيهِ فَسَادٌ. فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى [صفحة 325] اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} وَقَالَ: {لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ} وَقَالَ عُمَرُ لِصَبِيغِ بْنِ عِسْلٍ: لَوْ وَجَدْتُك مَحْلُوقًا لَضَرَبْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك. وَلِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ طَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَبَأٍ أَوَّلَ الرَّافِضَةِ حَتَّى هَرَبَ مِنْهُ. وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ. فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُمْ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلُوا وَلَا يَجِبُ قَتْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا لَمْ يَظْهَرْ هَذَا الْقَوْلُ أَوْ كَانَ فِي قَتْلِهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ. وَلِهَذَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ ذَلِكَ الْخَارِجِيِّ ابْتِدَاءً لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ " وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ فِيهِ فَسَادٌ عَامٌّ؛ وَلِهَذَا تَرَكَ عَلِيٌّ قَتْلَهُمْ أَوَّلَ مَا ظَهَرُوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا وَكَانُوا دَاخِلِينَ فِي الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ظَاهِرًا لَمْ يُحَارِبُوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ وَلَمْ يَكُنْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّهُمْ هُمْ. وَأَمَّا تَكْفِيرُهُمْ وَتَخْلِيدُهُمْ: فَفِيهِ أَيْضًا لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد. وَالْقَوْلَانِ فِي الْخَوَارِجِ وَالْمَارِقِينَ مِنْ الحرورية وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كُفْرٌ وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ كُفْرٌ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرْت دَلَائِلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لَكِنْ تَكْفِيرُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ. فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضَى الَّذِي لَا مَعَارِضَ لَهُ. وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي " قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ ".))ا.ه [صفحة 326] فانظر كيف قال ان سبب عدم قتال علي لهم وقتلهم انه لم يتبين له انهم هم المعنيون بتلك الاحاديث فظهر من كلام هؤلاء العلماء أن هذه الاحاديث عني بها اناس مخصوصون قد قامت عليهم الحجة ولا بد .ومن وافقهم في شيء من مقولاتهم واحتمل جهله واحتمل تاويله اقيمت عليه الحجة وان كان لا يحتمل جهله لان الامر معلوم من الدين بالضرورة حكم بكفره ، و انما حكم الطبري بكفرهم مع انهم عنده متاولين لان مذهبه عدم العذر بالجهل في العقائد كما سياتي ان شاء الله .لكن كما سبق لم يثبت ان هؤلاء كانوا متاولين فيكون لكلام الطبري وجه . ثانيا :ذهب من ذهب الى عدم كفرهم لقوله صلى الله عليه وسلم ويتمارى في الفوق اي يشك(يتمارى في الفوق) يشك الرامي في مدخل الوتر من السهم هل فيه شيء من أثر الصيد ام لا يعني ان هؤلاء الخوارج يشك فيهم هل فيهمم بقية من الدين أم لا ولكن كما سبق هذا الشك من الرائي يدفعه التصريح من النبي صلى الله عليه و سلم بانهم شر الخلق وكلاب اهل النار وغير ذلك وهذاالكلام (أي هذا الذي يشك هل في الفوق بقية من الصيد أو لا )على الناظر في حالهم وليس على حقيقة امرهم وقد حصل كما قال صلى الله عليه وسلم فشك اناس في كفرهم فلم يحكموا بتكفيرهم كما سبق من كلام ابن حجر ثالثا استدلول بكلام علي (من الكفر فروا ) وهو عندعبد الرزاق وفيه من لم يسم .وكما سبق يحتمل ان ذلك اجتهاد من علي قبل ان يعرف حقيقتهم بعد كما سبق من الكلام الذي نقله ابن حجر. [صفحة 327] و اذا اردنا العود الى تنقيح المناط فنجد ان هناك اوصافا طردية لا يحكم على فاعلها بذنب ولا يكفر وذلك مثل حلق الراس او يقرأون القرآن او اشداء او غير ذلك من الصفات التي ليست هي من الذنوب وذكر مثل هذه الصفات والاستفاضه فيها دليل على ان العقوبات المذكورة هي في ناس مخصوصين وذلك مثل اوصاف المسيح بانه اعور او قطط الشعر او غير ذلك فهذه من قبيل العلامات التي يحدد بها شخص محدد وليس كل احد اتفق وجود هذه الصفات به انزلنا الحكم عليه . ثم وجدنا اوصافا هي من الذنوب سواء وصلت لمرحلة الكفر او لم تصل اولها قول ذو الخويصرة عن القسمة (ما عدل فيها) وقوله  (سيكون له شيعة ) ثم ذكر صفتهم فالظاهر هنا ان هؤلاء سيكونوا لهذا الرجل شيعة واعوانا والظاهر انههم على ما هو عليه من (انتقاص لقدر النبي صلى الله عليه وسلم )فالرجل لم يظهر منه الا ذلك فهذه اول صفة وهذه صفة مكفرة ولا شك .الثاني (يتعمقون في الدين حتى يخرجون منه )(يمرقون من الدين ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم الى فوقه ) ففي هذين الوصفين ان هؤلاء القوم صدر منهم الكفر وخرجوا منه وهذا مناط مبيح لقوله  (اينما لقيتموهم فاقتلوهم ) فالخروج من الدين يوجب القتل .الثالث (يدعون الى كتاب الله وليسوا منه في شيئ ) وفي هذا دلالة ايضا على كفر هؤلاء فان كونهم ليسوا منه في شيء دخل في ذلك الإيمان ولا بد فهم كفار. جاء في اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 176) وقد قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء. [صفحة 328] ومن تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني - أي أنا من نوعه، وهو من نوعي - لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع، كما في قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ (2) مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195] (3) وقوله عليه الصلاة والسلام لعلي: «أنت مني وأنا منك» (4) فقول القائل: لست من هذا في شيء، أي لست مشاركا له في شيء، بل أنا متبرئ من جميع أموره.)) وجاء في المحلى بالآثار (12/ 125) وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ أَبَقَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَيُبَيِّنُ هَذَا حَدِيثُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَبْرَأُ إلَّا مِنْ كَافِرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] .)) الرابع :قوله عليه السلام (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ) جاء في فتح الباري لابن حجر (12/ 293) وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِيهِمْ أَيْضًا لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ أَيْ يَنْطِقُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَعْرِفُونَهَا بِقُلُوبِهِمْ))وجاء ايضا في فتح الباري لابن حجر (12/ 288) وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنُّطْقِ لَا بِالْقَلْبِ.)) وه وهذا ايضا مناط لوجوب القتل ومناط مكفر وهو نفس المناط السابق فهؤلاء القوم اخبر عنهم النبي ان ايمانهم لا يجاوز حناجرهم والكافر بقلبه كافر وهذا لا اطلاع لاحد عليه فعلم انه انما علم ذلك بالوحي . [صفحة 329] الخامس قول ابي امامة : (قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا ) (انهم كانوا من اهل الاسلام ) السادس : وهو وجود مناطات غير مكفرة ولكنها ذنوب انهم يقتلون اهل الاسلام ،فقتل اهل الاسلام ليس كفرا وهم يتفقون معنا في ذلك ولكنه يبيح القتل ويكون حرابة اذا لم يكن بتاويل سائغ اذن فهو مناط سائغ ايضا لقوله  (اينما لقيتموهم فاقتلوهم ) للحرابة . السابع : (ويدعون اهل الاوثان ) وهو مناط غير مكفر لكنه ذنب، ولا يبيح القتل ،فالظاهر انه ليس هو المناط هنا لوجوب قتل هؤلاء إلا اذا قيل انهم يدعونهم تدينا ويقولون بحرمة قتالهم كما ذهب البعض كما سياتي . اذا هؤلاء القوم من كل المناطات السابقة قوما قد ارتكبوا الكفر وجمعوا معه قتل اهل الاسلام وترك اهل الاوثان. والان لنبحث عن ما هو ما هو الكفر الذي ارتكبوه ؟ وما هي صفات هؤلاء التي ذكرها العلماء في كتبهم اولا : جاء في المحلى (0المحلى بالآثار (11/ 334) فَصَحَّ أَنَّ التَّأْوِيلَ يَخْتَلِفُ، فَأَيُّ طَائِفَةٍ تَأَوَّلَتْ فِي بُغْيَتِهَا طَمْسًا لِشَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ، كَمَنْ قَامَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ لِيُخْرِجَ الْأَمْرَ عَنْ قُرَيْشٍ، أَوْ لِيَرُدَّ النَّاسَ إلَى الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الرَّجْمِ، أَوْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الذُّنُوبِ، أَوْ اسْتِقْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قَتْلِ الْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِظْهَارِ الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ، أَوْ إبْطَالِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا حَتَّى يَكُونَ، أَوْ إلَى الْبَرَاءَةِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ إبْطَالِ الشَّفَاعَةِ، أَوْ إلَى إبْطَالِ الْعَمَلِ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَا إلَى الرَّدِّ إلَى مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [صفحة 330] وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الزَّكَاةِ، أَوْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى: فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْذَرُونَ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ تَامَّةٌ. وَأَمَّا مَنْ دَعَا إلَى تَأْوِيلٍ لَا يَحِلُّ بِهِ سُنَّةٌ، لَكِنْ مِثْلَ تَأْوِيلِ مُعَاوِيَةَ فِي أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ لِعَلِيٍّ: فَهَذَا يُعْذَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إحَالَةُ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ خَاصٌّ فِي قِصَّةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَتَعَدَّى. وَمِنْ قَامَ لِعَرَضِ دُنْيَا فَقَطْ، كَمَا فَعَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي الْقِيَامِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَمَا فَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي الْقِيَامِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَمَنْ قَامَ أَيْضًا عَنْ مَرْوَانَ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْذَرُونَ، لِأَنَّهُمْ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ أَصْلًا، وَهُوَ بَغْيٌ مُجَرَّدٌ. وَأَمَّا مَنْ دَعَا إلَى أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِظْهَارِ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ: فَلَيْسَ بَاغِيًا، بَلْ الْبَاغِي مَنْ خَالَفَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ)) فهنا ذكر ابن حزم امور الخوارج التي كفروا بها وخالفوا بها الاجماع المتيقن وذكر منها ابطال الرجم . جاء في التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص: 185) وَقَالَ حسان بن فروخ سَأَلَني عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ عَمَّا تَقول الْأزَارِقَة فَأَخْبَرته فَقَالَ مَا يَقُولُونَ فِي الرَّجْم فَقلت يكفرون بِهِ فَقَالَ الله أكبر كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله)) اه ، ومن الامور التي ذكرها ابن حزم التكفير بالذنب ،استحلال قتل النساء والاطفال ،ابطال القدر ،ابطال الرؤية ، اعتقاد ان الله لا يعلم شيئا حتى يكون ،البراءة من بعض الصحابة او معظمهم وتكفيرهم ووجه الكفر هنا هو التكذيب بالايات التي فيها الثناء على الصحابة [صفحة 331] بوعدهم بالجنة (وكلا وعد الله الحسنى ) ،او تلك التي تخبر بان الله رضي عنهم . ابطال الشفاعة ،ابطال العمل بالسنن لان الخوارج يقولون برد سنن الاحاد . و ذكر مناطات اخرى غير مكفرة . لذا يرى الباحث ان الفرقتين اللتين جاءت الاحاديث بصددهما هما المحكمة ثم الازارقة وجاء في الفرق بين الفرق (ص: 62) (( الازارقة قوم كَانُوا على رأى المحكمة الأولى))اه فهنا يتبين ان الفرقتين كانوا على نفس الراي ونذكر هنا بعض اوصاف هاتين الفرقتين : جاء في الفرق بين الفرق (ص: 174) من قَول الازارقة ان الله تَعَالَى يعذب طِفْل الْمُشرك على فعل أَبِيه. جاء في ((الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 144) وَقَالَت سَائِر الأزارفة وهم أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق بِإِبْطَال رجم من زنى وَهُوَ مُحصن وَقَطعُوا يَد السَّارِق من الْمنْكب وأوجبوا على الْحَائِض الصَّلَاة وَالصِّيَام فِي حَيْضهَا وَقَالَ بَعضهم لَا وَلَكِن تقضي الصَّلَاة إِذا طهرت كَمَا تَقْتَضِي الصّيام وأباحوا دم الْأَطْفَال مِمَّن لم يكن فِي عَسْكَرهمْ وَقتل النِّسَاء أَيْضا مِمَّن لَيْسَ فِي عَسْكَرهمْ وبرئت الْأزَارِقَة مِمَّن قعد عَن الْخُرُوج لضعف أَو غَيره وَكَفرُوا من خَالف هَذَا القَوْل بعد موت أول من قَالَ بِهِ مِنْهُم وَلم يكفروا من خَالفه فِيهِ فِي حَيَاته وَقَالُوا باستعراض كل من لقوه من غير أهل عَسْكَرهمْ ويقتلونه إِذا قَالَ أَنا مُسلم ويحرمون قتل من انْتَمَى إِلَى [صفحة 332] الْيَهُود والى النَّصَارَى أَو إِلَى الْمَجُوس وَبِهَذَا شهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمروق من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرميه إِذْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أَنهم يقتلُون أهل الْإِسْلَام ويتركون أهل الْأَوْثَان وَهَذَا من أَعْلَام نبوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ أنذر بذلك وَهُوَ من جزئيات الْغَيْب فَخرج نصا كَمَا قَالَ)) اه فهنا يتبين معنى قوله صلى الله عليه وسلم (ويدعون أهل الاوثان ) فهم كانوا يحرمون قتل أهل الكتاب و المشركين كما قال ابن حزم فهنا يكون هذا المناط مكفر ايضا ،فظاهر تركهم لهم انهم يتركونهم تدينا فهو مناط مكفر ايضا . جاء في الملل والنحل (1/ 120) وبدع الأزارقة ثمانية: إحداها: أنه أكفر عليا رضي الله عنه، وقال: إن الله أنزل في شأنه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} 1 وصوب عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، وقال: إن الله تعالى أنزل في شأنه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} 2. وقال عمران بن حطان؛ وهو مفتي الخوارج وزاهدها وشاعرها الأكبر؛ في ضربة ابن ملجم3 لعنه الله لعلي رضي الله عنه: يا ضربة من منيب ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزان . وعلى هذه البدعة مضت الأزارقة، وزادوا عليه تكفير عثمان، وطلحة, والزبير، وعائشة، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، [صفحة 333] وسائر المسلمين معهم، وتخليدهم في النار جميعا،......،والثامنة: اجتمعت الأزارقة على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر كفر ملة، خرج به عن الإسلام جملة، ويكون مخلدا في النار مع سائر الكفار)) ا,ه قال الفخر الرازي ((فِي شرح فرق الْخَوَارِج ساير فرقهم متفقون على أَن العَبْد يصير كَافِرًا بالذنب وهم يكفرون عُثْمَان وعليا رضى وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة ويعظمون أَبَا بكر وَعمر )) ا.ه قال الاشعري في مقالات الإسلاميين ت زرزور (1/ 84) (( جماع رأي الخوارج أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- إن حكم وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟ وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا "النجدات"2 فإنها لا تقول ذلك. وأجمعوا على أن الله - سبحانه - يعذب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً إلا النجدات أصحاب نجدة)). ((جاء في فتح الباري:ان الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فقَالَ فِي فَتَاوِيهِ( احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ وَغُلَاةَ الرَّوَافِضِ بِتَكْفِيرِهِمْ،أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ قَالَ وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ)) [صفحة 334] كان مما سبق ذكر المناطات المذكورة في الأحاديث وكذلك أوصاف هذه الفرقة واتضح منها أن منها الكثير من المناطات المكفرة فهي مناسبة جدا للامر بقتلهم وكونهم كلاب اهل النار وتلك الأفعال المذكورة كافية للحكم عليهم بخروجهم من الدين . جاء بعد ذلك قولان غريبان جدا وهما قولان خبيثان مبنيين على مقدمتين خاطئتين القول الاول وهو كل من خرج على الامام فهو خارجي وبالتالي تنزل عليه كل احاديث الخوارج . القول الثاني :كل من كفر مسلما فهو خارجي وبالتالي تتنزل عليه احاديث الخوارج . اولا: الرد على اصحاب القول الاول : لم يرد في المناطات المذكورة في الاحاديث اي ذكر للخروج على الامام وكذلك في المناطات التي ذكرها العلماء كما لم يوجد اي اشاره لخروج علىى الحاكم في الاحاديث بل كل ما جاء بمعنى الخروج في الاحاديث هو الخروج من الدين في قوله (يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه ) وقوله (يمرقون من الدين) قال الشوكاني ((نيل الأوطار (7/ 187) قَوْلُهُ: (بَابُ قِتَالِ الْخَوَارِجِ) هُمْ جَمْعُ خَارِجَةٍ: أَيْ طَائِفَةٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ الدِّينِ وَابْتِدَاعِهِمْ أَوْ خُرُوجِهِمْ عَنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ) ا.ه وخروجهم عن خيار المسلمين اي خروجهم منهم فهم ليسوا في جملتهم وليس المعنى خروجهم عليهم لان( عن) غير (على) فالظاهر أنه يريد مفارقتهم للجماعة بما ابتدعوه من امور مكفرة . [صفحة 335] ومنهم من خصهم بالطائفة الذين خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه. قال الأشعري: ((والسبب الذي سُمّوا له خوارج؛ خروجهم على علي بن أبي طالب)) (1) .. لكن البعض استدل بكلام الشهرستاني التالي ان كل من خرج على الامام يسمى خارجيا وبالتالي تنطبق عليه كل الاحاديث السابقة علي) فتحصل من كلام العلماء ثلاثة اسباب للتسمية اولا لخروجهم عن الدين وهو المذكور في الاحاديث .الثاني سموا بذلك لخروجهم على علي .الثالث سموا بذلك لخروجهم على ائمة الحق وهذين التعريفين لا عاضد لهما من الاحاديث .لكن خلط البعض بين سبب التسمية وبين مناط الحكم فجعلوا سبب التسمية هو مناط الحكم وهذا جهل بين وضلال مبين ونضرب امثلة ليتضح الفرق .فمن اسماء الخوارج (للخوارج ألقاب عديدة فمن ألقابهم «الخوارج» لخروجهم على عليّ بن أبي طالب، و«المحكِّمة»، لكون شعارهم: «لا حكم إلاّ لله»، و«الحرورية» لنزولهم بحروراء في أوّل أمرهم، و«الشُراة» لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بِعْناها بالجنّة، و«المارقة» لأنّهم مرقوا من الدين كما يَمْرق السهم من الرميّة ـ حسب توصيف الرسول لهم . و منها الشكاكية وذلك أنهم لما رفضوا التحكيم، قالوا لعلي: شككت في أمرك وحكمت عدوك من نفسك، فسموا بذلك الشكاكية )) فكانت هذه بعض الاسماء وبعض أسباب التسمية ولا شك عند اي احد ان كل من قال لا حكم إلا لله.لا تطبق بالضرورة عليه احكام الخوارج وإن كان يسمى في اللغة محكم لله كذلك ليس كل من سكن حروراء تطبق عليه الأحكام وان كان يسمى حروري وليس كل [صفحة 336] من قال اني اشري نفسي ابتغاء رضوان الله تطبق عليه الاحكام وان كان يسمى شاري وجمعه شراه . كذلك ليس كل من خرج على حاكم تطبق عليه الأحاديث لانه لا تتوافر فيه المناطات التي ذكرها عليه السلام والمذكورة في الاحاديث لاعطائه حكم الخوارج وإلا فقد خرج معاوية و من معه على علي ولم يقل أحد ان هؤلاء خوارج اصطلاحا ،وخرج الحسين ومن معه من أفاضل الصحابة على يزيد وخرج عبد الله بن الزبير ومن معه من خيار الصحابة عليه ايضا وخرج زيد بن على وهومن الافاضل على هشام بن عبد الملك بمعونة وتمويل الامام ابي حنيفة ولم يقل من العلماء احد ان هؤلاء يسمون بالخوارج اصطلاحا وقد سبق سوق هذه المسألة من قبل إلا ان في كلام الشهرستاني قيدان يغفل عنهما المميعة عمدا وهما قوله (الامام الحق),فهل هؤلاء الطواغيت ائمة حق ؟ وهل عقد امامتهم صحيح ؟ الثاني قوله (الذي اجتمعت عليه الناس) ولا شك انه يقصد هنا بالناس المؤمنين وليس المشركين الذين ينادون بعلمانية او باشتراكية او بديمقراطية ويشركون مع الله في حكمه طواغيت اخر فهل المؤمنون الموحدون الذين يوحدون الله في حكمه اجتمعوا على اختيار هؤلاء الطواغيت ليحكموهم بشرائع الكفر ؟؟ سؤالان يحتاجان الى اجابة قبل الحكم على كل من خرج على الطاغوت انه خارجي ,فان لم تجدوا فاعلموا انكم تتبعون اهوائكم ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وفرقوا بين التسمية المخصوصة وبين مناط الحكم والا فيلزمكم تسمية كل من نصر الرسول انصاري وتحكمون له برضا لله عنه . وان كل من سكن [صفحة 337] بلدة ناصرة نصراني وتحكمون له بالخلود في النار . وكل من هاد الى الله وتاب اليه انه من اليهود فتحكمون له باللعن وكل من اعتزل جماعة ما انه من المعتزلة او كل من شايع عليا فهو من الشيعة افيقوا يرحمكم الله . اما الفريق الثاني فذهبوا ان مناط الحكم على هؤلاء بالخارجية هو تكفير المسلمين وبالتالي استحلال قتلهم . للرد على هؤلاء نقول التكفير يكون على عدة اشكال وانواع. اولا : التكفير لما ليس بمكفر اصلا باجماع اهل السنة وهو التكفير بارتكاب الكبائر وهذا ما ذكره العلماء عن الخوارج وهذا غير مذكور في الاحاديث الا اذاكان يمكن ان يؤخذ بدلالة الاشارة من قوله صلى الله عليه وسلم (يقتلون اهل الاسلام ) .فان كان كذلك فيمكن القول ان هذا من المناطات لكن كما سبق ان حدث هذا في غير الطائفة المذكورة وجب اقامة الحجة قبل الحكم بالتكفير لاختلاط المناطات في الحديث من خروجهم من الدين برد السنة او انكار المعلوم من الدين بالضرورة كسنة الاحاد وتحريمهم قتل اهل الاوثان وغير ذلك مما سبق ذكره فوجب اقامة الحجة. لكن الاترى ان رأي المعتزلة في مرتكب الكبيرة أنه مخلد في النار وإن كانوا لا يقولون بتكفيره ومع ذلك عدَّل الائمة كثير من ائمتهم و كان منهم خلفاء مثل المعتصم,كذلك فالمعتزلة لا يعذرون بالجهل و يقولون بأن العقل كاف في التحسين و التقبيح و إن لم يبلغ الشخص النص و لا أعرف أحدا قال أنهم من الخوارج و نزل أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم في الخوارج عليهم مع [صفحة 338] تواجدهم في عصور السلف من التابعين فعلم أن عدم العذر بالجهل و التأويل في تكفير شخص ما ليس مناط كون الشخص خارجيا عندهم الثاني: التكفير بذنب مختلف فيه هل هو كفر أم لا ولا شك عند احدمن الائمة ان من كفر احدا من الناس بامر اختلف فيه العلماء هل هو كفر أم لا انه لا يقال عن المكفر انه خارجي وتنطبق عليه احاديث الخوارج. واذكر هنا بعض الافراد الذين اختلف اهل السنة في تكفيرهم جاء في ((الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (1/ 223) فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ (7) كَثِيرٍ مِنْ فِرَقِهِمْ مِثْلَ الْخَوَارِجِ (8)، وَالْقَدَرِيَّةِ (9) وَغَيْرِهِمْ )). وجاء في ((الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (2/ 630) وَاعْلَم أَن اهل السّنة اخْتلفُوا فِي تَكْفِير يزِيد بن مُعَاوِيَة وَولي عَهده من بعده فَقَالَت طَائِفَة إِنَّه كَافِر لقَوْل سبط ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره الْمَشْهُور أَنه لماجاء رَأس الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ جمع أهل الشَّام وَجعل ينكت رَأسه بالخيزران وينشد ابيات ابْن الزِّبَعْرَى)) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1641) [صفحة 339] وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ جَاهِلِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَمِمَّنْ كَفَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَقَالَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا، وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُكَفَّرُ بِهِ بِخِلَافِ جَحْدِهَا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْحَسَنِ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ مَذْهَبُهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ اعْتِقَادًا يَقْطَعُ بِصَوَابِهِ وَيَرَاهُ دِينًا شَرْعًا، وَإِنَّمَا يُكَفَّرُ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَقَالَتَهُ حَقٌّ،)). وجاء في ((العرف الشذي شرح سنن الترمذي (1/ 81) اختلفوا في تكفير الروافض، وللأحناف قولان: قيل: إنهم كافرون، وقيل: لا، والمختار تكفيرهم، فإن مكفر جمهور الصحابة كافر وقصر الروافض، الإسلام على تسعة أصحاب أو سبعة )). وجاء في ((شرح الطحاوية - يوسف الغفيص (19/ 18، بترقيم الشاملة آليا) الخلاف في تكفير تارك الصوم والحج وأما الصوم والحج فقد ذهب طائفة من السلف إلى أن ترك الصوم كفر, وذهب طائفة من السلف إلى أن ترك الحج كفر, والجماهير من السلف والخلف على أن ترك الصوم وحده أو ترك الحج وحده ليس كفراً)) [صفحة 340] ((وقال ابن هبيرة: (اختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: - يكفر بذلك، إلا أن من أصحاب أبي حنيفة من فصل ذلك، فقال إن تعلمه ليتقه أو ليتجنبه فلا يكفر بذلك، وإن تعلمه معتقداً لجوازه أو معتقداً أنه ينفعه فإنه يكفر، ولم ير الإطلاق، وإن اعتقد أن الشياطين تفعل ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي: - إذا تعلم السحر قلنا له صف سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر بمثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكـب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر) ) والخلاف في تكفير تارك الصلاة معروف كذلك سبق في بداية هذا البحث خلاف السلف في تكفير المتأولين وذكرنا من نقل الخلاف في ذلك مثل القاضي عياض و قررنا أن ذلك مذهب ابن جرير الطبري ولم أعرف أحدا قال إن هؤلاء السلف من الخوارج ولا احد اتهم ابن جرير الطبري أنه من الخوارج و مذهب هذه الفرقة المعاصرة التي تكفر المتأولين ولا تعذرهم بالجهل قريب جدا من مذهب ابن جرير الطبري في هذه المسألة فمن قال أنهم من الخوارج لزمه ذلك في ابن جرير الطبري سواء بسواء و إلا فقد تناقض فكل هذه المسائل اختلف العلماء في الافراد الذين وقعوا فيها فهم عند بعضهم كفار مخلدون في النار وعند اخرين مؤمنون ولم تقل الطائفة التي كفرت ان الاخرى من الخوارج ذلك لان الخطأ في التكفير امر غير مؤاخذ عليه وادلة ذلك كثيرة منها ما جاء في [صفحة 341] 1مسند البزار = البحر الزخار (1/ 309) فَقَالَ عُمَرُ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْكِنِّي مِنْ حَاطِبٍ فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:310].)) و الحديث صححه أهل العلم ففي الحديث تكفير عمر لحاطب وعذر رسول الله له ولم يقل انه من الخوارج 2 جاء في(( صحيح البخاري (3/ 175) فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي»، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْذُرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لاَ تَقْتُلُهُ، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ، وَالخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ، فَنَزَلَ، فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ)) [صفحة 342] فهنا اتهم اسيد بن حضير سعد بن معاذ بالكفر وعذره صلى الله عليه وسلم ولم يقل انه خارجي 3 جاء في صحيح مسلم (1/ 96) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ،)) فهنا ظن اسامة كفر الرجل وعذره صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه 4 جاء في صحيح البخاري (5/ 160) عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ [ص:161]، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ [صفحة 343] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ» فهنا ظن خالد بقاء هؤلاء على الكفر ولم يعاقبه صلى الله عليه وسلم ولم يعزله ولم يقل انه من الخوارج . يقول ابن تيمية ((مجموع الفتاوى ج3، كما يقول " وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي : «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدل فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وهذا في الصحيحين. وفيها أيضا من حديث الإفك أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: أنك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي بينهم. فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم إنك منافق، ولم يكفر النبي لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة " كان ما سبق ادلة من قال ان التاويل في التكفير غير مؤاخذ عليه ولا يسمى فاعله خارجيا والا اتهمنا نصف علماء الامة بالخروج فبطل بذلك قول من قال ان من تاول في التكفير هو من الخوارج . النوع الرابع من التكفير هو :ان يكون الفعل مجمع عليه انه مكفر ولكن من اطلق حكم التكفير يطلقه على الاعيان دون اعتبار عارض الجهل اي لا يعذر المرتكب لانه لا عذر للجهل عنده اصلا . فهل من لا يعذر بالجهل متأولا يعتبر من الخوارج ؟. [صفحة 344] مسألة العذر بالجهل مسالة مختلف فيها بين العلماء ويلاحظ ان هذا النوع من التكفير هو اقل حدة من النوع السابق اذ ان النوع السابق هو تكفير من لم يرتكب كفر اصلا لكن ظن البعض ان هذا الفعل كفر لكن هنا فإن الشخص مرتكب لكفر مجمع عليه لكن لم يعذر لجهله فكل الادلة السابقة تصلح على الاستدلال بها هنا عن طريق الاولى والله اعلم .هذا وان كان الباحث يرى العذر بالجهل للمتاول غير المفرط في طلب العلم وغير المفتري على الله كذبا و لكن موضع البحث هنا هو هل الذي لا يعذر وهومتأول هل هو خارجي دعونا نستعرض اولا اراء العلماء الذين لم يعذروا بالجهل سواء لانهم لا يرون الجهل عذرا اويرونه عذرا لكن يرون ان العلم قد شاع وان المكلف قد قصر في طلب العلم لذا فلا عذر له : نقل ابن حزم الخلاف في مسألةالعذر بالجهل فقال في(0الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 137) الْكَلَام فِيمَن يكفر وَلَا يكفر قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي هَذَا الْبَاب فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن من خالفهم فِي شَيْء من مسَائِل الِاعْتِقَاد أَو فِي شَيْء من مسَائِل الْفتيا فَهُوَ كَافِر وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه كَافِر فِي بعض ذَلِك فَاسق غير كَافِر فِي بعضه على حسب مَا أدتهم إِلَيْهِ عُقُولهمْ وظنونهم وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن من خالفهم فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد فَهُوَ كَافِر وَأَن من خالفهم فِي مسَائِل الْأَحْكَام والعبادات فَلَيْسَ كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا وَلكنه مُجْتَهد مَعْذُور إِن أَخطَأ مأجور بنيته وَقَالَت طَائِفَة بِمثل هَذَا فِيمَن خالفهم فِي مسَائِل الْعِبَادَات وَقَالُوا فِيمَن خالفهم فِي [صفحة 345] مسَائِل الاعتقادات أَن كان الْخلاف فِي صِفَات الله عز وَجل فَهُوَ كَافِر وَإِن كَانَ فِيمَا دون ذَلِك فَهُوَ فَاسق وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يكفر وَلَا يفسق مُسلم بقول قَالَه فِي اعْتِقَاد أَو فتيا وَإِن كل من اجْتهد فِي شَيْء من ذَلِك فدان بِمَا رأى أَنه الْحق فَإِنَّهُ مأجور على كل حَال أَن أصَاب الْحق فأجران وَإِن أَخطَأ فأجر وَاحِد وَهَذَا قَول ابْن أبي ليلِي وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَدَاوُد بن عَليّ رَضِي الله عَن جَمِيعهم وَهُوَ قَول كل من عرفنَا لَهُ قولا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لَا نعلم مِنْهُم فِي ذَلِك خلافًا أصلا إِلَّا مَا ذكرنَا من اخْتلَافهمْ فِي تَكْفِير من ترك صَلَاة مُتَعَمدا حَتَّى خرج وَقتهَا أَو ترك أَدَاء الزَّكَاة أَو ترك الْحَج أَو ترك صِيَام رَمَضَان أَو شرب الْخمر وَاحْتج من كفر بِالْخِلَافِ فِي الاعتقادات بأَشْيَاء نوردها إِن شَاءَ الله عز وَجل قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذكرُوا حَدِيثا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْقَدَرِيَّة والمرجئية مجوس بِهَذِهِ الْأمة وحديثاً آخر تفترق هَذِه الْأمة على بضع وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار حاشى وَاحِدَة فَهِيَ فِي الْجنَّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَانِ حديثان لَا يصحان أصلا من طَرِيق الْإِسْنَاد وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ حجَّة عِنْد من يَقُول بِخَبَر الْوَاحِد فَكيف من لَا يَقُول بِهِ وَاحْتَجُّوا بالْخبر الثَّابِت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر فقد بَاء بالْكفْر أَحدهمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن لَفظه يَقْتَضِي أَنه يأثم برميه للكفر وَلم يقل عَلَيْهِ السَّلَام أَنه بذلك كَافِر [صفحة 346] قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْجُمْهُور من المحتجين بِهَذَا الْخَبَر لَا يكفرون من قَالَ لمُسلم يَا كَافِر فِي مشاتمة تجْرِي بَينهمَا وَبِهَذَا خالفوا الْخَبَر الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْحق هُوَ أَن كل من ثَبت لَهُ عقد الْإِسْلَام فَإِنَّهُ لَا يَزُول عَنهُ إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع وَأما بِالدَّعْوَى والافتراء فَلَا فَوَجَبَ أَن لَا يكفر أحد بقول قَالَه إِلَّا بِأَن يُخَالف مَا قد صَحَّ عِنْده أَن الله تَعَالَى قَالَه أَو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه فيستجيز خلاف الله تَعَالَى وَخلاف رَسُوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَسَوَاء كَانَ ذَلِك فِي عقد دين أَو فِي نحلة أَو فِي فتيا وَسَوَاء كَانَ مَا صَحَّ من ذَلِك عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْقُولًا نقل إِجْمَاع تواتروا أَو نقل آحَاد إِلَّا أَن من خَالف الْإِجْمَاع الْمُتَيَقن الْمَقْطُوع على صِحَّته فَهُوَ أظهر فِي قطع حجَّته وَوُجُوب تكفيره لِاتِّفَاق الْجَمِيع على معرفَة الْإِجْمَاع وعَلى تَكْفِير مُخَالفَه برهَان صِحَة قَوْلنَا قَول الله تَعَالَى {وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيراً}))ا.ه اقوال من قال بعدم العذر بالجهل: قال ابن جرير رحمه الله في تفسيره عن قوله تعالى في سورة الأعراف ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) قال إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة إنما ضلوا عن سبيل الله وجاروا عن قصد المحجة باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله وظُهراء جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى و حق وأن الصواب ما أتوه وركبوه وهذا [صفحة 347] من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربه لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد وفريق الهدى فرق وقد فرق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية)) اهـ . ونقل ابا بطين عن ابن جرير عند تفسير قولة تعالى (فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ۗ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) قال ابن جرير وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور اهـ الدرر 10/392 وراجع أيضا كلام ابن جرير في سورة الكهف آية 104 وقد سبق كلام الطبري الذي نقله عنه ابن حجر في الخوارج ((وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى بَعْضِ هَذَا الْبَحْثِ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَرَدَ أَحَادِيثَ الْبَابِ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ حُكْمَهُ إِلَّا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْهُ عَالِمًا فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُونَ الْحَقَّ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَكِبُوا اسْتِحْلَالَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَّا بِخَطَإٍ مِنْهُمْ فِيمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن بن عَبَّاسٍ وَذَكَرَ عِنْدَهُ الْخَوَارِجَ وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَقَالَ يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ الْأَمْرُ بِقَتْلِهِمْ مَعَ مَا تقدم من حَدِيث بن مَسْعُودٍ لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ وَفِيهِ التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ )) [صفحة 348] قال ابن منده رحمه الله في كتابه التوحيد 1/314 : باب ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله عز وجل ووحدانيته كالمعاند ،ثم قال :قال الله تعالى مخبرا عن ضلالتهم ومعاندتهم (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) وقال القرطبي في تفسيره 7/319 عند آية الميثاق قال في آخرها ( ولا عذر للمقلد في التوحيد ) اهـ قال أبو الوفاء ابن عقيل رحمه الله فيمن دعا صاحب التربة و دس الرقاع على القبور أنه شرك أكبر ،وقد نقل أئمة الدعوة عنه هذا كثيرا على وجه الإقرار له ،قال الشيخ محمد في تاريخ نجد ص266 (وابن عقيل ذكر أنهم كفار بهذا الفعل( أعني دعوة صاحب التربة ودس الرقاع ) وقال الشيخ ابا بطين (تقدم كلام ابن عقيل في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور نقله عنه ابن القيم مستحسنا له )الدرر 10/386 ، قال ابن فرحون في تبصرة الحكام في باب الردة قال (مسألة ومن عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك فانه يقتل ولا يستتاب ) عن أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر قالوا في الدرر 10/136-138 لما سئلوا أن المؤمن بالله ورسوله إذا قال أو فعل ما يكون كفرا جهلا منه بذلك فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة الرسالية فهل لو قتل من هذا حالة قبل ظهورهذه الدعوة موضوع أولا ؟ [صفحة 349] فأجابوا قائلين إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله أو عدم من ينبهه لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة ولكن لا نحكم بأنه مسلم بل نقول عمله هذا كفر يبيح المال والدم وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه ولا يقال إن لم يكن كافرا فهو مسلم بل نقول : عمله عمل الكفار وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية وقد ذكر أهل العلم : أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات ولم يجعلوا حكمه حكم الكفار ولا حكم الأبرار ، الدرر10/137. وقال الشيخ عبد العزيز قاضي الدرعية في الرسائل والمسائل النجدية 5/576 قال في جواب له لما سئل عن المؤمن بالله ورسوله إذا قال أو فعل ما يكون كفرا جهلا منه بذلك فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة ؟ فقال إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله ولعدم من ينبهه لا نحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة ولكن لا نحكم بأنه مسلم ، بل نقول عمله هذا كفر يبيح المال والدم وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه ولا يقال إن لم يكن كافرا فهو مسلم بل نقول عمله عمل الكفار وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية إليه وقد ذكر أهل العلم أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات ولم يجعلوا حكمهم حكم الكفار ولا حكم الأبرار .)) [صفحة 350] وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرسائل والمسائل القسم الأول من الجزء الأول (ص79) قال أما من مات وهو يفعل الشرك جهلا لا عناد فهذا نكل أمره إلى الله تعالى ولا ينبغي الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وذلك لأن كثيرا من العلماء يقولون من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة كما قال تعالى ( لأنذركم به ومن بلغ) . قال القرافي الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق (2/ 150) وَمَنْ أَقْدَمَ مَعَ الْجَهْلِ فَقَدْ أَثِمَ خُصُوصًا فِي الِاعْتِقَادَاتِ فَإِنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَدْ شَدَّدَ فِي عَقَائِدِ أُصُولِ الدِّينِ تَشْدِيدًا عَظِيمًا بِحَيْثُ إنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ بَذَلَ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الْجَهْلِ عَنْهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي شَيْءٍ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ ذَلِكَ الْجَهْلُ فَإِنَّهُ آثِمٌ كَافِرٌ بِتَرْكِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِيمَانِ وَيَخْلُدُ فِي النِّيرَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ)) تبين مما سبق ان الخلاف في مسألة العذر بالجهل في مسائل العقائد امر مختلف فيه فلا يتهم الذي لا يعذر بانه خارجي والا فليقولوا بذلك على الائمة السابق ذكرهم والا وقعوا في التناقض ولا بد ثم اذا كان المناط الذي يحكم عليه الشخص بأنه خارجي هو كونه كفر من لا يستحق التكفير ولو تأولا و بالتالي تتنزل عليه احاديث الخوارج ويجب قتله ويكفر عند البعض فلا ادري لماذا لم ينزلوا [صفحة 351] هذه الاحاديث على المعتزلة فهم يكفرون اهل السنة بتاويل يرونه قال ابن تيمية ((في منهاج السنة ( 5/158) : ( والخوارج تكفر أهل الجماعة ،وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم (10) وكذلك أكثر الرافضة ، ومن لم يُكفّر فَسّق ، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيا ،ويُكفرون من خالفهم فيه ، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ، ولا يُكفرون من خالفهم فيه ،بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق ،كما وصف الله به المسلمين بقوله : (( كنتم خير أمة أخرجت للناس )). كذلك البعض من الأشاعرة يكفرون أهل السنة المثبتين للعلو و الصفات ويسمونهم حشوية مجسمة مشبهة ولا أعرف احدا من أهل السنة سمى هؤلاء من الخوارج جاء في بحث كتبه كتبه : الأستاذ رضوان شكداني ((قال الشيخ أبو إسحق الشيرازي امام الأشاعرة في وقته وصاحب كتاب المهذب الذي عليه وعلى شرحه للإمام النووي رحمه الله ما نصه : (فمن اعتقد غير ما أشرنا إليه من اعتقاد أهل الحق المنتسبين إلى الإمام أبي الحسن الاشعري رضي الله عنه فهو كافر . ومن نسب إليهم غير ذلك فقد كفرهم فيكون كافرا بتكفيره لهم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ما كفر رجل رجلا إلا باء به أحدهما . .) . انظر شرح اللمع له (1 / 111) وقال السبكي في سيفه الصقيل”الخشبي” معقبا على الإمام العلامة ابن القيم”فهو الملحد لعنه الله وما أوقحه وما أكثر تجرؤه أخزاه الله” السيف الصقيل ص 37 وقد حققه الكوثري فمسخه! وتمادى الكوثري فرمى ابن القيم – رحمه الله تعالى – بأَلفاظ التكفير والسب والثلب ما يأنف الطبع عن سماعه وقد حشرها في رسالته المسماة ((تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم)). وقال الكوثري أيضا: وقد كفر ابن تيمية قضاة المذاهب الأربعة فى مصر حين حرم زيارة قبر النبي. تكملة السيف الصقيل ص 155 . وقال ابن نُجَيْم الحنفي الماتريدي (970هـ) في (البحر الرائق: باب أحكام المرتدين5/129) :(ويكفربإثبات المكان لله تعالى، فإن قال: الله في السماء، فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر”. وقال أبو المعين النسفي الحنفي الماتريدي(508هـ) في (تبصرة الأدلة 1/169) :”والله تعالى نفى المماثلة بين ذاته وبين غيره من الأشياء، فيكون القولبإثبات المكان له ردًّا لهذا النص المحكم ـ أي قوله تعالى :{ليس كمثله شىء} ـ الذيلا احتمال فيه لوَجْهٍ ما سوى ظاهره، ورادُّ النص كافر، عصمنا الله عن ذلك” اهـ. ثانيا : تكفير عموم المسلمين الذين لم يتلقوا عقيدتهم في الله تعالى بالنظر؛ الذي هو ترتيب الأقيسة العقلية، حيث تجدهم يقررون في كتبهم وجوب النظر العقلي لإثبات وجود لله تعالى، ومن لم يعتمد هذه الطرق العقلية سموه مقلدا ثم قرروا [صفحة 352] أن إيمان المقلد لا يصح، هذا مذهب الأشعري وأئمة أصحابه واختيار محمد بن يوسف السنوسي (ت 895) صاحب أم البراهين وغيرها من كتب الكلام المعتمدة عند المتأخرين، وقد قال في كتابه المنهج السديد (ص:48):” وهو قول الجمهور وبعضهم يحكي الإجماع عليه”. والمقلد عند القوم من لم يقم الدليل على الأصول العقدية والأدلة عند القوم هي الأدلة الكلامية قال الباجوري في شرح جوهرة التوحيد :” ففيه بعض القوم: أي فبسبب تحيره وتردده اختلف العلماء في إيمانه صحة وفساداً، وحاصل الخلاف فيه أقوال منها: عدم صحة إيمان المقلد، فيكون المقلد كافراً، وعليه السنوسي))”. فاذا كان المناط لرمي الشخص بتهمة الخارجية هو مجرد التكفير فهو لا بد متحقق في هؤلاء المذكورين ولا بد ان تطبق عليهم هذه الاحاديث على زعمهم لانها عندهم ليست في مخصوصين فيجب تكفيرهم على الاعيان وقتل الواحد المقدور عليه منهم لكنهم لا يقولون بذلك فحصلوا في التناقض ولا بد . ومن عجيب فعل هؤلاء انك اذا سالتهم لماذا تقاتلون هؤلاء فيقولون لانهم يكفروننا ويقاتلوننا فيقال لهم هل هم يطبقون شريعة الله ام لا يطبقونها في اراضيهم فمن جوابهم نعم فيقال لهم فالصليبيون الذين واليتموهم وقاتلتم معهم هم ايضا يكفرون المسلمين ويقاتلونهم ولا يطبقون شرع الله في اراضيهم فأي الفريقين احق بتنزيل احاديث الخوارج عليهم واي الفريقين احق بالموالاة الا اذا قلتم انهم اي من قلتم انهم من الخوارج قد ارتدوا بفعلهم هذا و كفروا والمرتد اولى بالقتال من الكافر فيقال لهم وقعتم فيما فررتم منه من التكفير وعدم العذر بالجهل و التاويل فكفرتم طائفة كبيرة وقلتم بردتها ولم تعذرونها فانتم الان تنطبق احاديث الخوارج عليكم لتحقق مناطها فيكم ثم مناط اخر انكم تركتم اهل الاوثان من النصارى واهل الشرك وعقدتم معهم [صفحة 353] المصالحات على قتال اخوانكم فقاتلتم اهل الاسلام وتركتم اهل الاوثان بل وارتضيتم بالديمقراطية التي تحرم التعرض للحريات الدينية والتعرض لسيادة الدول الاخرى ولو كان هؤلاء من اهل الاوثان فتركتم اهل الاوثان حقيقة وارتضيتم دستورا وشرعا يحرم قتالهم فوقعتم في (يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان ) ذلك المناط الواضح المذكور في الاحاديث واخترتم مناطا لم يذكر في الحديث . فان قالوا بل نحن لا نقول بردتهم قلنا اذن تعالوا لنرى اقوال العلماء في مثل هذه الحال : اقوال العلماء: قال ابن تيمية بعد أن ذكر نزاع المتأخرين في تكفير أهل البدع هل هو كفر ينقل عن الملة أم لا ، وهل يخلدون في النار أم لا … قال : (( وحقيقة الأمر : أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع ، كلما رأوهم قالوا : من قال كذا فهو كافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم هذا الكلام بعينه ، فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى القول بخلق القرآن ونفي الصفات ، وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس … وذكر أن أكثر أولي [صفحة 354] الأمر كانوا يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا لهم ويعاملونهم معاملة الكفار … الخ ، إلى قوله : ( ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها ، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ….. ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ، ممن ضربه وحبسه ، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه … ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم ، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع ، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية(( …. فانظر رحمك الله على شناعة مذهب الجهمية لم يكفر اعيانهم بل ودعا لهم ولم ينصر اهل الشرك والصليبيين عليهم بل وفرح بفتح عمورية واظهر فرحه بذلك ولم يسلم للصليبيين ارض الاسلام التي تحكم بالشريعة للصليبيين بحجة ان الجهمية والمعتزلة يكفروننا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن البكري ((فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الزنا والكذب حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله تعالى، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله))) أهـ ص(257). وذكر أيضاً، أن (من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً، ومن ممادح أهل العلم أنّهم يُخطئون ولا يُكفرون) أهـ(9). [صفحة 355] وقال في منهاج السنة ( 5/158) : ( والخوارج تكفر أهل الجماعة ،وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم (10) وكذلك أكثر الرافضة ، ومن لم يُكفّر فَسّق ، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيا ،ويُكفرون من خالفهم فيه ، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ، ولا يُكفرون من خالفهم فيه ،بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق ،كما وصف الله به المسلمين بقوله : (( كنتم خير أمة أخرجت للناس )) وقال ايضا: (ال( ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطناً وظاهراً، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنن، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقاً أو عاصياً، وقد يكون مخطئاً متأولاً مغفوراً له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه) أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (3/220). قال ابن القيم رحمه الله " زاد المعاد ومنها أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه وإن منعوا غيره، فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله لا على كفرهم وبغيهم ويمنعون مما سوى ذلك فكل من التمس المعاونة على محبوب لله مرض له أجيب إلى ذلك كائنا من كان ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه. )) [صفحة 356] قال ابن تيمية(28/212) قوله: ((إِذَا تَعَذَّرَ إقَامَةُ الْوَاجِبَاتِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا بِمَنْ فِيهِ بِدْعَةٌ -مَضَرَّتُهَا دُونَ مَضَرَّةِ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ- : كَانَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةِالْوَاجِبِ مَعَ مَفْسَدَةٍ مَرْجُوحَةٍ مَعَهُ خَيْرًا مِنْ الْعَكْسِ)) ا.ه وسقت هذه النصوص لهؤلاء الذين يقدمون موالاة الكفار الاصليين على من فيه بدعة على زعمهم مع توافر كل ما انكروه على المبتدعة في الصليبيين من كونهم يكفرونهم ويقتلون المسلمين واضافة على ذلك لا يقيمون الشرع ولايدعون احدا يقيمة الا امطروه بقنابلهم فاعتبروا يا اولي الالباب من من هؤلاء اولى بالموالاة . (الخلاصة ) بعد البحث في هذه المسألة وهي العذر بالجهل تبين للباحث ما يلي و هو أن مرتكب الكفر عن جهل بعد إتيانه بالشهادتين و إيمانه الإيمان المجمل لا يخلو من كونه إما فعل ذلك متاولا تاويلا له وجه من الشرع او اللغة فهذا معذور واخر قصر في طلب العلم و تكلم على الله بغير علم نفيا أو إثباتا فهذا غير معذور .وأن من لم يعذر بالجهل و كفر المتاولين هو معذور بجهله لا يمكن تكفيره بذلك ولا اتهامه بالخارجية .كذلك من عذر بالجهل متاولا لا يمكن تكفيره ولا اتهامه بالإرجاء .والله أعلم و كل خطأ وقع في هذا البحث مخالف لكلام الله و كلام رسوله فانا راجع عنه ورحم الله من صحح لدي خطأ و الحمد الله رب العالمين [صفحة 357] النوع الرابع من انواع التكفير ان يكون الكفر مجمعا عليه والقائل بالتكفير يعذر بالجهل ولكنه يرى ان العلم حاصل للذي فعل فعل الكفر فلا عذر بالجهل لديه وذلك مثل فعل عمر مع حاطب على تخريجات البعض ومثل فعل سعد ابن معاذ مع اسيد بن حضير . فهذا اخف انواع التكفير والاجتهاد في هذه المسالة محتمل جدا وله مسرح كبير فان كانت المسائل الثلاثة الأولى يحتمل فيها التأويل أفلا يحتمل هنا